
هل يمكن بالفعل إحياء الذكريات لدى شخص مصاب بمرحلة متقدمة من مرض ألزهايمر بفضل السيلوسيبين، وهي المادة ذات التأثير النفسي الموجودة في بعض أنواع الفطريات المهلوسة؟ حيث أثار منشور حديث العديد من التساؤلات داخل الأوساط العلمية، فقد أبلغ أطباء برازيليون في دراسة نُشرت في مجلة Frontiers in Neuroscience، عن حالة امرأة تبلغ من العمر 80 عامًا وتعاني من مرض ألزهايمر الشديد، ويُقال إنها أظهرت تحسنًا مؤقتًا في بعض الوظائف الإدراكية بعد تناولها فطريات تحتوي على السيلوسيبين.
ملاحظة أثارت اهتمام الباحثين… لكنها لا تُعد دليلا علميا
يدعو المتخصصون مع ذلك إلى توخي أقصى درجات الحذر، فهذه حالة سريرية فردية ولا تسمح بأي حال من الأحوال بالاستنتاج أن هذه المادة فعالة أو آمنة في علاج مرض ألزهايمر.
مرض يتطور منذ نحو عشر سنوات
كانت المريضة قد شُخِّصت بالإصابة بالمرض قبل عشر سنوات، وتدهورت حالتها تدريجيًا حتى وصلت إلى مرحلة متقدمة، وكانت تعاني على وجه الخصوص من:
- قدرة لغوية محدودة للغاية، لا تتجاوز بضع كلمات.
- فقدان كبير للاستقلالية.
- اضطرابات في المشي.
- سلس بول مزمن.
- اعتماد شبه كامل على الآخرين في أداء الأنشطة اليومية.
وبحسب مؤلفي الدراسة تناولت المريضة نحو 5 غرامات من الفطريات المهلوسة، غير أن الكمية الدقيقة من السيلوسيبين التي حصلت عليها لم تُقَس، وهو ما يُعد أحد أبرز القيود في هذه الملاحظة السريرية.
تحسن لافت… لكنه مؤقت
بعد تناول الفطريات يُقال إن المريضة عانت من تعرق غزير قبل أن تغفو لعدة ساعات، وبعد نحو 19 ساعة سجل الباحثون عدة تغيرات غير متوقعة، إذ بدأت المرأة:
- تتحدث تلقائيًا.
- تتعرف على بعض أفراد محيطها.
- تسترجع ذكريات شخصية.
- تشارك بشكل أكبر في المحادثات.
- تُظهر اهتمامًا أكبر بما يدور حولها.
كما لاحظ أفراد أسرتها تحسنًا في حالتها المزاجية وتفاعلاتها الاجتماعية ومستوى انتباهها، إلا أن هذه الفوائد لم تستمر سوى بضعة أيام، قبل أن تعود الأعراض المعتادة للمرض تدريجيًا.
كيف يؤثر السيلوسيبين في الدماغ؟
السيلوسيبين هو مركب يوجد طبيعيًا في عدة أنواع من الفطريات، وبعد امتصاصه يتحول إلى مادة تُعرف باسم «بسيلوسين»، التي تؤثر بشكل رئيسي في مستقبلات السيروتونين، وهو ناقل عصبي يشارك في:
- الذاكرة.
- العواطف.
- التعلم.
- الإدراك الحسي.
- بعض الوظائف الإدراكية.
وتشير عدة دراسات تجريبية إلى أن هذه المادة قد تعزز اللدونة الدماغية، أي قدرة الخلايا العصبية على إنشاء وصلات عصبية جديدة، ويخضع السيلوسيبين حاليًا لتجارب سريرية واعدة لدى مرضى الاكتئاب المقاوم للعلاج، والقلق المرتبط بالأمراض الخطيرة، واضطراب ما بعد الصدمة، وذلك ضمن إطار طبي صارم، أما استخدامه في علاج مرض ألزهايمر، فما يزال غير مستكشف إلى حد كبير.
لماذا لا تسمح هذه الدراسة باستخلاص نتائج؟
يشير أطباء الأعصاب إلى عدة قيود رئيسية، أولًا تتعلق الدراسة بمريضة واحدة فقط، ولا يمكن تعميم التحسن الملحوظ لدى فرد واحد على جميع المصابين بمرض ألزهايمر، إضافة إلى ذلك:
- لم تُشكَّل مجموعة للمقارنة.
- التركيز الدقيق للسيلوسيبين غير معروف.
- التقييمات الإدراكية كانت محدودة.
- قد يكون التحسن مرتبطًا بعوامل أخرى لا علاقة لها بالعلاج.
ويقر الباحثون أنفسهم بأن هذه الملاحظة لا تثبت وجود تأثير علاجي، وإنما تمثل مجرد فرضية بحثية تحتاج إلى تأكيد من خلال تجارب سريرية صارمة تشمل عددًا كبيرًا من المرضى.
مخاطر لا ينبغي الاستهانة بها
خلافًا لبعض الاعتقادات الشائعة فإن السيلوسيبين ليس مادة خالية من المخاطر، فقد يسبب لدى كبار السن ولا سيما المصابين باضطرابات عصبية:
- هلوسات.
- ارتباكًا شديدًا.
- فقدان التوجه الزماني والمكاني.
- ارتفاع ضغط الدم.
- اضطرابات في نظم القلب.
- تفاعلات مع العديد من الأدوية.
وقد تكون هذه الآثار الجانبية مقلقة بشكل خاص لدى المرضى الأكثر هشاشة، ولهذا السبب لا توصي أي جمعية علمية حاليًا باستخدام الفطريات المهلوسة لعلاج مرض ألزهايمر خارج إطار التجارب السريرية المرخصة.
مسار بحثي لا يزال في مراحله الأولية
لا يزال مرض ألزهايمر اليوم السبب الأول للخرف في العالم، وتقتصر العلاجات المتاحة أساسًا على إبطاء تطور الأعراض أو تحسين بعض الاضطرابات مؤقتًا من دون إيقاف التنكس العصبي، وفي مواجهة هذا الواقع يستكشف الباحثون مقاربات علاجية جديدة، من بينها المواد المخدرة المهلوسة لفهم تأثيرها المحتمل في الدوائر الدماغية المسؤولة عن الذاكرة والوظائف الإدراكية.
غير أن الأمر سيستغرق عدة سنوات أخرى من الدراسات لتحديد ما إذا كانت هذه المواد تمتلك بالفعل فائدة سريرية حقيقية.
ويذكّر أطباء الأعصاب بعدة نقاط أساسية:
- لا ينبغي أبدًا تناول الفطريات المهلوسة على أمل علاج مرض ألزهايمر.
- لا يزال السيلوسيبين مادة نفسية التأثير قوية، ويخضع استخدامها الطبي لضوابط صارمة.
- يجب مناقشة أي تعديل في علاج الشخص المصاب بالخرف مع طبيب أعصاب أو طبيب مختص في طب الشيخوخة.
- ينبغي على مقدمي الرعاية إبلاغ الطبيب سريعًا عن أي تغير مفاجئ في السلوك أو الذاكرة أو مستوى الوعي.
- تظل التجارب السريرية الإطار الآمن الوحيد لتقييم العلاجات الجديدة المحتملة.
الخلاصة
تُعد هذه الملاحظة السريرية مثيرة للاهتمام وتفتح بابًا جديدًا للبحث حول التأثيرات المحتملة للسيلوسيبين في الأمراض التنكسية العصبية، ومع ذلك فإنها لا تشكل دليلًا علميًا على فعاليته. وحتى الآن لا توجد أي توصية طبية تبرر استخدام الفطريات المهلوسة لدى مرضى ألزهايمر، وفقط وحدها التجارب السريرية واسعة النطاق ستحدد ما إذا كان هذا النهج يقدم فائدة حقيقية، مستدامة وآمنة بما يكفي للمرضى.
للتذكير
يخضع السيلوسيبين حاليًا للعديد من الأبحاث في مجالي الطب النفسي وعلوم الأعصاب، خاصة في علاج الاكتئاب المقاوم للعلاج، واضطرابات القلق، واضطراب ما بعد الصدمة. أما استخدامه في مرض ألزهايمر فما يزال تجريبيًا ولا توصي به أي هيئة صحية حتى الآن في الممارسة السريرية.
الكلمات المفتاحية: مرض ألزهايمر، السيلوسيبين، الفطريات المهلوسة، الخرف، الذاكرة، علوم الأعصاب، الدماغ، الإدراك، التنكس العصبي، البحث الطبي، الصحة النفسية، دراسة علمية، علاج تجريبي، طب الأعصاب.
اقرأ أيضاً: