صحة جيدة لحياة أفضل

موجة الحر والحساسية: لماذا تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تفاقم الأعراض التنفسية، وكيف يمكن الوقاية منها؟

حرر : د. عماد بوعريسة | دكتور في الطب
3 يوليو 2026

بينما تشهد فرنسا موجة حر استثنائية تجاوزت خلالها درجات الحرارة محليًا 40 درجة مئوية، لا تضع هذه الموجة الجسم تحت ضغط شديد فحسب، بل تتحول أيضًا إلى تحدٍّ صحي حقيقي لملايين الأشخاص الذين يعانون من الحساسية التنفسية.

عندما تحوّل موجة الحر الحساسية إلى معاناة حقيقية

يمكن أن تشتد أعراض مثل انسداد الأنف، والعطاس المتكرر، واحمرار العينين وتهيجهما، والسعال المستمر، أو صعوبة التنفس مع ارتفاع درجات الحرارة. ويلاحظ المختصون باستمرار تفاقم أعراض الحساسية خلال فترات الحر الشديد، نتيجة اجتماع عدة عوامل تتمثل في الحرارة، وجفاف الهواء، والتلوث الجوي، والارتفاع الكبير في تركيز حبوب اللقاح.

بحسب البروفيسور نهان فام تي (Nhân Pham Thi)، اختصاصي أمراض الرئة لدى الأطفال واختصاصي الحساسية في باريس، فإن الحرارة تؤثر في الجسم على عدة مستويات، فخلال موجة الحر يفقد الجسم كميات أكبر من الماء عبر التعرق. ويؤدي هذا الجفاف إلى جانب الإرهاق الناجم عن درجات الحرارة المرتفعة، إلى إضعاف آليات الدفاع الطبيعية للأغشية المخاطية في الجهاز التنفسي.

كما تصبح الأغشية المخاطية في الأنف والحلق والعينين أكثر جفافًا وحساسية، فتقل قدرتها على ترشيح مسببات الحساسية الموجودة في الهواء، مما يسهل دخولها إلى الجسم ويعزز حدوث التفاعلات الالتهابية، والنتيجة هي أن أعراض الحساسية تصبح أكثر شدة وأصعب في السيطرة عليها.

تسهم الحرارة أيضًا في زيادة إنتاج حبوب اللقاح وانتشارها، وكما أوضح الطبيب والصحفي “داميان ماسكري” فكلما ارتفعت درجات الحرارة زادت بعض النباتات من إنتاجها لحبوب اللقاح، كما تساعد الظروف الجوية الحارة والجافة على انتشارها بسهولة في الغلاف الجوي، وبذلك تبقى حبوب اللقاح معلقة في الهواء لفترة أطول، ويمكن أن تنتقل لمسافات أبعد، مما يزيد من خطر تعرض الأشخاص المصابين بالحساسية لها.

خلال موجات الحر تكون الأمطار غالبًا نادرة، ووفقًا لخبير الأرصاد الجوية أدريان توماس، فإن غياب الأمطار يمنع حدوث ظاهرة «غسل» الغلاف الجوي الطبيعية، إذ تؤدي زخات المطر عادة إلى إسقاط حبوب اللقاح على الأرض وتنقية الهواء مؤقتًا، أما عندما يبقى الهواء جافًا لعدة أيام، فإن حبوب اللقاح تظل عالقة في الجو لساعات طويلة، مما يحافظ على ارتفاع تركيز مسببات الحساسية في الهواء.

من جهته يلعب تلوث الهواء أيضًا دورًا مهمًا في تفاقم الحساسية، فمع ارتفاع درجات الحرارة تزداد مستويات غاز الأوزون، خاصة في المدن الكبرى، كما تتسبب الجسيمات الدقيقة، وأكاسيد النيتروجين، والأوزون في تهيج الممرات التنفسية، وتزيد من ضعف الأغشية المخاطية التي أصبحت أصلًا أكثر حساسية بسبب مسببات الحساسية، ويؤدي هذا التفاعل بين التلوث وحبوب اللقاح إلى زيادة التهاب الشعب الهوائية والمجاري التنفسية العلوية.

ويشير المختصون إلى أن عددًا كبيرًا من الأشخاص يعانون من الحساسية تجاه حبوب اللقاح، ويعد التهاب الأنف التحسسي أكثر أشكال الحساسية شيوعًا، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بالتهاب الأنف والملتحمة التحسسي والذي يتمثل في:

  • العطاس المتكرر.
  • سيلان الأنف بإفرازات شفافة.
  • انسداد الأنف.
  • حكة في الأنف.
  • احمرار العينين وتهيجهما وزيادة الدموع.

ولدى بعض الأشخاص قد يمتد هذا الالتهاب المزمن إلى الشعب الهوائية، مما يساهم في ظهور الربو التحسسي أو يزيد من حدته.

يؤكد المختصون أن بعض الأعراض تستدعي مراجعة الطبيب بسرعة، ومن أهمها:

  • ضيق تنفس غير معتاد.
  • الشعور بانقباض أو ضغط في الصدر.
  • صفير أثناء التنفس.
  • سعال مستمر يزداد سوءًا.
  • صعوبة في الكلام أو في التنفس بصورة طبيعية.

وقد تشير هذه العلامات إلى نوبة ربو أو إصابة تنفسية أكثر خطورة تتطلب رعاية طبية عاجلة.

يلاحظ الباحثون أن التغير المناخي يغير تدريجيًا مواعيد مواسم الحساسية، فارتفاع درجات الحرارة وزيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون (CO₂) يعززان نمو النباتات المسببة للحساسية، كما يزيدان من إنتاجها لحبوب اللقاح، وأصبحت مواسم انتشار حبوب اللقاح تبدأ في وقت أبكر، وتستمر لفترة أطول، وتترافق غالبًا مع ارتفاع أكبر في تركيز حبوب اللقاح في الهواء، وقد يؤدي هذا التطور إلى زيادة عدد المصابين بالحساسية خلال العقود المقبلة.

أمام اجتماع الحرارة المرتفعة مع مسببات الحساسية، توجد عدة إجراءات تساعد على تقليل التعرض لها، وينصح اختصاصيو الحساسية بما يلي:

  • الاطلاع يوميًا على توقعات الطقس، ونشرات حبوب اللقاح، وجودة الهواء.
  • الحد من الأنشطة الخارجية عندما تكون مستويات حبوب اللقاح مرتفعة.
  • تفضيل الخروج في الصباح الباكر أو في المساء، عندما تنخفض درجات الحرارة ومستويات الأوزون.
  • تجنب ممارسة الرياضة في الهواء الطلق بالقرب من الطرق الرئيسية خلال أشد ساعات النهار حرارة.
  • إبقاء النوافذ مغلقة عندما تكون تراكيز حبوب اللقاح في أعلى مستوياتها.
  • تهوية المنزل في الصباح الباكر أو في وقت متأخر من المساء عندما يكون الهواء أكثر برودة.
  • ارتداء النظارات الشمسية خارج المنزل لحماية العينين من حبوب اللقاح.
  • الاستحمام وغسل الشعر وتغيير الملابس بعد التعرض لفترة طويلة خارج المنزل، لإزالة حبوب اللقاح العالقة على الجلد والأقمشة.

نظرًا لأن الحرارة تزيد من خطر الإصابة بالجفاف، فمن الضروري شرب الماء بانتظام حتى في غياب الشعور بالعطش، ويساعد الترطيب الجيد في الحفاظ على رطوبة الأغشية المخاطية للجهاز التنفسي، مما يحسن قدرتها على ترشيح مسببات الحساسية، كما يمكن أن يساعد استخدام المحلول الملحي الفسيولوجي لتنظيف التجاويف الأنفية في إزالة حبوب اللقاح المتراكمة وتقليل التهيج.

ينبغي للأشخاص المصابين بالتهاب الأنف التحسسي أو الربو الاستمرار في تناول العلاج الموصوف لهم، حتى وإن بدت الأعراض خفيفة، وتساعد مضادات الهيستامين، وبخاخات الأنف المحتوية على الكورتيكوستيرويدات، والعلاجات الاستنشاقية الخاصة بالربو في السيطرة على الالتهاب والحد من المضاعفات، أما إذا ازدادت الأعراض سوءً رغم العلاج، فيجب مراجعة الطبيب أو اختصاصي الحساسية في أسرع وقت.

تمثل موجات الحر اليوم عاملًا رئيسيًا يزيد من تفاقم الحساسية التنفسية، فاجتماع الحرارة المرتفعة وجفاف الهواء والتلوث والارتفاع الكبير في تركيز حبوب اللقاح يؤدي إلى زيادة شدة الأعراض، وقد يفاقم بعض أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو، ومع ذلك فإن اتباع إجراءات الوقاية المناسبة، ومراقبة مؤشرات انتشار حبوب اللقاح، والالتزام بالعلاج الطبي الموصوف، يمكن أن يحد بشكل كبير من تأثير هذا المزيج الذي يشكل عبئًا كبيرًا على الأشخاص المصابين بالحساسية.

الكلمات المفتاحية: موجة الحر، الحساسية، حبوب اللقاح، التهاب الأنف التحسسي، الربو، الحرارة، التلوث، جودة الهواء، الممرات التنفسية، الجفاف، صحة الجهاز التنفسي، التغير المناخي، الوقاية، اختصاصي الحساسية.

مقالات في نفس الموضوع