
نعرف منذ فترة طويلة تأثيرات الأشعة فوق البنفسجية على البشرة مثل حروق الشمس والشيخوخة المبكرة للجلد وظهور البقع الصبغية وارتفاع خطر الإصابة بسرطانات الجلد، لكن يهتم العلماء الآن بتأثير آخر أقل وضوحًا بكثير وهو تأثير الشمس على الميكروبيوم الجلدي وهو النظام البيئي الذي يتكون من مليارات البكتيريا والفطريات والفيروسات وغيرها من الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش بشكل طبيعي على سطح بشرتنا.
الشمس لا تحرق البشرة فقط… بل تغيّر أيضًا البكتيريا التي تحميها
تُظهر عدة دراسات حديثة أن التعرض للأشعة فوق البنفسجية لمدة 30 دقيقة فقط وحتى من دون التسبب في حروق الشمس يكفي لتغيير توازن هذه الفلورا الواقية، وتثير هذه التغيرات اهتمام الباحثين لأن الميكروبيوم يؤدي دورًا أساسيًا في صحة البشرة، فهل ينبغي القلق؟ ماذا يقول العلم فعلًا؟ وكيف يمكن الاستمرار في الاستمتاع بالشمس من دون إضعاف هذا الحاجز الطبيعي الثمين؟
الميكروبيوم الجلدي : درع بيولوجي حقيقي
على غرار ميكروبيوم الأمعاء تستضيف البشرة مجتمعًا غنيًا جدًا من الكائنات الحية الدقيقة، أين نجد فيها بشكل أساسي :
- البكتيريا
- الفطريات
- الفيروسات
- العث المجهري
فهذه الكائنات الدقيقة ليست غزاة كما قد يُعتقد بل تعيش في توازن مع أجسامنا، ويؤدي الميكروبيوم الجلدي عدة وظائف أساسية :
- منع استقرار الميكروبات الممرضة
- تعزيز الحاجز الواقي للبشرة
- المساهمة في التئام الجروح
- تنظيم الدفاعات المناعية الموضعية
- الحفاظ على توازن درجة حموضة البشرة
ولكل منطقة من الجسم ميكروبيوم خاص بها، فاليدان والوجه وفروة الرأس والإبطان والقدمان مثلًا تستضيف مجتمعات ميكروبية مختلفة تتكيف مع بيئتها.
توازن هش يتأثر بنمط حياتنا
يتغير الميكروبيوم الجلدي باستمرار تحت تأثير العديد من العوامل :
- العمر
- الجنس
- الهرمونات
- المناخ
- التعرق
- مستحضرات التجميل
- الصابون
- التلوث
- التوتر
- بعض الأدوية وخاصة المضادات الحيوية
واليوم يضيف الباحثون عاملًا رئيسيًا جديدًا وهو الإشعاع الشمسي.
30 دقيقة من الشمس تكفي لتغيير بكتيريا البشرة
خلافًا للاعتقاد الشائع ليس من الضروري الإصابة بحروق الشمس حتى يتأثر الميكروبيوم، حيث تُظهر دراسة نُشرت في Photochemistry and Photobiology أن التعرض لما يُسمى بالتعرض دون الحمام الحمامي أي التعرض غير الكافي للتسبب في احمرار البشرة يؤدي بالفعل إلى تغيرات قابلة للقياس في الفلورا الجلدية بعد 30 دقيقة فقط، وقد لاحظ الباحثون أن :
- بعض البكتيريا تنخفض بسرعة
- تصبح أنواع أخرى أكثر وفرة
- تتناسب التغيرات مع كمية أشعة UVA وUVB التي تم التعرض لها
ورغم أن الميكروبيوم يستعيد توازنه تدريجيًا فإن بعض التغيرات تستمر لعدة أيام بل وربما لفترة أطول عندما يتكرر التعرض.
الأشعة فوق البنفسجية تقلل بعض البكتيريا الواقية
كما اهتمت دراسة أخرى نُشرت عام 2023 في Frontiers in Aging بأشخاص يقضون عطلات مع مستويات مختلفة من التعرض للشمس، ووجد العلماء أن الأشخاص الأكثر تعرضًا للاسمرار أظهروا انخفاضًا ملحوظًا في Proteobacteria وهي عائلة من البكتيريا ترتبط غالبًا بصحة البشرة.
وتشير عدة أبحاث إلى أن هذه البكتيريا :
- تساهم في السيطرة على الالتهابات
- تحد من بعض ردود الفعل التحسسية الجلدية
- تكون أقل وفرة لدى الأشخاص الذين يعانون من الصدفية أو الإكزيما
ولا يعني هذا أن الشمس تسبب هذه الأمراض بشكل مباشر لكنه يُظهر أنها يمكن أن تغير توازنًا بيولوجيًا يشارك في تطورها.
تتأثر أيضًا كائنات دقيقة أخرى مفيدة
لاحظ باحثون كنديون نُشرت أعمالهم في Biomedicines أن التعرض للشمس يغير أيضًا وجود العديد من الكائنات الحية الدقيقة التي تُعتبر مفيدة، ومن بينها بشكل خاص :
- Staphylococcus epidermidis وهي بكتيريا موجودة طبيعيًا على البشرة السليمة وتساهم في الحماية من بعض الميكروبات الممرضة
- Malassezia restricta وهي خميرة تشكل جزءً طبيعيًا من الميكروبيوم الجلدي رغم أن اختلال توازنها قد يكون مرتبطًا ببعض اضطرابات فروة الرأس
ولا يزال الباحثون يجهلون ما إذا كانت هذه التغيرات مؤقتة أو ما إذا كان يمكن أن تكون لها آثار طويلة الأمد بعد التعرض المتكرر للشمس.
قد تعزز الشمس أيضًا بعض البكتيريا التي توفر “حماية من الضوء“
لكن تأثيرات الأشعة فوق البنفسجية لا تبدو سلبية بالكامل، حيث أظهرت دراسة نُشرت في Research in Microbiology أن الأشخاص الذين يتعرضون للشمس بانتظام لديهم عدد أكبر من البكتيريا التي تنتمي إلى عائلتي :
- Sphingomonas
- Erythrobacteraceae
وتنتج هذه الكائنات الدقيقة بشكل طبيعي أصباغًا قادرة على امتصاص جزء من الأشعة فوق البنفسجية، ويعتقد الباحثون أنها قد تساهم على الأقل جزئيًا في آليات الحماية الطبيعية للبشرة من الأشعة فوق البنفسجية، ومع ذلك لا تزال هذه الفكرة في مرحلة بحثية استكشافية للغاية.
لماذا تؤثر الأشعة فوق البنفسجية في الميكروبيوم؟

بكتيريا وفطريات وفيروسات… تساهم في تعزيز الحاجز الجلدي ويمكن أن تتأثر بالتعرض للشمس
تُحدث الأشعة فوق البنفسجية عدة تأثيرات في الوقت نفسه ، أين يمكنها :
- إتلاف الحمض النووي للكائنات الحية الدقيقة بشكل مباشر
- تغيير درجة حموضة البشرة
- زيادة الإجهاد التأكسدي
- التأثير في كمية الزهم
- تغيير الاستجابة المناعية الموضعية
- خلق بيئة أكثر ملاءمة لبعض الأنواع مقارنة بغيرها
وهكذا يعيد الميكروبيوم تنظيم نفسه تدريجيًا وفقًا لهذه الظروف الجديدة
هل هذه التغيرات خطيرة ؟
حتى الآن لا تزال الإجابة حذرة، أين تُظهر الدراسات بوضوح أن الشمس تغيّر الميكروبيوم الجلدي لكن في المقابل لا يمكن حتى الآن التأكيد أن هذه التغيرات تؤدي بشكل منتظم إلى آثار سلبية على الصحة، ويسعى الباحثون خصوصًا إلى معرفة ما إذا كانت هذه الاختلالات يمكن أن :
- تعزز بعض الأمراض الالتهابية في الجلد
- تؤثر في شيخوخة البشرة
- تغير عملية التئام الجروح
- تزيد من قابلية الإصابة بالعدوى
- تساهم في تطور بعض أنواع الحساسية
ولا تزال هذه الروابط بحاجة إلى التأكيد
هل يمكن أن يفسر الميكروبيوم بعض تأثيرات الشمس ؟
يفتح هذا الاكتشاف مجالًا جديدًا للبحث، فحتى الآن كانت تأثيرات الشمس تُنسب بشكل أساسي إلى الأضرار المباشرة التي تلحق بخلايا الجلد، أما الآن فيبحث العلماء في إمكانية أن يمر جزء من هذه التأثيرات أيضًا عبر تغير الميكروبيوم، وبعبارة أخرى يمكن أن تصبح البكتيريا الموجودة على بشرتنا عاملًا جديدًا في الوقاية من أمراض الجلد وفي شيخوخة البشرة والأمراض الجلدية
هل تحمي واقيات الشمس الميكروبيوم أيضًا ؟
في الوقت الحالي لا تزال هذه المسألة مفتوحة، إذ تقلل مستحضرات الوقاية من الشمس بشكل فعال كمية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى البشرة وتُعد أفضل وسيلة للوقاية من :
- حروق الشمس
- الشيخوخة الضوئية للبشرة
- سرطانات الجلد
لكن عدد الدراسات التي قيّمت تأثيرها على الميكروبيوم لا يزال قليلًا جدًا، وسيحتاج الباحثون إلى تحديد ما إذا كان تقليل التعرض للأشعة فوق البنفسجية يساعد أيضًا في الحفاظ على توازن الكائنات الحية الدقيقة الواقية
كيف نحمي بشرتنا وميكروبيومها في الوقت نفسه ؟
يؤكد أطباء الجلد أن التوصيات لا تزال كما هي، وللحد من الآثار الضارة للأشعة فوق البنفسجية يُنصح بـ :
- تجنب التعرض للشمس بين الساعة 11 صباحًا و16 مساءً عندما تكون الأشعة في أقصى شدتها
- وضع واقٍ شمسي واسع الطيف UVA/UVB بمعامل حماية SPF 30 أو 50 حسب نوع البشرة
- تجديد وضع الواقي كل ساعتين وبعد السباحة أو التعرق الشديد
- ارتداء قبعة ونظارات شمسية وملابس تغطي الجسم
- البحث عن الظل كلما أمكن
- تجنب أجهزة التسمير الاصطناعي
- ترطيب البشرة بانتظام بعد التعرض الطويل للشمس
ومن الأفضل أيضًا استخدام منتجات تنظيف لطيفة حتى لا تؤدي إلى مزيد من اضطراب الميكروبيوم الجلدي
الشمس تؤثر في أكثر بكثير من بشرتنا
تذكّرنا هذه المجموعة الجديدة من الدراسات بأن الشمس تؤثر على عدة مستويات. فإلى جانب خلايا البشرة تؤثر أيضًا في النظام البيئي غير المرئي الذي يساهم كل يوم في حماية جلدنا، ورغم أن النتائج الدقيقة لهذه التغيرات لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوضيح فإن هناك أمرًا مؤكدًا وهو أن الميكروبيوم الجلدي يمثل عاملًا رئيسيًا جديدًا في صحة الجلد.
وستسمح الأبحاث المستقبلية بفهم دوره بشكل أفضل في شيخوخة البشرة والأمراض الالتهابية وربما حتى في الوقاية من سرطانات الجلد، وفي انتظار ذلك يبقى الاستمتاع بالشمس باعتدال أفضل استراتيجية، فالتعرض المعقول للشمس مع استخدام الحماية المناسبة يسمح بالاستفادة من آثارها الإيجابية مع الحد من المخاطر على البشرة… وعلى مليارات الكائنات الحية الدقيقة التي تحميها
التوصيات الطبية
- لا تجعل التسمير هدفًا صحيًا أبدًا فهو يعكس استجابة دفاعية من البشرة تجاه الأشعة فوق البنفسجية
- استخدم يوميًا واقيًا شمسيًا مناسبًا عند التعرض الطويل للشمس حتى في الطقس الغائم
- استشر طبيب الأمراض الجلدية عند ظهور آفة صبغية جديدة أو تغير شامة موجودة أو ظهور جرح لا يلتئم
- تجنب التنظيف المفرط والمنتجات القاسية التي يمكن أن تؤثر في الميكروبيوم الجلدي
- حافظ على نظام غذائي متوازن غني بالفواكه والخضروات والأحماض الدهنية أوميغا 3 التي تساهم أيضًا في صحة البشرة
ما يجب تذكره
يمكن أن يؤدي التعرض للأشعة فوق البنفسجية لمدة 30 دقيقة إلى تغيير توازن الميكروبيوم الجلدي حتى من دون التسبب في حروق الشمس. تنخفض بعض البكتيريا الواقية بينما تصبح أنواع أخرى يحتمل أن تكون واقية من الأشعة أكثر وفرة. ولا تزال الآثار طويلة المدى غير معروفة بشكل جيد لكن هذه الاكتشافات تُظهر أن تأثيرات الشمس تتجاوز بكثير مجرد خلايا الجلد. وتظل الحماية من الشمس حتى اليوم الوسيلة الأكثر فعالية للحفاظ على صحة البشرة.
الكلمات المفتاحية : الميكروبيوم، الجلدي، الشمس، الأشعة فوق البنفسجية ، الأشعة فوق البنفسجية، البكتيريا، البشرة، التعرض للشمس، صحة الجلد، شيخوخة البشرة، حروق الشمس، الحماية من الشمس، الكريم، الميكروبيوم، الالتهاب، الجلدي، الإكزيما، الصدفية، Staphylococcus، epidermidis، Proteobacteria، السرطان، الحماية الضوئية.
اقرأ أيضاً: