لم ينتهِ تطور الإنسان أبدا ، فقد كشفت دراسة أُجريت على 417 امرأة يعشن على ارتفاع يزيد على 3500 متر في نيبال عن أدلة جديدة على التكيف مع نقص الأكسجين. وتتميز النساء اللواتي أنجبن أكبر عدد من الأطفال بمزيج خاص من الخصائص القلبية الوعائية والدموية، وتُظهر هذه النتيجة أنه حتى اليوم يمكن للانتخاب الطبيعي أن يواصل تشكيل وظائف أجسامنا.
العيش على ارتفاعات شاهقة تحدٍّ حقيقي للجسم
على ارتفاع يزيد على 3500 متر يظل الهواء يحتوي على نحو 21% من الأكسجين لكن الضغط الجوي يكون أقل، لذلك تحمل كل عملية شهيق عدداً أقل من جزيئات الأكسجين إلى الجسم، ولدى الأشخاص المعتادين على الارتفاعات الشاهقة يطوّر الجسم استراتيجيات مختلفة للحفاظ على إمداد كافٍ للأنسجة، ويساعد هذا التكيف على الحد من آثار نقص الأكسجين المزمن أي النقص المستمر في الأكسجين، ولهذا تُعدّ المجموعات السكانية التي تعيش في هضبة التبت ومنطقة الهيمالايا نموذجاً مهماً لدراسة تطور الإنسان.
كيف نعرف أن البيئة لا تزال تؤثر في تطور الإنسان؟
لدراسة التطور يمكن للباحثين خصوصاً مراقبة النجاح الإنجابي، ومن الناحية النظرية فإن الأفراد الذين تسمح لهم خصائصهم بتحمل بيئتهم بشكل أفضل تكون لديهم فرص أكبر في إنجاب الأطفال ونقل خصائصهم البيولوجية إلى الأجيال التالية، واهتم فريق ”سينثيا بيل” من جامعة كيس ويسترن ريزيرف بهذه المسألة لدى نساء يعشن منذ ولادتهن في مناطق مرتفعة، وشملت الدراسة التي نُشرت عام 2024 في مجلة PNAS، 417 امرأة تتراوح أعمارهن بين 46 و86 عاماً، وقد عشن جميعاً في نيبال على ارتفاع يزيد على 3500 متر، وقارن الباحثون عدد الولادات الحية لديهن بمجموعة من المؤشرات الفسيولوجية.
هيموغلوبين لا هو منخفض جداً ولا مرتفع جداً
تتعلق إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام بالهيموغلوبين وهو البروتين الموجود في خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن نقل الأكسجين، حيث لم تكن النساء اللواتي أنجبن أكبر عدد من الأطفال صاحبات أعلى مستويات الهيموغلوبين بل كان مستوى الهيموغلوبين لديهن متوسطاً، وقد تبدو هذه النتيجة مفاجئة فعندما يعاني الجسم من نقص الأكسجين على المرتفعات فإنه يزيد عادةً من إنتاج خلايا الدم الحمراء، لكن ارتفاع تركيزها بشكل مفرط يمكن أن يجعل الدم أكثر لزوجة ويزيد صعوبة دورانه.
لذلك يتعين على الجسم تحقيق توازن بين وجود كمية كافية من الهيموغلوبين لنقل الأكسجين وبين عدم ارتفاع مستواه إلى درجة تجعل الدم أكثر سماكة بشكل مفرط.
تشبع أعلى بالأكسجين
في المقابل كان تشبع الهيموغلوبين بالأكسجين أعلى لدى النساء اللواتي أنجبن عدداً أكبر من الأطفال، وبعبارة أخرى بدا أن أجسامهن أكثر كفاءة في تحميل الدم بالأكسجين وتوزيعه على الأنسجة المختلفة.
ويرى الباحثون إذاً مزيجاً لافتاً يتمثل في كمية معتدلة من الهيموغلوبين مرتبطة بتشبع أفضل بالأكسجين، وقد يسمح هذا الارتباط بنقل الأكسجين بكفاءة من دون فرض عبء مفرط على الجهاز القلبي الوعائي.
قلب ورئتان يتمتعان بكفاءة عالية بشكل خاص
لا يقتصر التكيف على الدم وحده فالنساء اللواتي حققن أفضل نجاح إنجابي كان لديهن أيضاً تدفق دموي رئوي أكبر، كما أن البطين الأيسر لديهن المسؤول عن دفع الدم المؤكسج إلى مختلف أنحاء الجسم كان أكبر حجماً، ويمكن لهذه الخصائص أن تساعد على تحسين دوران الدم وتوزيع الأكسجين بشكل أكثر كفاءة، وهكذا يبدو أن الجسم يعمل كنظام متكامل: تلتقط الرئتان الأكسجين وينقله الدم ويوزعه القلب على الأنسجة.
أفضل تكيف ليس بالضرورة الأكثر تطرفاً
من أهم ما توصلت إليه الدراسة أن المزيد لا يعني دائماً الأفضل، فالتكيف المفرط يمكن أن يتحول إلى عامل سلبي، ففي حالة الهيموغلوبين مثلاً يمكن أن يؤدي ارتفاع تركيزه بشكل كبير إلى زيادة لزوجة الدم، لذلك يبدو أن الانتخاب الطبيعي يفضل مزيجاً من الخصائص التي تسمح بتحقيق أفضل توازن فسيولوجي ممكن في بيئة فقيرة بالأكسجين، وهذا مثال على مدى تعقيد عملية التطور، فقد لا تكون سمة واحدة كافية بالضرورة بل يمكن لعدة تكيفات أن تعمل معاً.
علم الأحياء لا يفسر كل شيء
يذكّر الباحثون مع ذلك بأن عدد الأطفال يعتمد أيضاً على عوامل اجتماعية وثقافية، فعمر المرأة عند إنجاب طفلها الأول ومدة زواجها وظروف حياتها وغيرها من العوامل يمكن أن تؤثر في عدد حالات الحمل والولادات، وبعد أخذ بعض هذه العوامل في الاعتبار ظل الارتباط بين الخصائص الفسيولوجية والنجاح الإنجابي قائماً، وهذا يعزز فرضية وجود تكيف بيولوجي مع الارتفاعات الشاهقة من دون أن يسمح بالاستنتاج بأن الخصائص الفسيولوجية هي العامل الوحيد المحدد للخصوبة أو لعدد الأطفال.
الإنسان يواصل التطور بالفعل
لا تعني هذه الدراسة بالطبع أن النساء اللواتي يعشن في المرتفعات يشكلن «نوعا» بشريا جديدا فالتطور يحدث تدريجياً وعلى مدى أجيال عديدة، وهي تُظهر قبل كل شيء أن الانتخاب الطبيعي لا يزال قادرا على تغيير معدل انتشار بعض الخصائص البيولوجية داخل المجموعات البشرية عندما تفرض البيئة ضغطا مستمرا، ويمثل الارتفاع هنا ضغطا واضحا بشكل خاص، فعلى مدى آلاف السنين اضطرت المجموعات السكانية المعنية إلى التكيف مع بيئة فقيرة بالأكسجين.
للتذكير
لا يزال تطور الإنسان مستمرا، ويبدو أنه لدى بعض المجموعات السكانية التي تعيش منذ آلاف السنين في مناطق مرتفعة قد ساهم التطور الطبيعي في تفضيل مجموعات من الخصائص التي تسمح باستخدام الأكسجين المتاح بشكل أفضل، وقد يسهم وجود مستوى متوسط من الهيموغلوبين وتشبع مرتفع بالأكسجين وتدفق دموي رئوي كبير وبطين أيسر أكثر تطورا في تحسين التكيف مع نقص الأكسجين.
الكلمات المفتاحية: تطور الإنسان، الانتخاب الطبيعي، الارتفاع، الهيمالايا، نيبال، نقص الأكسجين، الأكسجين، الهيموغلوبين، خلايا الدم الحمراء، التكيف الجيني، القلب، الرئتان، علم وظائف الأعضاء، التكاثر، الأنثروبولوجيا، الصحة.
اقرأ أيضاً: