
عند حلول فصل البرد، يلجأ أغلب الناس بشكل تلقائي إلى شرب الشاي الساخن أو القهوة أو الشوكولاتة الدافئة. فالإحساس يكون سريعا، وكأن الدفء ينتشر داخل الجسم. لكن هل هذا الشعور حقيقي من الناحية الفسيولوجية؟ العلم يقول إن الأمر أكثر تعقيدا، وقد تكون النتيجة أحيانا عكس ما نعتقد.
المشروبات الساخنة أو الباردة: ماذا يدرك الجسم فعلا؟
استجابة حسية وعصبية في المقام الأول
منذ أول رشفة تلتقط المستقبلات الحرارية الموجودة في الفم ثم المريء فالمعدة درجة حرارة السائل. وترسل هذه المستقبلات إشارة إلى الدماغ، الذي يطلق استجابة سريعة عبر الجهاز العصبي اللاإرادي.
وعند شرب مشروب ساخن، تفسر هذه الرسالة كإشارة راحة، فتُفعل دوائر عصبية مرتبطة بالهدوء والشعور بالرفاه، وهو ما يفسر الإحساس بالاسترخاء الذي يرافق غالبا تناول المشروبات الساخنة.
تأثير موضعي على الدورة الدموية والهضم
تؤدي الحرارة إلى توسع موضعي في الأوعية الدموية، ما يزيد مؤقتا من تدفق الدم. وعلى مستوى الجهاز الهضمي، تساعد الحرارة على ارتخاء العضلات الملساء، ما قد يسهل عملية الهضم ويخفف بعض الإحساس بالشد أو الانزعاج البطني.
وماذا عن المشروبات الباردة؟
يحدث العكس تماما. فالبرودة تحفز المستقبلات الحرارية بشكل أكثر حدة، ما يؤدي إلى تضيق موضعي في الأوعية الدموية. وبحسب الأشخاص قد تترتب عن ذلك تأثيرات مختلفة:
- تنشيط حركة الأمعاء: لدى بعض الأشخاص، يساهم البرد في تنشيط رد الفعل المعدي القولوني، ما يؤدي إلى تحفيز حركة الأمعاء ولهذا قد يسبب شرب السوائل المثلجة رغبة ملحة في التبرز أو إسهالا.
- تباطؤ هضمي مؤقت: لدى آخرين أكثر حساسية قد يؤدي البرد إلى تقلصات أو شعور بالثقل أو انزعاج معدي عابر.
هل شرب المشروبات الساخنة يرفع فعلا حرارة الجسم؟
الإجابة العلمية واضحة: لا، ليس بشكل دائم
- تحافظ حرارة جسم الإنسان على مستوى يقارب 37 درجة مئوية بفضل نظام دقيق للغاية لتنظيم الحرارة، يقوده تحت المهاد .
- هذا المنظم المركزي يضبط باستمرار إنتاج الحرارة وفقدانها عبر الدورة الدموية والتنفس والتعرق.
أمام هذا النظام المحكم تبقى كمية الحرارة التي يوفرها مشروب ساخن محدودة ومؤقتة. فالحرارة الممتصة تُعادل بسرعة، دون إحداث تغيير ملموس في درجة حرارة الجسم الداخلية.
لماذا نشعر إذن بأننا تدفأنا؟
وهم حسي حقيقي
يفسر الدماغ الإشارات القادمة من المستقبلات الحرارية على أنها تدفئة عامة للجسم. ويتعزز هذا الإحساس بفعل:
- توسع الأوعية الدموية
- التنبيه العصبي المرتبط بالحرارة
- السياق العاطفي والثقافي (الشتاء، الدفء، الإحساس بالاحتواء)
النتيجة: الجسم لا يسخن فعليا، لكنه يشعر بالدفء.
هل يمكن لشرب مشروب شديد السخونة أن يسبب التعرق؟
نعم وهنا تصبح الظاهرة متناقضة، فعندما تكون المشروبات شديدة السخونة، قد يستبق الجسم زيادة الحرارة ويفعل آلية للتخلص منها، وهي التعرق. وإذا تبخر العرق بكفاءة، خاصة في المناخات الجافة، يؤدي ذلك إلى فقدان حرارة الجسم.
لهذا السبب تنتشر عادة شرب الشاي شديد السخونة في بعض المناطق الحارة والجافة للمساعدة على تحمل الحرارة.
الحذر من المشروبات شديدة السخونة
بعيدا عن مسألة الدفء تبرز نقطة صحية مهمة. فالاستهلاك المنتظم لمشروبات تتجاوز حرارتها 60 درجة مئوية يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء، نتيجة التهيج والجروح الدقيقة المتكررة في الغشاء المخاطي. لذا يُنصح بترك المشروبات لتبرد قليلا قبل تناولها.
للتذكير:
- شرب المشروبات الساخنة لا يرفع حرارة الجسم بشكل دائم.
- الإحساس بالدفء هو بالأساس إحساس حسي وعصبي ونفسي.
- المشروبات الساخنة تعزز الراحة والاسترخاء وأحيانا تسهل الهضم.
- عندما تكون شديدة السخونة، قد تحفز التعرق وتؤدي عكس المتوقع إلى تبريد الجسم.
- الحرارة المفرطة قد تشكل خطرا على صحة الجهاز الهضمي.
توصيات صحية
- تفضيل المشروبات الساخنة غير الحارقة.
- الإصغاء لإشارات الجهاز الهضمي، خاصة لدى من يعانون من حساسية معوية.
- في الشتاء الاعتماد على وسائل فعالة للتدفئة: ملابس مناسبة، نشاط بدني، تغذية متوازنة.
- اعتبار المشروبات الساخنة وسيلة للراحة، لا أداة لتنظيم حرارة الجسم.
الكلمات المفتاحية: شرب، ساخن، تنظيم الحرارة، الشتاء، الهضم، درجة الحرارة، الجسم، الصحة، الإدراك، الإحساس ، تحت المهاد، الرفاه.
إقرأ أيضاً: