صحة جيدة لحياة أفضل

حرائق الغابات: الصدمة النفسية الخفية التي تستمر حتى بعد انطفاء النيران

حرر : جنات يعقوبي | أخصائية علم النفس السريري
4 أغسطس 2026

لا تقتصر آثار حرائق الغابات على تدمير المنازل والمناظر الطبيعية والبنية التحتية، بل تخلّف أيضًا جروحًا نفسية قد تكون عميقة. فخلف المشاهد المروعة لألسنة اللهب يوجد آلاف الأشخاص الذين يواجهون الخوف، وفقدان الشعور بالأمان، وبالنسبة إلى بعضهم، صدمة نفسية حقيقية.

في ظل تزايد حرائق الغابات نتيجة التغير المناخي، يؤكد المختصون أن آثارها على الصحة النفسية قد تستمر لأسابيع أو أشهر، بل وحتى لسنوات إذا لم يتم التعامل معها وعلاجها بالشكل المناسب.

إن مشاهدة النيران تقترب من المنزل، أو الاضطرار إلى الإخلاء بشكل عاجل، أو فقدان جميع الممتلكات، تُعد تجارب شديدة الصدمة، وبحسب الدكتورة كريستين باروا، الطبيبة النفسية وطبيبة الطب النفسي للأطفال، والمتخصصة في التوتر والقلق والاكتئاب، فإن الدماغ يدرك الحريق على أنه تهديد فوري للحياة، ويؤدي هذا الإحساس بالخطر الشديد إلى إفراز كميات كبيرة من هرمونات التوتر، ولا سيما الأدرينالين والكورتيزول، فيدخل الجسم مباشرة في وضعية البقاء على قيد الحياة، وخلال هذه المرحلة، لا يعمل الدماغ بالطريقة المعتادة، بل يعطي الأولوية للاستجابات التلقائية، مثل:

  • الهروب.
  • حماية أفراد الأسرة.
  • البحث عن مكان آمن.
  • البقاء على قيد الحياة.

وبعد زوال الخطر يبدأ الدماغ تدريجيًا في “استيعاب” هذه التجربة. وعند بعض الأشخاص، تتم هذه العملية بصورة طبيعية، بينما يستمر أثر الصدمة لدى آخرين.

لا يتفاعل جميع الأشخاص بالطريقة نفسها عند مواجهة كارثة، فهناك عدة عوامل تؤثر في الاستجابة النفسية منها:

  • شدة الخطر الذي تعرض له الشخص.
  • فقدان المنزل أو الممتلكات الشخصية.
  • انفصال أفراد الأسرة أثناء عملية الإخلاء.
  • وجود تجارب صادمة سابقة.
  • الحالة النفسية قبل وقوع الحريق.
  • مستوى الدعم الذي تلقاه الشخص بعد الكارثة.

ويكون الأشخاص الذين سبق لهم التعرض لحادث خطير أو اعتداء إرهابي، أو فقدان مفاجئ لشخص عزيز، أو كارثة طبيعية، أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، وفي المقابل قد يتعرض حتى الأشخاص الذين لا يملكون أي سوابق نفسية لصدمة عميقة نتيجة حريق كبير.

من الطبيعي خلال الأيام الأولى بعد الحادث الشعور بـ:

  • الخوف.
  • الانفعال العاطفي.
  • صعوبة في النوم.
  • إرهاق شديد.

وتُعد هذه الاستجابات طبيعية أمام حدث استثنائي، لكن إذا استمرت هذه الأعراض لأكثر من شهر، أو أصبحت تؤثر بشكل كبير في الحياة اليومية، فقد يشير ذلك إلى الإصابة بـاضطراب ما بعد الصدمة .

ينصح المختصون بطلب المساعدة الطبية عند ظهور الأعراض التالية:

يستمر الدماغ في إعادة استحضار الحادث من خلال:

  • صور ذهنية اقتحامية.
  • ذكريات لا يمكن السيطرة عليها.
  • استرجاعات مفاجئة للحدث .
  • كوابيس متكررة.

ويشعر بعض الأشخاص وكأنهم يعيشون الحريق من جديد عند شم رائحة الدخان أو سماع صفارة الإنذار.

بعد التعرض لصدمة نفسية، يبقى الدماغ في حالة تأهب مستمرة، وقد يؤدي ذلك إلى:

  • الفزع من أقل صوت.
  • نوم خفيف ومتقطع.
  • متابعة الأخبار بشكل متواصل.
  • الخوف الدائم من اندلاع حريق جديد.

وتصبح هذه الحالة مرهقة للغاية مع مرور الوقت.

عند بعض الأشخاص يحدث العكس تمامًا، إذ يشعرون بأنهم لم يعودوا يحسون بأي شيء، وقد يؤدي هذا النوع من الحماية النفسية إلى:

  • الانفصال أو التبلد العاطفي.
  • فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة.
  • صعوبات في العلاقات الاجتماعية.
  • الشعور بالعزلة.

إذا لم تتم معالجة الحالة، فقد يتطور القلق تدريجيًا إلى:

  • نوبات هلع.
  • اكتئاب.
  • فقدان الثقة بالنفس.
  • أفكار سوداوية.

ويؤكد المختصون أن هذه الأعراض يجب ألا يُستهان بها أبدًا.

لا يمتلك الأطفال بعد الموارد العاطفية الكافية لفهم ما مروا به، وبعد الحريق قد تظهر لديهم الأعراض التالية:

  • كوابيس.
  • العودة إلى التبول اللاإرادي.
  • زيادة البكاء.
  • رفض النوم بمفردهم.
  • قلق الانفصال عن الوالدين.
  • التهيج أو السلوك العدواني.

أما لدى بعض المراهقين فقد تؤدي الصدمة أيضًا إلى الانعزال أو تراجع الأداء الدراسي.

يشير الأطباء النفسيون إلى أنه لا توجد مدة زمنية موحدة للتعافي، فكل شخص يتقدم وفق وتيرته الخاصة، إلا أن هناك إجراءات تساعد على التعافي.

بعد الكوارث، من المهم إعادة تنظيم الحياة اليومية تدريجيًا من خلال:

  • الالتزام بمواعيد منتظمة.
  • العودة إلى العادات الغذائية الطبيعية.
  • الحفاظ على الأنشطة الأسرية.
  • تنظيم أوقات النوم والاستيقاظ.

فهذه العادات تمنح الدماغ شعورًا بالأمان.

يُعد الدعم الاجتماعي أحد أهم عوامل الحماية من اضطراب ما بعد الصدمة.

فالتحدث عن المشاعر مع أشخاص موثوقين يساعد غالبًا على تخفيف العبء النفسي.

أما العزلة، فتزيد من خطر المعاناة النفسية.

ينصح المختصون بممارسة:

  • تمارين التناسق القلبي .
  • تمارين التنفس العميق.
  • التأمل القائم على اليقظة الذهنية.
  • تقنيات الاسترخاء.

وتساعد هذه الأساليب على تقليل فرط نشاط الجهاز العصبي وإعادة الجسم إلى حالة الهدوء.

قد تساهم مشاهدة مقاطع الحرائق باستمرار أو متابعة القنوات الإخبارية على مدار الساعة في ترسيخ الصدمة النفسية، لذلك ينصح علماء النفس بـ:

  • تقليل الوقت الذي يقضيه الشخص على وسائل التواصل الاجتماعي.
  • تجنب مشاهدة المقاطع الصادمة.
  • الاكتفاء بمتابعة الأخبار في أوقات محددة.

وتزداد أهمية هذه التوصيات بالنسبة للأطفال، فالتعرض المتكرر للصور قد يعيد تنشيط الذكريات الصادمة.

يوصى بمراجعة طبيب أو أخصائي نفسي أو طبيب نفسي إذا:

  • استمرت الكوابيس.
  • أصبح القلق شديدًا ويؤثر في الحياة اليومية.
  • تكررت الذكريات الصادمة يوميًا.
  • استمرت اضطرابات النوم لعدة أسابيع.
  • ظهرت أعراض الاكتئاب.
  • راودت الشخص أفكار انتحارية.

ويساعد العلاج النفسي غالبًا على تحسين الأعراض بشكل ملحوظ، وفي بعض الحالات قد يُقترح العلاج الدوائي إلى جانب العلاج النفسي، خاصة عند الإصابة بقلق شديد أو اكتئاب حاد.

يشير المختصون إلى أن الشعور بالعجز قد يصبح هو الآخر مصدرًا للمعاناة النفسية، وغالبًا ما تمنح المشاركة في أعمال التضامن الشخص شعورًا باستعادة دوره وقدرته على المساعدة، ويمكن القيام بما يلي:

  • التبرع للجمعيات التي تقدم المساعدة للمتضررين.
  • دعم فرق الإنقاذ والإغاثة.
  • تقديم مساعدات مادية للعائلات المتضررة.
  • المشاركة في جهود إعادة الإعمار عندما يكون ذلك ممكنًا.

كما تعزز هذه المبادرات روح التضامن المجتمعي في مواجهة الكوارث.

لتعزيز التعافي النفسي بعد الحرائق يُنصح بـ:

  • تقبل أن الصدمة العاطفية رد فعل طبيعي.
  • عدم البقاء وحيدًا.
  • استعادة الروتين اليومي تدريجيًا.
  • ممارسة تمارين التنفس أو الاسترخاء.
  • الحد من التعرض المستمر لمشاهد الحرائق.
  • الحفاظ على نظام غذائي متوازن ونوم منتظم.
  • تجنب تناول الكحول أو الأدوية دون استشارة طبية بهدف “نسيان” الصدمة.
  • طلب المساعدة الطبية سريعًا إذا استمرت الأعراض أو ازدادت سوءًا.

لا تنتهي آثار الحريق بمجرد إخماد النيران، إذ قد تستمر تداعياته النفسية لفترة طويلة، ولا سيما في صورة اضطراب ما بعد الصدمة. ويُعد التدخل المبكر وتوفير بيئة مطمئنة ودعم الأسرة والأصدقاء، من أهم العوامل التي تساعد على التعافي النفسي، وكلما تم التعرف إلى الأعراض في وقت مبكر، ازدادت فرص الشفاء.

هل تعلم؟

بعد الكوارث الطبيعية لا يُصاب جميع الأشخاص الذين تعرضوا لها باضطراب ما بعد الصدمة. وتشير الدراسات إلى أن ما بين 5% و20% من المتضررين يصابون فعلًا بهذا الاضطراب، وذلك بحسب شدة الكارثة، وحجم الخسائر، والقدرات النفسية التي يمتلكها الشخص. أما بالنسبة لكثيرين، فتتراجع ردود الفعل العاطفية تدريجيًا خلال أسابيع قليلة بفضل الدعم الاجتماعي واستعادة نمط حياة مستقر.

الكلمات المفتاحية: حرائق، حريق، صدمة نفسية، اضطراب ما بعد الصدمة، التوتر، الصحة النفسية، كارثة طبيعية، القلق، الاكتئاب، الكوابيس، فرط اليقظة، الدعم النفسي، الغابات، المتضررون، التناسق القلبي، أخصائي نفسي، طبيب نفسي، إعادة التأهيل النفسي، الصحة العامة، الوقاية، الرفاه النفسي.

مقالات في نفس الموضوع