صحة جيدة لحياة أفضل

لماذا يسرق منا البرد طاقتنا: ما الذي تكشفه العلوم

حرر : د. فيوليتا جوليا بوزيو | دكتورة في الطب
29 ديسمبر 2025

مع كل شتاء يتكرر المشهد نفسه من إرهاق مستمر، نقص في الحافز، ذهن أقل نشاطا.. فعندما تنخفض درجات الحرارة يبدو أن طاقتنا تتلاشى وهذا الإحساس ليس عابرا، إذ يطلق البرد سلسلة من التفاعلات البيولوجية التي ترهق الجسم بشكل كبير، إليكم قراءة علمية وطبية لظاهرة حقيقية.


جسم الإنسان مصمم للحفاظ على توازن داخلي ثابت يعرف بالاستتباب. غير أن البرد يخل بهذا التوازن، ما يدفع الجسم إلى تفعيل عدة آليات دفاعية تستهلك قدرا كبيرا من الطاقة. هذا الاستنفار الدائم يفسر الشعور المتزايد بالتعب.

تنظيم حراري عالي الاستهلاك للطاقة :

عندما تنخفض درجة الحرارة الخارجية، يسعى الجسم إلى الحفاظ على حرارته الداخلية في حدود 37 درجة مئوية، وذلك عبر عملية توليد الحرارة التي تعتمد على استهلاك الطاقة المخزنة مثل الغلوكوز والدهون وتعتمد هذه العملية خصوصا على:

  • تنشيط الأيض الأساسي
  • ارتعاش العضلات اللاإرادي
  • زيادة نشاط النسيج الدهني البني المتخصص في إنتاج الحرارة

هذه الآليات تستهلك سعرات حرارية أكثر، ما يؤدي إلى استنزاف أسرع لمخزون الطاقة وظهور الإحساس بالتعب.

تغير في الدورة الدموية: يسبب البرد تضيق الأوعية الدموية الطرفية للحد من فقدان الحرارة، فيتجه الدم أولا نحو الأعضاء الحيوية والنتائج :

  • ضعف تروية العضلات والأطراف
  • انخفاض وصول الأكسجين والعناصر الغذائية
  • تصلب العضلات وتراجع كفاءتها

يتطلب كل مجهود بدني طاقة إضافية، ما يرفع الاستهلاك العام للطاقة.

كفاءة عضلية أقل :  في درجات الحرارة المنخفضة، تزداد لزوجة العضلات، فتصبح الألياف العضلية أبطأ في الانقباض والانبساط. هذا الأمر يبطئ الحركات ويقلل فعاليتها ويزيد الإحساس بالمجهود حتى أثناء الأنشطة البسيطة.

أكسجة أقل كفاءة أحيانا :  الهواء البارد والجاف قد يهيج المسالك التنفسية ويغير نمط التنفس، ليصبح أكثر سطحية لدى بعض الأشخاص. وبما أن الأكسجين عنصر أساسي لإنتاج جزيئات الطاقة ATP داخل الخلايا، فإن أي نقص طفيف في الأكسجة يؤدي إلى انخفاض المردود الطاقوي وتسارع الشعور بالإرهاق.

نوم مضطرب بسبب البرد: يعتمد النوم بشكل كبير على درجة حرارة الجسم. فالبيئة شديدة البرودة تعيق النوم العميق وتسبب الاستيقاظات المتكررة والنتيجة:

  • تعاف غير مكتمل
  • تراكم عجز في النوم
  • تراجع اليقظة والطاقة خلال النهار

تأثير عصبي وهرموني: خلال فصل الشتاء، يؤدي انخفاض الإضاءة الطبيعية إلى اضطراب إفراز الميلاتونين والسيروتونين، وهما هرمونان أساسيان لتنظيم النوم والمزاج، كما أن قلة الضوء تعني:

  • زيادة النعاس
  • تراجع الدافعية
  • إرهاق ذهني أوضح

العمر: مع التقدم في السن تضعف آليات التنظيم الحراري ويقل حجم الكتلة العضلية، ما يخفض القدرة على إنتاج الحرارة. لذلك يبذل كبار السن طاقة أكبر للتدفئة ويشعرون بالتعب بسرعة أكبر.

التأقلم مع البرد: التعرض المنتظم للبرد يسمح للجسم بالتكيف. فسكان المناطق الباردة يطورون كفاءة أيضية أفضل واستجابة حرارية أسرع.

اللياقة البدنية: الكتلة العضلية الجيدة والنشاط البدني المنتظم يحسنان تحمل البرد، ويجعلان الجسم أكثر قدرة على إنتاج الحرارة دون استنزاف سريع للطاقة.

تكييف النظام الغذائي

  • تفضيل الوجبات الساخنة الغنية بالبروتينات والكربوهيدرات المعقدة
  • ضمان مدخول كاف من الحديد والمغنيسيوم وفيتامين د وفيتامينات مجموعة ب
  • تجنب الإفراط في السكريات السريعة التي تسبب تقلبات حادة في الطاقة

الحفاظ على نشاط بدني منتظم

  • الحركة تنشط الدورة الدموية وتوليد الحرارة
  • اختيار أنشطة معتدلة ومنتظمة
  • الإطالة في الإحماء قبل التمارين الخارجية

تحسين التعرض للضوء

  • الخروج نهارا كلما أمكن
  • في حال نقص الضوء لفترات طويلة، يمكن اللجوء إلى العلاج بالضوء بعد استشارة طبية

الحفاظ على جودة النوم

  • غرفة بدرجة حرارة معتدلة بين 18 و20 درجة
  • مواعيد نوم منتظمة
  • تقليل استخدام الشاشات مساء لدعم إفراز الميلاتونين الطبيعي

سلوكيات يومية أساسية

  • ارتداء الملابس على شكل طبقات لتقليل فقدان الحرارة
  • شرب الماء بانتظام لأن البرد يقلل الإحساس بالعطش
  • أخذ فترات راحة للتدفئة عند التعرض الطويل للبرد


الإرهاق الخفيف والمؤقت شائع في الشتاء لكن يجب استشارة مختص إذا:

  • استمر التعب رغم نمط حياة صحي
  • ترافق مع حساسية مفرطة للبرد، ضيق تنفس، آلام، فقدان وزن أو اضطرابات مزاجية
  • أثر بشكل واضح على الحياة اليومية

قد تشير هذه الأعراض إلى أمراض كامنة مثل فقر الدم، قصور الغدة الدرقية، نقص فيتامين د، عدوى مزمنة أو الاكتئاب الموسمي.


يتعبنا البرد لأنه يجبر الجسم على مجهود دائم للحفاظ على توازنه الداخلي. وهذا الجهد فسيولوجي قابل للقياس، ومثبت علميا. لذا فإن فهم هذه الآلية يسمح بالتعامل معها بفعالية. ومن خلال دعم الجسم بعادات بسيطة ومتابعة طبية واعية، يمكن اجتياز فصل الشتاء بطاقة وحيوية أكبر.

الكلمات المفتاحية: الشتاء؛ التعب؛ البرد؛ فقر الدم؛ الصحة؛ قصور الغدة الدرقية؛ الفيتامينات؛ الضوء؛

إقرأ أيضاً: