صحة جيدة لحياة أفضل

فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز: الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر إزاء انهيار التمويلات العالمية، وتهديد يطال ملايين الأرواح

حرر : شعبان بوعريسة | صحفي
30 يوليو 2026

في وقتٍ مكنت فيه الإنجازات الكبيرة خلال العقود الماضية من خفض عدد الإصابات الجديدة والوفيات المرتبطة بفيروس نقص المناعة البشرية (VIH)، تمرّ مكافحة الإيدز اليوم بمرحلة حرجة. ووفقًا لتقرير جديد صادر عن برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (UNAIDS)، عُرض خلال المؤتمر الدولي السادس والعشرين للإيدز، الذي احتضنته مدينة ريو دي جانيرو (البرازيل)، فقد تراجعت التمويلات الدولية المخصصة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية بنحو 20%  خلال عام واحد فقط.

انخفاض تاريخي في التمويلات يثير المخاوف من عودة تفشي الوباء عالميًا

هذا الانخفاض وهو الأكبر الذي يُسجل منذ عدة عقود، قد يقوض المكاسب التي تحققت بعد جهود كبيرة، ويؤدي إلى ارتفاع جديد في عدد الإصابات، لا سيما في البلدان الأكثر هشاشة.

يرى برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز أن الوضع يبعث على القلق، وحذّرت ”أنجيلي أتشريكار” المديرة التنفيذية المساعدة للبرنامج، من أن الاستجابة الدولية لمواجهة فيروس نقص المناعة البشرية تفقد زخمها بالكامل، وأكدت أن تراجع التمويلات يهدد بشكل مباشر برامج الوقاية والكشف المبكر والعلاج التي جرى تنفيذها في العديد من البلدان، وقالت: ”إذا لم نتكاتف كما فعلنا في السابق فسوف نشهد عودة انتشار فيروس نقص المناعة البشرية.”

وقد بدأت أولى تداعيات هذا التراجع بالظهور بالفعل، إذ سجلت عدة مناطق في العالم ارتفاعًا جديدًا في الإصابات، خاصة بين الفئات الأكثر عرضة لخطر العدوى.

يكشف تقرير البرنامج الأممي أنه في عام 2025، انخفضت التمويلات الدولية الموجهة إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط بنسبة 18% ، ويُعد هذا أكبر انخفاض يُسجل منذ انطلاق البرامج الدولية لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، وجاء هذا التراجع في ظل تقليص عدد من القوى الكبرى لميزانيات المساعدات الإنمائية الرسمية.

فقد خفضت الولايات المتحدة أكبر ممول عالمي في هذا المجال، بشكل كبير إنفاقها على المساعدات الدولية بعد عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة. كما قلّصت عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة مساهماتها المالية.

ورغم هذه التخفيضات لا تزال الولايات المتحدة أكبر مساهم دولي في تمويل مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة، فإنها تؤمن نحو 74% من التمويلات العمومية العالمية المخصصة لمكافحة الفيروس، أما التمويلات الأوروبية، فقد تراجعت منذ عام 2011 بنحو 58%، مما زاد من اعتماد العديد من الدول على عدد محدود من الجهات المانحة، ويؤدي هذا التركّز في مصادر التمويل إلى إضعاف المنظومة العالمية بأكملها.

تواصل البلدان الأكثر تضررًا من فيروس نقص المناعة البشرية، ولا سيما في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، زيادة استثماراتها الوطنية تدريجيًا، غير أن مواردها لا تزال غير كافية، ففي عدد من الدول منخفضة الدخل، تعتمد برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية بنسبة تصل إلى 90% على المساعدات الدولية، ويشمل هذا الاعتماد على وجه الخصوص:

  • حملات الكشف المبكر؛
  • شراء الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية؛
  • الوقاية من انتقال الفيروس من الأم إلى الطفل؛
  • البرامج الموجهة للفئات الأكثر عرضة للإصابة؛
  • تكوين مهنيي الصحة؛
  • المتابعة البيولوجية للمرضى.

ولذلك فإن أي خفض في التمويل قد تكون له آثار فورية على استمرارية الرعاية الصحية.

تُظهر البيانات التي نشرها البرنامج الأممي أن عدد الإصابات الجديدة والوفيات المرتبطة بالإيدز بلغ في عام 2025  أدنى مستوى له منذ أكثر من 30  عاما، وتعكس هذه النتائج فعالية الاستراتيجيات التي تجمع بين:

  • الوقاية؛
  • الكشف المبكر؛
  • العلاج بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية؛
  • مرافقة الأشخاص المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية.

غير أن هذا التحسن يخفي تفاوتات كبيرة، إذ يشير التقرير إلى أن 21  دولة تسجل حاليًا زيادة في عدد الإصابات الجديدة، وتؤكد هذه التطورات أن الوباء لا يزال نشطًا، وأن المكاسب المحققة يمكن أن تتراجع بسرعة.

لقد غيّرت الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية بشكل جذري مستقبل المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، فعند الالتزام بها بالشكل الصحيح فإنها تسمح بـ:

  • السيطرة المستدامة على تكاثر الفيروس؛
  • الحفاظ على الجهاز المناعي؛
  • منع تطور المرض إلى الإيدز؛
  • تقليل انتقال الفيروس إلى مستوى يكاد ينعدم عندما يصبح الحمل الفيروسي غير قابل للكشف.

وقد حددت الأمم المتحدة هدفًا يتمثل في تمكين 20  مليون شخص إضافي من الحصول على هذه العلاجات، بهدف إنهاء الإيدز باعتباره تهديدًا للصحة العامة بحلول عام 2030.

من أكثر ما يثير القلق في التقرير وضع الأطفال، فما يقرب من نصف الأطفال المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية لا يزالون محرومين من العلاج بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، ويؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في خطر تعرضهم لمضاعفات خطيرة أو الوفاة، كما يكشف عن استمرار التفاوتات العميقة في فرص الحصول على الرعاية الصحية بين الدول، ويرى البرنامج الأممي أن تحسين الرعاية الصحية للأطفال أصبح أولوية عالمية.

تواصل الأبحاث العلمية تحقيق ابتكارات مهمة، من بينها ليناكابافير (Lenacapavir) الذي طورته شركة جيلياد، ويتميز هذا العلاج طويل المفعول الذي يُعطى عن طريق الحقن بأنه لا يتطلب سوى حقنتين سنويًا لتوفير حماية وقائية ضد العدوى لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة، مما يمثل تقدمًا مهمًا في مجال الوقاية، خاصة للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الالتزام بعلاج يومي.

ومع ذلك دعت منظمة أطباء بلا حدود إلى إتاحة هذا الدواء سريعًا لجميع البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وفي ابتكار آخر أعلنت شركة ميرك الأمريكية توقيع اتفاقيات مع عدد من المصنّعين في إفريقيا والهند لإنتاج نسخ جنيسة من قرصها الوقائي الشهري أليماترافير (Alimatravir)، الذي لا يزال حاليًا في مرحلة التجارب السريرية، وقد تسهم هذه المبادرات في تحسين الوصول إلى استراتيجيات الوقاية الحديثة خلال السنوات المقبلة.

رغم التقدم العلاجي تبقى الوقاية أمرًا أساسيًا، وتوصي السلطات الصحية بما يلي:

  • استخدام الواقي الذكري بشكل منتظم أثناء العلاقات الجنسية التي تنطوي على خطر؛
  • إجراء فحص دوري خاصة بعد التعرض لموقف محفوف بالمخاطر أو في حال تعدد الشركاء؛
  • الاستفادة من العلاج الوقائي قبل التعرض (PrEP) لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة؛
  • مراجعة الطبيب سريعًا بعد التعرض المحتمل للفيروس لتقييم الحاجة إلى العلاج الوقائي بعد التعرض (PEP)؛
  • عدم مشاركة أدوات الحقن مطلقًا؛
  • تعزيز التثقيف الجنسي ونشر المعلومات بين الشباب.

ويسمح الكشف المبكر ببدء العلاج بسرعة وتحسين فرص العلاج بشكل كبير، والحد من انتقال الفيروس.

تؤكد الأمم المتحدة أن إنهاء الإيدز باعتباره تهديدًا عالميًا لا يزال هدفًا يمكن تحقيقه، غير أن بلوغ هذا الهدف لن يكون ممكنًا دون التزام مستدام من الحكومات، والمنظمات الدولية، والجمعيات، ومهنيي الصحة وصناعة الأدوية، ويظل ضمان الوصول العادل إلى الوقاية والكشف المبكر والعلاج الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجية، ويحذر الخبراء من أن أي تراجع في التمويل اليوم قد يؤدي غدًا إلى ملايين الإصابات الجديدة التي كان بالإمكان تجنبها، ويهدد عقودًا من التقدم في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية.

  • انخفضت التمويلات الدولية المخصصة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية بنحو 20% خلال عام واحد.
  • لا تزال الولايات المتحدة الممول الأول عالميًا رغم تقليص إنفاقها.
  • تشهد عدة دول بالفعل ارتفاعًا في عدد الإصابات الجديدة.
  • ما يقرب من نصف الأطفال المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية لا يحصلون على العلاج.
  • تفتح العلاجات الجديدة طويلة المفعول آفاقًا واعدة في مجال الوقاية.
  • تبقى الوقاية والكشف المبكر وضمان الوصول الشامل إلى الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، أكثر الوسائل فعالية لمواجهة الوباء.

الكلمات المفتاحية: فيروس نقص المناعة البشرية، الإيدز، برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، منظمة الصحة العالمية، التمويلات، مضادات الفيروسات القهقرية، الوقاية، الكشف المبكر، إفريقيا جنوب الصحراء، الصحة العالمية، الوباء، العلاجات المبتكرة، الصحة العامة، العدوى المنقولة جنسيًا، المؤتمر الدولي، الرعاية الصحية، مكافحة الإيدز.

اقرأ أيضاً: