
على مدى سنوات تنقّل بعض المرضى المصابين بالصدفية الشديدة بين مختلف العلاجات دون تحقيق تحسن مستدام، بما في ذلك أحدث العلاجات البيولوجية. إلا أن تقدماً علمياً كبيراً قد يغيّر اليوم طريقة علاج هؤلاء المرضى.
طفرة جينية نادرة تفسّر أخيراً سبب مقاومة بعض حالات الصدفية لجميع العلاجات
وتمكّن تحالف دولي من الباحثين بقيادة البروفيسور هيرفي باشليه من جامعة باريس سيتي، ومعهد Imagine، ومستشفى سان لويس في باريس، من تحديد طفرة جينية نادرة مسؤولة عن بعض الأشكال الشديدة والعدوانية والمقاومة للعلاج من مرض الصدفية. وقد نُشرت هذه النتائج في جويلية 2026 في مجلة Journal of Experimental Medicine، فاتحةً الطريق أمام طب دقيق حقيقي قادر على تكييف العلاج وفقاً للملف الجيني لكل مريض، ويمنح هذا الاكتشاف أيضاً أملاً جديداً لآلاف الأشخاص الذين يعانون من الصدفية الشديدة، والذين لا تزال العلاجات الحالية غير فعالة بالنسبة لهم.
الصدفية: أكثر من مجرد مرض جلدي
الصدفية مرض التهابي مزمن من أمراض المناعة الذاتية، يؤدي إلى تسريع تجدد خلايا الجلد. ونتيجة لذلك، تظهر لويحات حمراء سميكة مغطاة بقشور بيضاء، خاصة على المرفقين والركبتين وفروة الرأس واليدين وأسفل الظهر، لكن هذا المرض لا يقتصر على الآفات الجلدية فقط.
فاليوم يعتبر المتخصصون الصدفية مرضاً التهابياً جهازياً يمكن أن يؤثر في مختلف أعضاء الجسم. ولدى بعض المرضى، ترتبط الصدفية بالعديد من الأمراض المصاحبة منها:
- التهاب المفاصل الصدفي.
- أمراض القلب والأوعية الدموية.
- متلازمة الأيض.
- داء السكري من النوع الثاني.
- السمنة.
- الكبد الدهني.
- القلق.
- الاكتئاب.
ويعيش ملايين الأشخاص مع هذا المرض، ويعاني جزء منهم من أشكال شديدة تستدعي العلاج بالأدوية الجهازية أو بالعلاجات البيولوجية.
لماذا لا يستجيب بعض المرضى لأي علاج؟
على الرغم من التقدم العلاجي الذي تحقق خلال العقدين الماضيين، لا تزال فئة صغيرة من المرضى تعاني من فشل علاجي، ويستمر هؤلاء المرضى في الإصابة بـ:
- لويحات جلدية واسعة الانتشار.
- نوبات متكررة من المرض.
- آلام في المفاصل.
- التهاب مزمن ومستمر.
وذلك رغم استخدامهم تباعاً للعلاجات التالية:
- الميثوتريكسات.
- السيكلوسبورين.
- مثبطات عامل نخر الورم (Anti-TNF).
- مثبطات الإنترلوكين-17 (Anti-IL-17).
- مثبطات الإنترلوكين-23 (Anti-IL-23).
- وغيرها من العلاجات البيولوجية الحديثة.
وحتى الآن ظل سبب هذه المقاومة غير مفهوم إلى حد كبير، إلا أن الدراسة الجديدة تقدم أخيراً تفسيراً بيولوجياً متيناً لها.
طفرة نادرة في جين ADAR1 تغيّر طبيعة المرض بالكامل
اكتشف الباحثون لدى عدد من المرضى طفرة نادرة في جين ADAR1، ويلعب هذا الجين، في الظروف الطبيعية، دوراً أساسياً في تنظيم عمل الجهاز المناعي، ويمكن تشبيهه بنظام رقابة حقيقي يمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الجسم دون داعٍ، ومن أهم وظائفه التعرف على بعض جزيئات الحمض النووي الريبي (RNA)، لمنع الجهاز المناعي من اعتبارها تهديداً، وعندما تعمل هذه الآلية بشكل طبيعي، يبقى الالتهاب تحت السيطرة، أما عندما تؤثر طفرة جينية في ADAR1، فإن هذه الحماية تختفي، ويصبح الجهاز المناعي عاجزاً عن التمييز بين بعض جزيئات الحمض النووي الريبي الخاصة بالجسم وتلك القادمة من عامل مُعدٍ، والنتيجة هي حدوث استجابة التهابية دائمة.
مسار التهابي جديد لم يكن معروفاً من قبل
أظهر الباحثون أن هذه الطفرة تنشّط مساراً مناعياً يختلف عن المسارات التي تستهدفها العلاجات التقليدية للصدفية، ويؤدي ذلك إلى إنتاج مفرط لـ:
- الإنترفيرونات من النوع الأول (Type I Interferons).
- السيتوكينات المحفزة للالتهاب.
ويحافظ هذا الالتهاب المزمن على استمرار الآفات الجلدية، كما يفسر سبب عدم فعالية العلاجات المعتادة لدى هؤلاء المرضى، وبعبارة أخرى فإن هذه الأشكال النادرة من الصدفية لا تستجيب للأدوية المتوفرة حالياً لأنها تعتمد على آلية بيولوجية مختلفة تماماً.
اكتشاف يُحدث تحولاً في فهمنا لمرض الصدفية
يُظهر هذا التقدم العلمي أن الصدفية ليست على الأرجح مرضاً واحداً، فقد تختبئ خلف التشخيص نفسه، عدة أشكال بيولوجية مختلفة للمرض، كما أن بعض هذه الأشكال يعتمد على آليات التهابية معروفة مسبقاً، بينما تتطلب أشكال أخرى، مثل تلك المرتبطة بجين ADAR1 استراتيجية علاجية مختلفة تماماً، ويُسهم هذا المفهوم الجديد في توجيه طب الأمراض الجلدية تدريجياً نحو نهج الطب الشخصي.
علاجان موجهان يحققان نتائج مبهرة
بعد تحديد هذه الطفرة الجينية، اقترح الباحثون على 12 مريضاً علاجاً يستهدف بدقة هذا المسار الالتهابي الجديد، واستخدم الباحثون دواءين هما:
- أوباداسيتينيب (Upadacitinib)، وهو مثبط لإنزيمات جانوس كيناز (JAK)، ويُستخدم بالفعل في علاج بعض الأمراض الالتهابية المزمنة.
- ديوكرافاسيتينيب (Deucravacitinib)، وهو مثبط انتقائي لإنزيم TYK2، ومعتمد بالفعل لعلاج بعض أشكال الصدفية.
وقد فاقت النتائج جميع التوقعات، فقد لاحظ الباحثون لدى عدد من المرضى الذين كانوا يقاومون جميع العلاجات سابقاً :
- اختفاءً كاملاً للويحات الجلدية.
- انخفاضاً ملحوظاً في شدة الالتهاب.
- تحسناً مستداماً في جودة الحياة.
بل إن بعض المرضى حققوا هدأة كاملة للمرض، وهي نتيجة نادراً ما تُسجل لدى المرضى الذين استنفدوا جميع الخيارات العلاجية.
الخلايا الصبغية في الجلد متورطة أيضاً
وكشفت الدراسة كذلك عن آلية غير متوقعة، فحتى الآن كان الباحثون يعتقدون أن الالتهاب ينشأ أساساً من الخلايا المناعية، إلا أن التحليلات الجديدة أظهرت أن الخلايا الميلانينية (Melanocytes)، المسؤولة عن صبغة الجلد، تشارك هي الأخرى في العملية الالتهابية وقد يفسر هذا الاكتشاف سبب إصابة ما يقارب ربع المرضى بما يلي:
- اضطرابات في تصبغ الجلد.
- بقع فاتحة اللون.
- مناطق أكثر قتامة بعد اختفاء اللويحات.
وبذلك يتضح أن الصدفية مرض يشمل عدة أنواع من الخلايا، وليس الجهاز المناعي وحده.
نحو اختبار جيني قبل اختيار العلاج
من أكثر النتائج الواعدة لهذا الاكتشاف تأثيره المحتمل في التشخيص، إذ يعتزم الباحثون تطوير اختبار جيني يسمح بالكشف السريع عن المرضى الحاملين لطفرة في جين ADAR1 .
ومن شأن هذا الاختبار أن يوفر عدة مزايا منها:
- تجنب سنوات من التجارب العلاجية غير المجدية.
- توجيه المريض مباشرة إلى العلاج الأكثر ملاءمة.
- الحد من الآثار الجانبية الناتجة عن تغيير الأدوية بشكل متكرر.
- تحسين جودة حياة المرضى بصورة أسرع.
ويجسد هذا النهج مبادئ الطب الدقيق، الذي يقوم على تكييف العلاج وفق الخصائص البيولوجية لكل مريض.
آفاق تتجاوز الصدفية بكثير
يعتقد الباحثون أن هذا المسار الالتهابي قد يكون متورطاً أيضاً في العديد من الأمراض المزمنة الأخرى، وتجري حالياً دراسة دوره المحتمل في:
- التهاب الجلد التأتبي.
- البهاق.
- التهاب المفاصل الصدفي.
- التهاب المفاصل الروماتويدي.
- داء السكري من النوع الأول.
- بعض أمراض المناعة الذاتية.
وإذا تأكدت هذه الفرضية، فقد يستفيد عدد أكبر بكثير من المرضى من العلاجات التي تستهدف جين ADAR1 .
تقدم لا يزال في مرحلة البحث السريري
رغم النتائج المشجعة للغاية لا تزال هناك عدة مراحل يجب اجتيازها قبل اعتماد هذه المقاربة على نطاق واسع، فعدد المرضى الذين شملتهم الدراسة كان محدوداً، وكان جميعهم يحملون طفرة جينية نادرة.
ولذلك ينبغي إجراء تجارب سريرية أوسع لتأكيد:
- الفعالية على المدى الطويل.
- سلامة العلاجات.
- الفئات التي يمكن أن تستفيد منها فعلياً.
ومع ذلك يمثل هذا الاكتشاف خطوة كبيرة نحو فهم أفضل للأشكال الشديدة من الصدفية.
نصائح طبية للأشخاص المصابين بالصدفية
في انتظار تطوير استراتيجيات علاجية جديدة، يمكن اتخاذ عدة إجراءات للمساعدة في السيطرة على المرض:
- مراجعة طبيب الأمراض الجلدية بانتظام.
- الالتزام الصارم بالعلاج الموصوف، حتى عند تراجع اللويحات الجلدية.
- تجنب التدخين والحد من استهلاك الكحول.
- الحفاظ على وزن صحي للمساعدة في تقليل الالتهاب المزمن.
- ممارسة نشاط بدني منتظم يتناسب مع الحالة الصحية.
- ترطيب الجلد يومياً باستخدام المستحضرات المرطبة .
- تعلم التحكم في التوتر، لأنه غالباً ما يساهم في تحفيز نوبات المرض.
- إبلاغ الطبيب سريعاً عند الشعور بأي ألم في المفاصل قد يشير إلى التهاب المفاصل الصدفي.
أما المرضى الذين يعانون من صدفية شديدة أو مقاومة للعلاج، فقد يكون من المفيد استشارة مركز متخصص لمناقشة إمكانية إجراء فحص جيني أو المشاركة في تجربة سريرية.
الخلاصة
يمثل اكتشاف طفرة نادرة في جين ADAR1 نقطة تحول مهمة في أبحاث الصدفية، إذ يثبت أن بعض الأشكال الشديدة من المرض تعتمد على آلية التهابية خاصة لم تكن معروفة من قبل، كما أن النتائج التي تحققت باستخدام العلاجات الموجهة ولا سيما أوباداسيتينيب وديوكرافاسيتينيب، تفتح الباب أمام علاج شخصي للمرضى الذين لا يستجيبون للعلاجات التقليدية.
ورغم أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى تأكيد من خلال تجارب سريرية واسعة النطاق، فإنها تُبرز الإمكانات الكبيرة للطب الدقيق في إحداث تغيير جذري ومستدام في علاج الأمراض الالتهابية المزمنة.
الكلمات المفتاحية: الصدفية الشديدة، الصدفية المقاومة للعلاج، طفرة جينية، الطب الشخصي، الطب الدقيق، العلاجات البيولوجية، أوباداسيتينيب، ديوكرافاسيتينيب، الالتهاب المزمن، السيتوكينات، الإنترفيرونات، التهاب المفاصل الصدفي، طب الأمراض الجلدية، أمراض المناعة الذاتية، هيرفي باشليه، الأبحاث الطبية، العلاج الموجه، علم الوراثة.
اقرأ أيضاً: