صحة جيدة لحياة أفضل

السعادة في الحياة اليومية: 3 عادات بسيطة يتبناها الأشخاص الأكثر سعادة ورضا وفقا لعلماء النفس

حرر : د. جنات يعقوبي | أخصائية علم النفس السريري
17 يوليو 2026

في مجتمع تصور فيه السعادة غالبا على أنها هدف يجب تحقيقه باستمرار، يجد كثير من الناس أنفسهم على نحوٍ مفارق أكثر توترًا وإحباطًا وأحيانًا أكثر تعاسة. ووفقًا للأخصائية النفسية “فالنتين هيرفي” فإن السعي الدائم وراء السعادة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما يُرجى منه.

هل يمكن حقًا تعلُّم السعادة؟

في الوقت الذي تعج فيه وسائل التواصل الاجتماعي بصور الحياة المثالية والابتسامات الدائمة، تبدو الحقيقة النفسية مختلفة تمامًا؛ فالسعادة ليست حالة ثابتة، ولا مجرد سلسلة من الملذات الآنية، بل تقوم على توازن أعمق يتشكل تدريجيًا مع مرور الوقت.

في الوقت الحاضر غالبًا ما تُقدَّم السعادة على أنها واجب اجتماعي، إذ يُفترض بالإنسان أن يكون إيجابيًا وناجحًا ومزدهرًا وراضيًا طوال الوقت، لكن هذه الرؤية المثالية تفرض ضغطًا نفسيًا كبيرًا، ويرى المتخصصون أن هذا التصور مضلل فالشخص السعيد على الدوام يكاد يكون غير موجود. فالمشاعر السلبية وفترات الشك وخيبات الأمل ولحظات الحزن كلها أجزاء طبيعية من الحياة الإنسانية.

ولا تعني السعادة الحقيقية العيش في حالة من النشوة المستمرة بل تتمثل في شعور دائم بالرضا والانسجام مع مجرى الحياة، وتُظهر أبحاث علم النفس الإيجابي أن الأشخاص الأكثر ازدهارًا نفسيًا ليسوا أولئك الذين يتجنبون المشاعر الصعبة، بل الذين يتعلمون كيفية تجاوزها دون أن تغمرهم أو تسيطر عليهم.

التحرر من الضغوط التي تفرض ضرورة الشعور بالسعادة

كتب التنمية الذاتية والاقتباسات الملهمة ومؤثرو الرفاه النفسي… أصبحت النصائح المتعلقة بكيفية بلوغ السعادة موجودة في كل مكان، لكن محاولة تطبيق طريقة واحدة تصلح للجميع قد تكون في الواقع غير مجدية بل وربما تأتي بنتائج عكسية، وتوضح الأخصائية النفسية أن لكل شخص تعريفه الخاص للسعادة، فما يمنح أحدهم شعورًا بالرضا قد لا يعني شيئًا بالنسبة لشخص آخر، وغالبًا ما يؤدي السعي إلى تقليد أسلوب حياة الآخرين إلى:

  • الشعور بالإحباط؛
  • الإحساس بالذنب؛
  • تراجع تقدير الذات؛
  • الشعور الدائم بالفشل.

فخ المقارنة الاجتماعية

تُفاقم وسائل التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة إذ يحرص المستخدمون في الغالب على عرض الجوانب الإيجابية فقط من حياتهم مما يمنح الانطباع بأن الجميع أكثر سعادة منا، لكن مقارنة حياتنا اليومية بأفضل اللحظات التي ينشرها الآخرون تُعد من أكثر أسباب الشعور بعدم الرضا شيوعًا، لذلك فإن الخطوة الأولى نحو السعادة تتمثل في التوقف عن ملاحقة نموذج مثالي يفرضه الآخرون والعمل بدلًا من ذلك على تحديد ما يحمل معنى حقيقيًا بالنسبة لكل فرد.

الرغبة… محرك أساسي للرفاه النفسي

لا تقتصر الرغبة على شراء شيء ما أو إشباع حاجة آنية، بل تمثل في علم النفس ما يمنح حياتنا اتجاهًا ومعنى، فامتلاك مشاريع وتنمية الفضول والسعي لتحقيق أهداف شخصية، كلها عوامل تعزز بدرجة كبيرة الشعور بالرضا وتحقيق الذات، وقد يتجسد ذلك في صور عديدة مثل:

  • تعلم مهارة جديدة؛
  • استئناف ممارسة نشاط رياضي؛
  • السفر؛
  • تطوير مشروع مهني؛
  • التفرغ لهواية أو شغف؛
  • إحياء حلم قديم.

لماذا تعزز المشاريع الشعور بالسعادة؟

تُظهر أبحاث علوم الأعصاب أن الدماغ يستمتع بتوقع تحقيق الهدف بقدر استمتاعه بتحقيقه فعليًا، فالتقدم نحو هدف معين ينشط الدوائر العصبية المسؤولة عن الدافع والشعور بالمتعة، وبالتالي لا تكمن السعادة فقط في تحقيق الحلم بل أيضًا في الطريق الذي نسلكه للوصول إليه، كما أن الحفاظ على الطموحات والرغبات يساعد على استمرار الحيوية النفسية وتعزيز الشعور بأن للحياة هدفًا ومعنى.

التقبّل… مهارة نفسية أساسية

من أبرز صفات الأشخاص السعداء قدرتهم على تقبل أن بعض الأمور تخرج عن نطاق سيطرتهم، فالحياة تتضمن حتمًا:

  • الإخفاقات؛
  • الإحباطات؛
  • الخسائر؛
  • فترات الشك؛
  • الصعوبات في العلاقات.

ومن المستحيل التخلص تمامًا من هذه التجارب، ووفقًا لعدة دراسات في علم النفس السريري يرتبط تقبل المشاعر غير السارة بتحسن الصحة النفسية، وانخفاض مستويات القلق، وزيادة القدرة على الصمود في مواجهة الأحداث الصعبة.

لا تخلط بين التقبّل والاستسلام

فالتقبل لا يعني التخلي عن المحاولة أو الخضوع للأمر الواقع وإنما يعني الاعتراف بحقيقة الموقف، مع مواصلة العمل والتصرف عندما يكون ذلك ممكنًا، ويدرك الأشخاص الأكثر قدرة على الصمود أن الفترات الصعبة مؤقتة، وأنها جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية.

أظهرت عدة دراسات علمية مفارقة لافتة مفادها أنه كلما سعى الشخص بإصرار إلى أن يكون سعيدًا بأي ثمن، زادت احتمالات شعوره بعدم الرضا، ويُفسَّر ذلك بعدة عوامل منها:

  • توقعات غير واقعية؛
  • التركيز المفرط على المشاعر الشخصية؛
  • المقارنة المستمرة بالآخرين؛
  • الخوف من عدم الشعور بقدر كافٍ من السعادة.

وفي المقابل فإن الأشخاص الذين يركزون على قيمهم وعلاقاتهم ومشاريعهم الشخصية، يصرحون عمومًا بمستويات أعلى من الرضا عن حياتهم.

لتحقيق سعادة أكثر استدامة ينصح المتخصصون بما يلي:

  • الحفاظ على علاقات اجتماعية جيدة؛
  • ممارسة نشاط بدني بانتظام؛
  • الحصول على قسط كافٍ من النوم؛
  • الحد من المقارنات على وسائل التواصل الاجتماعي؛
  • ممارسة الامتنان في الحياة اليومية؛
  • الحفاظ على مشاريع وأهداف تحفز الدافعية؛
  • تقبل المشاعر السلبية بدلًا من رفضها؛
  • تخصيص وقت للأنشطة التي تمنح الحياة معنى.

الكلمات المفتاحية: السعادة؛ الصحة النفسية؛ الامتنان؛ علماء النفس؛ الرفاه النفسي؛ العلاقات؛ المشاعر؛ الهوس؛ الرغبة.

مقالات في نفس الموضوع