صحة جيدة لحياة أفضل

تحديد فصيلة دم جديدة بعد 50 عامًا من الأبحاث: تقدم كبير يعزز سلامة عمليات نقل الدم

حرر : د. بلواعر رفيق | طبيب بيولوجي ومدير مخبر ياقوتة
23 يوليو 2026

ظلّت فصيلة دم نادرة للغاية لغزًا علميًا لسنوات طويلة، إلى أن تمكن باحثون من تحديدها بفضل تقنيات حديثة في تسلسل الجينات. وأُطلق على هذا النظام الجديد اسم MAL، ليصبح النظام السابع والأربعين لفصائل الدم المعترف به عالميًا، وهو اكتشاف قد يحسّن رعاية المرضى الذين يحملون فصائل دم نادرة ويعزز سلامة عمليات نقل الدم.

في حين يعرف معظم الأشخاص فصائل دمهم A أو B أو AB أو O، إضافة إلى عامل ريزوس (Rh) الموجب أو السالب، فإن هذا التصنيف لا يمثل سوى جزء صغير من التنوع الكبير لفصائل الدم البشرية. وحتى اليوم، حدد المختصون 47  نظاما لفصائل الدم، تضم أكثر من 360  مستضدا موجودًا على سطح كريات الدم الحمراء، وتؤدي هذه المستضدات دورًا أساسيًا أثناء عمليات نقل الدم، إذ إن أي عدم توافق بينها، حتى وإن كان نادرًا، قد يسبب استجابة مناعية خطيرة لدى متلقي الدم.

تعود بداية القصة إلى عام 1972، عندما اكتشف باحثون مستضدًا دمويًا نادرًا جدًا أطلقوا عليه اسم AnWj، نسبةً إلى أوائل المرضى الذين كُشف لديهم الجسم المضاد المرتبط به، ولأكثر من خمسين عامًا، تمكن العلماء من الكشف عن هذا المستضد، لكنهم لم ينجحوا في تحديد الجين المسؤول عن إنتاجه. وقد انتهى هذا اللغز أخيرًا بفضل دراسة نُشرت في المجلة العلمية Blood .

باستخدام تقنية التسلسل الكامل للإكسوم التي تحلل المناطق المشفرة للبروتينات في الحمض النووي، اكتشف الباحثون أن الأشخاص الذين يفتقدون مستضد AnWj  طبيعيا لديهم خلل في نسختي جين MAL، وينتج هذا الجين بروتين Mal، وهو بروتين غشائي يشارك في الحفاظ على استقرار الغشاء الخلوي وفي عمليات النقل داخل الخلية.

ولتأكيد هذا الاكتشاف، أدخل الباحثون نسخة سليمة من جين MAL  إلى خلايا دموية زُرعت في المختبر، فبدأت هذه الخلايا بإظهار مستضد AnWj، مما أثبت أن بروتين Mal  هو المسؤول بالفعل عن هذا النظام الجديد لفصائل الدم.

يمتلك أكثر من 99.9%  من سكان العالم مستضد AnWj بشكل طبيعي، وبالتالي ينتمون إلى فصيلة MAL  الإيجابية، في المقابل لا يوجد سوى عدد قليل جدًا من الأشخاص حول العالم ممن يحملون فصيلة AnWj  السلبية نتيجة خلل وراثي. وقد تمكن الباحثون من توثيق خمس حالات وراثية فقط، من بينها عدة أفراد ينتمون إلى عائلة عربية إسرائيلية، والخبر الجيد أن الأشخاص الذين يحملون هذه الخصوصية الوراثية لا يعانون من أي مشكلات صحية مرتبطة بهذا الخلل.

يمثل هذا الاكتشاف أهمية خاصة للمرضى الذين يحتاجون إلى عمليات نقل دم، فحتى الآن كان من الصعب التعرف على الأشخاص ذوي الفصيلة AnWj  السلبية، مما يزيد من خطر حدوث تفاعلات مناعية أثناء نقل دم غير متوافق، وسيتيح تحديد جين MAL  تطوير اختبارات جينية متخصصة قادرة على التعرف بسرعة على المتبرعين والمتلقين المعنيين، مما يعزز سلامة عمليات نقل الدم.

كما أشار الباحثون إلى أن بعض أمراض الدم أو بعض أنواع السرطان قد تؤدي إلى اختفاء بروتين Mal  بصورة مؤقتة، مما يمنح المريض مظهرًا كاذبًا لفصيلة AnWj السلبية دون أن يكون السبب وراثيًا.

ويمثل هذا الإنجاز ثمرة ما يقرب من عشرين عامًا من الأبحاث، قادتها على وجه الخصوص الباحثة لويز تيلي (Louise Tilley) في هيئة NHS Blood and Transplant  بالمملكة المتحدة، ويرى المختصون أن هذا الاكتشاف يعكس الدور المتزايد لتقنيات تسلسل الجينات في تطوير طب نقل الدم الحديث، ويفتح الباب أمام رعاية أكثر تخصيصًا للمرضى الذين يحملون فصائل دم نادرة.

وقد اعترفت الجمعية الدولية لنقل الدم (ISBT) رسميًا بنظام MAL  باعتباره النظام السابع والأربعين لفصائل الدم.

لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على مجال نقل الدم بل يسهم أيضًا في تعميق فهم العلماء لعلم الوراثة البشرية، كما سيساعد على تحسين التعرف على فصائل الدم النادرة على مستوى العالم، ومع تطور الطب الشخصي، ستسهم هذه الإنجازات في تحسين التوافق بين المتبرعين والمتلقين، خاصة في حالات نقل الدم المعقدة أو لدى المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات نقل دم متكررة.

  • يبقى معرفة الشخص لفصيلة دمه أمرًا مهمًا، خاصة قبل الخضوع لعملية جراحية أو أثناء الحمل.
  • ينبغي للأشخاص الذين سبق أن تعرضوا لتفاعل مناعي بعد نقل الدم إبلاغ طبيبهم، حتى يستفيدوا من تقييم مناعي دموي مناسب.
  • يؤدي المتبرعون المنتظمون بالدم دورًا أساسيًا، ولا سيما إذا كانوا يحملون فصائل دم نادرة.

الكلمات المفتاحية: فصيلة الدم ، نقل الدم، كريات الدم الحمراء، المستضدات، علم الوراثة، تسلسل الجينات، سلامة نقل الدم، الطب الشخصي، الفصائل النادرة..

اقرأ أيضاً: