
عادة ما يرتبط التدخين السلبي بسرطان الرئة، كما يفكر بعض الأشخاص ايضا في أمراض القلب والأوعية الدموية، لكن عواقب التعرض لدخان التبغ تتجاوز الجهاز التنفسي بكثير، ويذكر أطباء أمراض الرئة واختصاصيو علاج إدمان التبغ حقيقة علمية غالبا ما تكون غير معروفة، وهي أن المواد السامة الموجودة في دخان السجائر يمكن أن تصل إلى جميع أنحاء الجسم وتزيد من احتمال ظهور عدة أنواع من السرطان لدى غير المدخنين.
دخان الآخرين: خطر صامت لا يزال يستهان به
ويستند هذا التحذير إلى عقود من الأبحاث التي أجرتها أكبر مؤسسات الصحة العامة، وعلى الرغم من حملات التوعية والوقاية، لا يزال ملايين الأشخاص يتعرضون يوميا لدخان المحيطين بهم، وأحيانا من دون إدراك العواقب طويلة المدى.
دخان سام يتكون من آلاف المواد الكيميائية
عند احتراق السيجارة تطلق مزيجا معقدا للغاية من المواد الكيميائية، وفقا للمركز الدولي لأبحاث السرطان يحتوي دخان التبغ على أكثر من 7000 مركب كيميائي ومن بينها عشرات المواد المصنفة على أنها مواد مسرطنة مؤكدة للإنسان، ومن أبرزها:
- البنزين
- الزرنيخ
- الفورمالديهايد
- القطران
- الجسيمات الدقيقة
- أول أكسيد الكربون
- الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات
- نتروزامين الخاص بالتبغ
وخلافا للاعتقاد الشائع قد يحتوي الدخان المنبعث من طرف السيجارة بين كل سحبة وأخرى على تركيزات أعلى من بعض المواد السامة مقارنة بالدخان الذي يستنشقه المدخن مباشرة، وبذلك فإن كل شخص موجود في بيئة ملوثة بالدخان يستنشق هذه المواد الخطرة من دون قصد.
كيف تنتشر المواد المسرطنة في الجسم
تشكل الرئتان بوابة دخول ملوثات التبغ إلى الجسم، لكنهما ليستا الهدف الوحيد لها، فبعد الاستنشاق تعبر الجسيمات السامة الحاجز الرئوي وتدخل إلى الدورة الدموية، ثم تنتقل عبر الدم إلى مختلف أنحاء الجسم، ويذكر المعهد الوطني للسرطان بانتظام أن المواد المسرطنة الناتجة عن التبغ لا تبقى محصورة في الجهاز التنفسي، بل يمكن أن تصل إلى أنسجة وأعضاء مختلفة وتسبب تغيرات خلوية قد تسهم في تطور السرطان، وهذا الانتشار يفسر لماذا تتجاوز عواقب التدخين السلبي أمراض الرئة بكثير.
التدخين السلبي يزيد خطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان
منذ عدة سنوات يصنف المركز الدولي لأبحاث السرطان دخان التبغ البيئي ضمن المواد المسرطنة المؤكدة، وتظهر الدراسات العلمية أن التعرض المنتظم لدخان الآخرين يزيد بشكل ملحوظ خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى غير المدخنين، لكن الأبحاث تشير ايضا إلى وجود صلات بأنواع أخرى من السرطان منها:
سرطانات الجهاز الهضمي التنفسي العلوي: يمكن أن تتعرض الحلق والبلعوم والحنجرة وبعض مناطق تجويف الفم بشكل مباشر للمواد السامة المستنشقة.
سرطانات الجهاز الهضمي: تشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين التدخين السلبي وعدة أنواع من سرطانات الجهاز الهضمي، ولا سيما السرطانات التي تصيب المريء أو المعدة.
سرطانات الجهاز البولي: يمكن للمركبات السامة التي ترشحها الكليتان ثم تطرح مع البول أن تلامس المسالك البولية لفترة طويلة، مما قد يزيد خطر الإصابة ببعض الأورام.
السرطانات المرتبطة بالتعرض المزمن: تؤدي مدة التعرض وشدته دورا مهما، فكلما كان التعرض أكثر تكرارا واستمر لفترة أطول زاد الخطر.
الأطفال: أول ضحايا التدخين السلبي
يعد الرضع والأطفال الصغار من أكثر الفئات عرضة للخطر، فمعدل تنفسهم أعلى من معدل تنفس البالغين، ولذلك يستنشقون نسبة أكبر من المواد السامة مقارنة بحجم أجسامهم، كما أن أعضاءهم لا تزال في طور النمو، مما يجعلهم أكثر حساسية لتأثيرات الملوثات، ووفقا للمتخصصين يؤدي التعرض لدخان التبغ إلى زيادة خطر:
- الالتهابات التنفسية المتكررة
- التهاب القصيبات
- الربو
- التهاب الأذن
- اضطرابات التنفس المزمنة
- دخول الأطفال إلى المستشفى
ويرتبط التدخين السلبي ايضا بزيادة خطر متلازمة موت الرضع المفاجئ.
التدخين من الدرجة الثالثة: خطر يستمر بعد إطفاء السيجارة
لا ينتهي التعرض للتبغ عند إطفاء السيجارة، ويتحدث الباحثون الآن عن التدخين من الدرجة الثالثة، أين تترسب الجسيمات السامة على:
- الملابس
- الشعر
- الستائر
- السجاد
- الأرائك
- مقاعد السيارات
- الجدران والأثاث
ويمكن لهذه البقايا الكيميائية أن تستمر لعدة أسابيع بل وحتى عدة أشهر في بعض البيئات، ويتعرض الأطفال الصغار بشكل خاص لهذه المواد لأنهم يلمسون الأسطح الملوثة باستمرار ثم يضعون أيديهم في أفواههم، وغالبا ما تكون رائحة التبغ العالقة بعد انطفاء السيجارة العلامة الظاهرة لهذا التلوث غير المرئي.
التعرض لا يزال شائعا جدا في الحياة اليومية
على الرغم من التقدم المحرز خلال السنوات الأخيرة، لا يزال التدخين السلبي شائعا، ولا تزال حالات التعرض الخطرة كثيرة ومنها:
- السيارات
- الشرفات
- الأماكن الخارجية المكتظة
- التجمعات العائلية
- أماكن الاحتفالات
- المنازل الخاصة
وقد ساهم حظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة في الحد بشكل كبير من التعرض الجماعي، وأظهرت عدة دراسات انخفاضا في حالات دخول المستشفى بسبب احتشاء عضلة القلب وبعض أمراض الجهاز التنفسي بعد تطبيق هذه الإجراءات، ومع ذلك لا يزال المنزل الخاص اليوم المكان الرئيسي للتعرض غير المقصود، ووفقا للمتخصصين في المخدرات والاتجاهات الإدمانية يدخن نحو ربع البالغين الفرنسيين يوميا، مما يحافظ على مستوى مرتفع من التعرض لدى المحيطين بهم.
فتح النافذة لا يكفي
يعتقد كثير من المدخنين أن بإمكانهم الحد من المخاطر من خلال التدخين بالقرب من نافذة أو في غرفة منفصلة، لكن المتخصصين يؤكدون أن ذلك لا يوفر حماية كافية، فالجسيمات الدقيقة تبقى عالقة في الهواء لفترة طويلة، كما تنتقل بسهولة من غرفة إلى أخرى ويمكن أن تتراكم في الأماكن المغلقة، وحتى التهوية لفترة طويلة لا تسمح بإزالة جميع المواد السامة بشكل كامل، وقد تحسن أجهزة تنقية الهواء جودة الهواء المحيط في بعض الحالات، لكنها لا تزيل جميع المركبات المسرطنة الموجودة في دخان التبغ.
وماذا عن السيجارة الإلكترونية؟
تنتج السيجارة الإلكترونية مواد سامة أقل من السيجارة التقليدية، ومع ذلك توصي السلطات الصحية ايضا بتوخي الحذر، فقد تحتوي رذاذات السجائر الإلكترونية على:
- النيكوتين
- الجسيمات فائقة الدقة
- المركبات العضوية المتطايرة
- مواد مهيجة مختلفة
وكإجراء احترازي يوصي الخبراء بتجنب استخدام السجائر الإلكترونية في الأماكن المغلقة بحضور الأطفال والنساء الحوامل أو الأشخاص الأكثر هشاشة.
الحيوانات الأليفة معنية ايضا
لا يؤثر التدخين السلبي في البشر وحدهم، فقد أظهرت عدة دراسات بيطرية نقلتها جامعة تافتس الأمريكية أن القطط التي تعيش في منازل يكثر فيها التدخين تكون أكثر عرضة للإصابة باللمفوما، وهو سرطان يصيب الجهاز اللمفاوي، وتستنشق الحيوانات الجسيمات الموجودة في الهواء، كما تبتلعها عندما تنظف نفسها بلسانها فتبتلع البقايا المترسبة على فرائها، ويمكن للكلاب والطيور وغيرها من الحيوانات الأليفة أن تتأثر ايضا بالتعرض المزمن لهذه المواد.
توصيات طبية للحد من المخاطر
يوصي اختصاصيو الصحة العامة بعدة إجراءات بسيطة لكنها أساسية:
بالنسبة إلى المدخنين
- عدم التدخين مطلقا داخل المنزل.
- تجنب التدخين داخل السيارات حتى مع فتح النوافذ.
- غسل اليدين بعد التدخين وقبل التعامل مع الرضع.
- تغيير الملابس بعد التدخين بكثرة في وجود الأطفال.
بالنسبة إلى الأسر
- جعل المنزل خاليا تماما من التدخين.
- توعية أفراد الأسرة والأقارب بمخاطر التدخين السلبي.
- تجنب الأماكن التي يكثر فيها الدخان.
- حماية الرضع والنساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي بشكل خاص.
بالنسبة إلى الأشخاص الراغبين في الإقلاع عن التدخين
- استشارة طبيب أو اختصاصي في علاج إدمان التبغ.
- استخدام بدائل النيكوتين عندما تكون مناسبة.
- الاستفادة من الدعم النفسي أو السلوكي الملائم.
- الاستعانة بوسائل المساعدة المتاحة للإقلاع عن التدخين.
تحد رئيسي للصحة العامة
تغيرت النظرة إلى التبغ بشكل عميق خلال العقود الأخيرة، ومع ذلك لا يزال التدخين السلبي يمثل مشكلة صحية كبيرة، فعلى خلاف المدخن لا يختار الشخص المعرض للدخان استنشاق هذه المواد السامة وبالرغم من ذلك يتحمل عواقبها.
وتؤكد المعطيات العلمية اليوم أن دخان التبغ البيئي يحتوي على العديد من المواد المسرطنة القادرة على الوصول إلى مختلف أنحاء الجسم، وحتى من دون التدخين يمكن أن يؤدي التعرض المنتظم إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض خطيرة ولا سيما السرطان، لذلك تبقى أفضل حماية بسيطة وواضحة: ضمان توفير بيئات خالية تماما من الدخان في المنزل والسيارات وجميع الأماكن التي يرتادها الأشخاص الأكثر عرضة للخطر.
الكلمات المفتاحية: التدخين السلبي، السرطان، دخان السجائر، المواد المسرطنة، الرئة، الصحة العامة، غير المدخنين، الأطفال، التدخين من الدرجة الثالثة، التلوث الداخلي، الأمراض التنفسية، الوقاية البيئية، مخاطر القلب والأوعية الدموية، التعرض، التبغ، الإقلاع عن التدخين.
اقرأ أيضاً: