أصبحت الميكروبيوتا المعوية تثير اهتمام الباحثين بشكل متزايد، فهذا النظام البيئي الحي الحقيقي لا يؤثر فقط على عملية الهضم، بل يمتد تأثيره إلى المناعة، والالتهابات، والتمثيل الغذائي، وحتى بعض الوظائف العصبية. وفي هذا السياق يطرح سؤال يتكرر باستمرار: هل الحليب مفيد أم ضار للأمعاء؟
الإجابة أكثر تعقيداً مما قد تبدو عليه فبحسب المختصين لا يمكن تصنيف الحليب على أنه “جيد” أو “سيئ” بشكل مطلق، إذ يعتمد تأثيره أساساً على قدرة كل شخص على هضمه، ونوع المنتج اللبني المستهلك، وحالة الميكروبيوتا المعوية لديه.
الميكروبيوتا المعوية: عضو غير مرئي لكنه أساسي
تشير الميكروبيوتا المعوية إلى مجموع الكائنات الحية الدقيقة الموجودة داخل الجهاز الهضمي، والتي تشمل:
- البكتيريا؛
- الخمائر؛
- الفطريات؛
- الفيروسات.
ويُقدَّر أن الأمعاء البشرية تؤوي ما يقارب 10 آلاف مليار كائن حي دقيق.
دور محوري في الصحة
تساهم الميكروبيوتا في العديد من الوظائف الحيوية منها:
- هضم الأغذية؛
- إنتاج بعض الفيتامينات؛
- الحماية من الميكروبات الممرضة؛
- تنظيم الجهاز المناعي؛
- التحكم في الالتهابات.
كما تشير أعداد متزايدة من الدراسات إلى وجود ارتباط بين الميكروبيوتا وبعض الأمراض مثل:
- الأمراض الالتهابية المزمنة للأمعاء؛
- السمنة؛
- داء السكري؛
- الحساسية؛
- اضطرابات المناعة الذاتية؛
- الصحة النفسية.
ويلعب النظام الغذائي دوراً أساسياً في الحفاظ على توازنها.
هل الحليب سيئ فعلاً للأمعاء؟
منذ سنوات تشكل منتجات الألبان محور نقاشات غذائية واسعة إذ يتهم بعض الأشخاص الحليب بأنه:
- يهيج الأمعاء؛
- يزيد من الالتهابات؛
- يخل بتوازن الميكروبيوتا.
إلا أن المعطيات العلمية تبدو أكثر دقة وتوازناً من ذلك بكثير.
ووفقاً لاختصاصيي التغذية: ” الحليب ليس مادة سامة للأمعاء، وإنما يكمن الفرق أساساً في مدى قدرة كل شخص على تحمله.” وبعبارة أخرى فإن الشخص الذي يهضم منتجات الألبان بشكل جيد يمكن للحليب أن يشكل جزء طبيعياً من نظام غذائي متوازن.
دراسة حديثة تقدم معطيات جديدة
في عام 2025 تناولت دراسة نشرت في مجلة Nutrients العلمية العلاقة بين منتجات الألبان والميكروبيوتا المعوية، وقام الباحثون بتحليل العادات الغذائية والميكروبيوتا لدى 34 شخصاً خضعوا لتنظير القولون.
منهجية دقيقة وصارمة
استبعد العلماء المشاركين الذين كانوا يعانون من:
- أمراض التهابية معوية؛
- سوابق عائلية للإصابة بسرطان القولون والمستقيم؛
- زوائد لحمية حديثة؛
- بعض الأمراض القادرة على تغيير تركيبة الميكروبيوتا؛
- تغييرات غذائية حديثة.
وكان الهدف الحصول على نتائج تتمتع بأعلى قدر ممكن من الموثوقية.
لماذا اهتم الباحثون بمنتجات الألبان؟
وبحسب الباحثة ” لي جياو ‘‘من كلية بايلور للطب، هناك عدة أسباب تفسر هذا الاهتمام.
الأغذية المخمرة تؤثر في الميكروبيوتا
العديد من منتجات الألبان تكون مخمرة مثل :
- الياوورت؛
- بعض أنواع الجبن.
ومن المعروف أن الأغذية المخمرة تتفاعل مع البكتيريا المعوية وتؤثر في تركيبتها.
جدل غذائي مستمر
ولا يزال تأثير الحليب على الصحة محل نقاش منذ سنوات طويلة، ولذلك هدفت هذه الدراسة إلى فهم التأثيرات البيولوجية الحقيقية لمنتجات الألبان على الأمعاء بشكل أفضل.
مستهلكو الحليب امتلكوا ميكروبيوتا أكثر تنوعاً
من جهتهم قام الباحثون بتحليل البكتيريا الموجودة في الغشاء المخاطي للقولون، وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يستهلكون كميات أكبر من الحليب كانوا يتمتعون بتنوع ميكروبي أكبر.
لماذا يعد هذا التنوع مهماً؟
يُعتبر تنوع الميكروبيوتا عادة مؤشراً على صحة معوية جيدة، فكلما ازداد عدد الأنواع البكتيرية، أصبح النظام البيئي المعوي أكثر:
- استقراراً؛
- مقاومة؛
- قدرة على التكيف.
وبحسب لي جياو: ” الميكروبيوتا المتنوعة تقاوم العدوى والمضادات الحيوية والتغيرات الغذائية بشكل أفضل.”
غالباً ما يشبه الباحثون الميكروبيوتا بالغابة؛ فكلما احتوت على أنواع أكثر تنوعاً، ازدادت قدرتها على مقاومة الاضطرابات.
العثور على نوعين من البكتيريا المفيدة بشكل خاص
أظهرت الدراسة أن مستهلكي الحليب يمتلكون نسباً أعلى من نوعين من البكتيريا المعروفة بفوائدها الصحية:
- Faecalibacterium؛
- أكرمانسيا.
دور هذه البكتيريا
تساهم هذه الكائنات الدقيقة في:
- تقليل الالتهابات؛
- تعزيز الحاجز المعوي؛
- دعم الجهاز المناعي؛
- حماية الغشاء المخاطي للجهاز الهضمي.
وتخضع بكتيريا أكرمانسيا لدراسات مكثفة بسبب آثارها الوقائية المحتملة ضد:
- السمنة؛
- السكري؛
- الأمراض الاستقلابية.
الجبن والحليب لا يؤثران بالطريقة نفسها
أظهرت الدراسة أيضاً اختلافاً مهماً:
- بدا الحليب أكثر ارتباطاً بتحسن التنوع البكتيري؛
- بينما لم يظهر الجبن التأثيرات نفسها.
ويعتقد الباحثون أن الاختلافات في التركيبة الغذائية وطرق التصنيع قد تفسر هذه النتائج.
ماذا يحدث في حالة عدم تحمل اللاكتوز؟
لا يهضم جميع الأشخاص اللاكتوز بالطريقة نفسها واللاكتوز هو السكر الموجود طبيعياً في الحليب.
الأعراض المحتملة
عند الأشخاص المصابين بعدم تحمل اللاكتوز، قد يؤدي استهلاكه إلى:
- الانتفاخ؛
- آلام البطن؛
- الإسهال؛
- الغازات؛
- الانزعاج الهضمي.
وفي هذه الحالة، لا تكمن المشكلة مباشرة في الميكروبيوتا، وإنما في نقص إنزيم اللاكتاز الضروري لهضم اللاكتوز.
ما هي منتجات الألبان الأفضل تحملاً؟
غالباً ما يوصي المختصون ببدائل أكثر سهولة في الهضم مثل:
- الياوورت؛
- المنتجات الخالية من اللاكتوز؛
- بعض أنواع الجبن المعتقة.
لماذا تكون المنتجات المخمرة أكثر تحملاً أحياناً؟
تؤدي عملية التخمير بشكل طبيعي إلى تقليل جزء من اللاكتوز، كما تساعد البكتيريا الموجودة في الياوورت بعض الأشخاص الحساسين على هضم هذه المنتجات بصورة أفضل.
الميكروبيوتا تعتمد أساساً على النظام الغذائي الشامل
ولا يحدد الحليب وحده صحة الأمعاء، إذ تتأثر الميكروبيوتا بعوامل عديدة منها:
- النظام الغذائي العام؛
- الألياف الغذائية؛
- النوم؛
- التوتر؛
- النشاط البدني؛
- المضادات الحيوية؛
- التدخين؛
- الكحول.
ويؤكد المختصون أن الميكروبيوتا المتوازنة تعتمد قبل كل شيء على نظام غذائي متنوع وغني بالأغذية النباتية.
توصيات الخبراء
إذا كنت تتحمل منتجات الألبان جيداً
يمكنك استهلاك كميات معتدلة من:
- الحليب؛
- الياوورت؛
- الأجبان قليلة المعالجة.
إذ توفر هذه المنتجات:
- الكالسيوم؛
- البروتينات؛
- الفيتامينات؛
- البروبيوتيك في بعض المنتجات المخمرة.
إذا كنت تعاني من حساسية تجاه اللاكتوز
يُنصح بما يلي:
- تقليل الكميات المستهلكة؛
- تفضيل المنتجات المخمرة؛
- تجربة المنتجات الخالية من اللاكتوز؛
- مراقبة مستوى التحمل الشخصي.
متى ينبغي استشارة مختص صحي؟
يجب مراجعة الطبيب أو اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي عند استمرار الاضطرابات الهضمية، خاصة في حال وجود:
- آلام شديدة؛
- إسهال مزمن؛
- فقدان وزن؛
- وجود دم في البراز؛
- تعب غير معتاد.
فقد تكون هذه الأعراض مؤشراً على أمراض هضمية أخرى تتطلب تقييماً طبياً دقيقاً.
جدل لم يُحسم بعد
لا يزال الحليب يثير انقساماً بين اختصاصيي التغذية والمستهلكين، غير أن الأبحاث الحديثة تكشف واقعاً أكثر تعقيداً من الخطابات المتطرفة التي تنتشر كثيراً على شبكات التواصل الاجتماعي، وبالنسبة لكثير من الأشخاص تبدو منتجات الألبان متوافقة مع ميكروبيوتا معوية سليمة، بل وقد تكون مفيدة في بعض الحالات.
ويبقى المفتاح الأساسي هو الإصغاء إلى احتياجات الجسم، واختيار منتجات ذات جودة جيدة، والحفاظ على التوازن العام للنظام الغذائي.
الكلمات المفتاحية: الميكروبيوتا المعوية، الحليب، منتجات الألبان، الصحة، اللاكتوز، الهضم، التغذية، البكتيريا، أكرمانسيا، الأغذية المخمرة، الزبادي، التنوع الميكروبي، عدم التحمل، الفلورا المعوية، البروبيوتيك، المنتجات الطبيعية.
اقرأ أيضاً: