هل يساعد تناول اللحوم على زيادة الكتلة العضلية أكثر من اتباع نظام غذائي نباتي؟ تقدم دراسة نُشرت في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية (The American Journal of Clinical Nutrition) بعض الإجابات عن هذا السؤال، فقد اتبع 108 أشخاص تبلغ أعمارهم 55 عاماً فما فوق برنامجاً لتقوية العضلات لمدة ثلاثة أشهر إلى جانب نظام غذائي نباتي أو نظام غذائي يشمل الأطعمة النباتية والحيوانية، وحقق المشاركون في المجموعتين تحسناً في القوة والأداء البدني غير أن الزيادة في الكتلة العضلية كانت أكبر لدى المشاركين الذين يتناولون اللحوم، وتؤكد النتائج الدور الأساسي للبروتينات دون أن يعني ذلك التقليل من قيمة النظام الغذائي النباتي.
تجربة استمرت ثلاثة أشهر للمقارنة بين نظامين غذائيين
مع التقدم في العمر تميل الكتلة العضلية والقوة العضلية إلى الانخفاض، وقد تؤدي هذه الظاهرة التي تُعرف باسم الساركوبينيا أو ضمور العضلات المرتبط بالعمر عندما تستوفي المعايير السريرية إلى تراجع القدرة على الحركة والاستقلالية وأداء الأنشطة اليومية، ويسهم النشاط البدني ولا سيما تمارين تقوية العضلات إلى جانب التغذية المناسبة في الحد من هذا التراجع.
ولتحديد ما إذا كان مصدر البروتينات يؤثر في نتائج تمارين تقوية العضلات أجرى باحثون تجربة عشوائية شملت 108 أشخاص تبلغ أعمارهم 55 عاماً فما فوق، وخلال ثلاثة أشهر اتبع المشاركون إما نظاماً غذائياً نباتياً أو نظاماً غذائياً يجمع بين المنتجات النباتية والحيوانية مع ممارسة تمارين المقاومة ثلاث مرات أسبوعياً، وكان الهدف مقارنة تطور الكتلة العضلية والقوة والقدرات البدنية لدى المشاركين وفقاً للنظام الغذائي المتبع.
تمارين تقوية العضلات والبروتينات: برنامج مشترك بين المجموعتين
مارس المشاركون مجموعة من التمارين المصممة لتنشيط المجموعات العضلية الرئيسية وشمل البرنامج على وجه الخصوص:
- تمارين ضغط الساقين والقرفصاء لتقوية الأطراف السفلية
- تمارين الضغط على المقعد لتدريب عضلات الصدر والكتفين والعضلات ثلاثية الرؤوس بشكل أساسي
- تمارين السحب العمودي والأفقي لتنشيط عضلات الظهر والذراعين
- تمارين تقوية عضلات البطن
كما تلقى المشاركون نصائح غذائية لاعتماد نظام غذائي متوازن واستهلاك ما لا يقل عن 1.2 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً، وبالنسبة لشخص يزن 70 كيلوغراماً فإن هذه الكمية تعادل 84 غراماً من البروتين يومياً.
وقد تمكنت المجموعتان عموماً من بلوغ هذا الهدف، إذ استطاع المشاركون النباتيون تلبية احتياجاتهم من البروتينات من خلال البيض ومنتجات الألبان والبروتينات النباتية دون تناول اللحوم أو الأسماك، وسمح هذا التنظيم بمقارنة نتائج النظامين الغذائيين في إطار برنامج تدريبي متماثل.
تحسن القوة والأداء البدني لدى المجموعتين
بعد انتهاء الأشهر الثلاثة أظهرت النتائج مؤشرات مشجعة لدى المجموعتين، فقد حقق المشاركون تقدماً في القوة العضلية وتحسناً في الأداء البدني، وأصبحوا قادرين على رفع أوزان أثقل مقارنة ببداية الدراسة كما تمكنوا من النهوض بسرعة أكبر خلال التمارين التي تتطلب الانتقال من وضعية الجلوس إلى الوقوف، ولم تُسجل أي فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعتين فيما يتعلق بمؤشرات القوة والأداء البدني، وتُظهر هذه النتائج أن النظام الغذائي النباتي يمكن أن يكون متوافقاً مع فوائد تمارين تقوية العضلات لدى الأشخاص الذين تجاوزوا 55 عاماً بشرط أن يلبي النظام الغذائي الاحتياجات الغذائية وأن يكون التدريب مناسباً لقدراتهم، غير أن الباحثين لاحظوا اختلافاً يتعلق بزيادة الكتلة العضلية.
زيادة أكبر في الكتلة العضلية لدى الأشخاص الذين يتناولون الأغذية النباتية والحيوانية
ارتفعت الكتلة العضلية في الذراعين والساقين لدى المجموعتين غير أن الزيادة المسجلة كانت أكبر لدى المشاركين الذين اتبعوا نظاماً غذائياً يجمع بين المنتجات النباتية والحيوانية.
ووفقاً للنتائج المعلنة بلغت الزيادة في الكتلة العضلية نحو 0.66 كيلوغرام لدى الأشخاص الذين يتناولون الأغذية النباتية والحيوانية مقابل 0.38 كيلوغرام لدى النباتيين، وبذلك كانت الزيادة المسجلة لدى المجموعة الأولى أعلى بنحو 70 بالمائة.
ولا يعني هذا الاختلاف أن النباتيين غير قادرين على بناء عضلاتهم بل يشير إلى أن النظام الغذائي الذي يشمل المنتجات النباتية والحيوانية ارتبط بزيادة أكبر في الكتلة العضلية ضمن ظروف هذه التجربة.
ومع ذلك لم يتمكن الباحثون من تحديد السبب الدقيق لهذا الفارق بشكل مؤكد، وقد طُرحت عدة تفسيرات محتملة من بينها الاختلاف في الكميات الفعلية للبروتينات المستهلكة أو في الجودة الغذائية لهذه البروتينات، وتوفر البروتينات الحيوانية عموماً جميع الأحماض الأمينية الأساسية بنسب ملائمة لتخليق البروتين العضلي في حين تختلف بعض البروتينات النباتية من حيث تركيبتها من الأحماض الأمينية أو تكون قابليتها للهضم أقل، غير أنه يمكن تعويض هذه الاختلافات من خلال تنويع المصادر النباتية والحرص على تلبية الاحتياجات اليومية.
المزيد من البروتينات: هل تختلف الفوائد حسب النظام الغذائي؟
كشفت الدراسة أيضاً عن اتجاه مثير للاهتمام، إذ ارتبط ارتفاع استهلاك البروتينات لدى النباتيين بزيادة أكبر في الكتلة العضلية بينما لم تُلاحظ العلاقة نفسها لدى المشاركين الذين يتناولون الأغذية النباتية والحيوانية.
وافترض الباحثون أن أفراد المجموعة الثانية ربما بلغوا مستوى كافياً من استهلاك البروتينات لدعم نمو العضلات، وبعد تجاوز حد معين قد لا تؤدي زيادة الكميات المستهلكة إلى تحقيق فوائد إضافية بالضرورة، غير أنه لا ينبغي الاستنتاج من ذلك أن جميع الأشخاص الذين يتناولون الأغذية النباتية والحيوانية يحصلون على كميات كافية من البروتينات أو أن النباتيين يحتاجون دائماً إلى تناول كميات أكبر، فالاحتياجات تختلف بحسب العمر والوزن والنشاط البدني والحالة الغذائية وبعض الأمراض.
وتكتسي الكمية الإجمالية للبروتينات أهمية كبيرة لكن توزيعها على مدار اليوم وجودتها وارتباطها بممارسة التمارين الرياضية بانتظام تؤدي أيضاً دوراً مهماً.
هل يصبح النظام الغذائي النباتي أقل ملاءمة بعد سن 55 عاماً؟
تدعو هذه النتائج إلى توخي الحذر لكنها لا تسمح بالجزم بأن النظام الغذائي النباتي غير مناسب للأشخاص المتقدمين في السن، بل تُظهر الدراسة على العكس من ذلك أن النظام الغذائي الذي يعتمد أساساً على المنتجات النباتية ويحتوي على كمية كافية من البروتينات إلى جانب ممارسة تمارين المقاومة يمكن أن يحسن الكتلة العضلية والقوة والقدرات البدنية، ويستحق الاختلاف المسجل في زيادة الكتلة العضلية إجراء دراسات أوسع لكنه لا يكفي لإثبات أن تناول اللحوم ضروري للحفاظ على العضلات مع التقدم في العمر.
ويمكن لنظام غذائي نباتي متوازن ومخطط له جيداً أن يوفر البروتينات والعناصر الغذائية الضرورية بفضل تنوع الأطعمة مثل البقوليات وفول الصويا ومشتقاته والحبوب والمكسرات والبذور والبيض ومنتجات الألبان بحسب الخيارات الغذائية، كما ينبغي أن يوفر كمية كافية من الطاقة لتجنب استخدام البروتينات بصورة أساسية كمصدر للطاقة.
وفي المقابل لا يضمن تناول اللحوم وحده صحة عضلية جيدة، فمن دون نشاط بدني مناسب ونظام غذائي متوازن لا تكفي البروتينات وحدها للوقاية من فقدان الكتلة العضلية المرتبط بالعمر.
نتائج ينبغي تفسيرها بحذر
مثل أي دراسة علمية تنطوي هذه التجربة على بعض القيود، فقد كان معظم المشاركين من ذوي البشرة البيضاء ويتمتعون بصحة جيدة ومستوى تعليمي مرتفع ولذلك لا يمثلون بالضرورة جميع الأشخاص الذين تجاوزوا 55 عاماً ولا سيما المصابين بأمراض مزمنة أو بسوء التغذية أو بفقدان متقدم للكتلة العضلية.
كما أن مدة الدراسة التي اقتصرت على ثلاثة أشهر لا تسمح بمعرفة تأثير هذه الأنظمة الغذائية على مدى عدة سنوات، وستكون هناك حاجة إلى أبحاث إضافية لتأكيد النتائج وتحديد دور كمية البروتينات ومصدرها وتوزيعها خلال اليوم بشكل أكثر دقة.
وبصورة أوسع تشير البيانات المتوفرة إلى أن النظام الغذائي النباتي المتوازن يمكن أن يتوافق مع الحفاظ على صحة جيدة على المدى الطويل، غير أن فوائده تعتمد على تركيبته الغذائية العامة ومدى تلبيته للاحتياجات من العناصر الغذائية الأساسية.
كيف نحافظ على الكتلة العضلية بعد سن 55 عاماً؟

بغض النظر عن النظام الغذائي المتبع يمكن لبعض التدابير أن تسهم في الحفاظ على القوة العضلية والاستقلالية.
- ممارسة تمارين تقوية العضلات بانتظام: ينبغي أن تستهدف التمارين المجموعات العضلية الرئيسية وأن تتناسب مع قدرات كل شخص، وفي حال الإصابة بمرض مزمن أو الشعور بآلام أو فقدان التوازن قد يكون من المفيد طلب استشارة طبية قبل البدء.
- تلبية الاحتياجات اليومية من البروتينات: يمكن أن يسهم البيض ومنتجات الألبان والبقوليات والتوفو والأطعمة الأخرى المصنوعة من فول الصويا والمكسرات والبذور في توفير البروتينات الضرورية، كما يمكن للأشخاص الذين يتناولون الأغذية النباتية والحيوانية الحصول عليها من الأسماك واللحوم والدواجن.
- تنويع مصادر البروتينات النباتية: يساعد الجمع بين مصادر مختلفة للبروتينات خلال اليوم على تلبية الاحتياجات من الأحماض الأمينية الأساسية، وتعد البقوليات والحبوب الكاملة مفيدة بشكل خاص ضمن النظام الغذائي النباتي.
- تناول كميات كافية من الطعام: قد يؤدي انخفاض مدخول الطاقة بشكل كبير إلى فقدان الكتلة العضلية حتى عندما يحتوي النظام الغذائي على البروتينات.
- مراقبة مخاطر نقص العناصر الغذائية: عند اتباع نظام غذائي نباتي ينبغي الحرص خصوصاً على الحصول على كميات كافية من فيتامين B12 والحديد والزنك وكذلك الكالسيوم وفيتامين D بحسب الأطعمة المستهلكة، وقد تكون المكملات الغذائية ضرورية في بعض الحالات ولا سيما فيتامين B12 لدى الأشخاص الذين يتبعون نظاماً نباتياً صرفاً يستبعد جميع المنتجات الحيوانية.
- طلب المشورة الطبية في حال الإصابة بأمراض الكلى أو مشكلات غذائية: ينبغي تحديد الاحتياجات من البروتينات بصورة فردية لدى الأشخاص المصابين ببعض الأمراض وخاصة أمراض الكلى، ومن الأفضل استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية قبل زيادة استهلاك البروتينات بشكل كبير.
أبرز ما ينبغي تذكره
لا يعد تناول اللحوم ضرورياً لزيادة القوة أو بناء الكتلة العضلية، غير أن الأشخاص الذين اتبعوا نظاماً غذائياً يجمع بين المنتجات النباتية والحيوانية حققوا في هذه الدراسة زيادة أكبر في الكتلة العضلية مقارنة بالنباتيين رغم أن التحسن في القوة والأداء البدني كان متقارباً بين المجموعتين، وللحفاظ على العضلات بعد سن 55 عاماً تبقى الأولوية لاعتماد نظام غذائي يوفر كميات كافية من البروتينات والطاقة إلى جانب ممارسة تمارين المقاومة بانتظام.
الكلمات المفتاحية: الكتلة العضلية، النظام الغذائي النباتي، النظام الغذائي المختلط، البروتينات، تمارين تقوية العضلات، الشيخوخة، الساركوبينيا، صحة كبار السن، تقوية العضلات، التغذية.
اقرأ أيضاً: