
بعد أن أحدثت ثورة في مكافحة بعض الأمراض المعدية، قد تُحدث تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) قريبًا تحولًا في علاج بعض أنواع السرطان، حيث طوّر باحثون إيرلنديون لقاحًا علاجيًا تجريبيًا بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) لمكافحة الورم الأرومي العصبي (Neuroblastoma)، أحد أكثر الأورام الصلبة عدوانية وفتكًا لدى الأطفال.
جيل جديد من اللقاحات لا يستهدف الفيروسات، بل الأورام
أظهرت النتائج الأولية، التي نُشرت في المجلة العلمية Molecular Therapy Oncology، مؤشرات مشجعة. فقد أدى اللقاح لدى النماذج الحيوانية إلى إبطاء تطور المرض بشكل كبير، كما ساهم في تقليص حجم الأورام بصورة ملحوظة. ورغم أن هذه المقاربة لا تزال في المرحلة ما قبل السريرية، فإنها تفتح آفاقًا جديدة للعلاج المناعي لسرطانات الأطفال.
الورم الأرومي العصبي… سرطان نادر لكنه شديد العدوانية
في الجزائر سُجِّلت 837 حالة جديدة من سرطانات الأطفال خلال عام 2022، منها 482 حالة لدى الذكور (57.6%) و355 حالة لدى الإناث (42.4%). وتمثل هذه السرطانات 1.64% من إجمالي 51,095 حالة سرطان جديدة أُحصيت في البلاد، ويُقدَّر معدل الإصابة السنوي بـ48.84 حالة لكل مليون طفل، مع تسجيل معدل أعلى لدى الذكور (54.73 حالة لكل مليون) مقارنة بالإناث (41.61 حالة لكل مليون).
ويستحوذ الأطفال دون سن 15 عامًا على 85.3% من الحالات (714 تشخيصًا)، فيما يحدث ما يقارب نصف حالات السرطان قبل سن الخامسة، وهي الفئة العمرية التي تسجل أعلى معدل للإصابة، وتُعد أورام الجهاز العصبي المركزي أكثر أنواع سرطانات الأطفال شيوعًا، تليها اللوكيميا ثم أورام الكلى، وسرطان الشبكية، والتي تشكل مجتمعة 61.2% من التشخيصات.
ويختلف توزيع هذه السرطانات حسب العمر إذ يهيمن سرطان الشبكية لدى الرضع والأطفال دون الخامسة، بينما تكون أورام الجهاز العصبي المركزي الأكثر شيوعًا بين 5 و9 سنوات، في حين تسود أورام العظام بين 10 و14 عامًا، ورغم التقدم العلاجي الذي حسّن بشكل ملحوظ معدلات بقاء الأطفال المصابين بالسرطان، فإن بعض الأشكال لا تزال شديدة الخطورة، ولا سيما الورم الأرومي العصبي عالي الخطورة، ويصيب هذا الورم بشكل رئيسي الأطفال الصغار ويظل من الصعب علاجه بسبب تكرار الانتكاسات وتطور مقاومة للعلاجات، رغم الاعتماد على علاج مكثف يجمع بين الجراحة والعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي وزراعة الخلايا الجذعية والعلاج المناعي.
لقاح علاجي يدرّب الجهاز المناعي على التعرف إلى الورم
على عكس اللقاحات التقليدية التي تحمي من الفيروسات أو البكتيريا، لا يهدف هذا اللقاح إلى الوقاية من المرض، بل هو لقاح علاجي صُمم لتحفيز الجهاز المناعي كي يتعرف إلى الخلايا السرطانية ويدمرها، ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون تقنية تعتمد على الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) المغلف داخل جسيمات نانوية ببتيدية ذاتية التجميع، وتحمل هذه الجسيمات النانوية التعليمات الجينية التي تمكّن الخلايا المناعية من التعرف إلى بروتين يُعرف باسم غليبيكان 2 (GPC2).
بروتين GPC2… هدف مثالي لمهاجمة الورم الأرومي العصبي
كان بروتين GPC2 قد حُدد منذ عام 2017 بوصفه هدفًا علاجيًا واعدًا للغاية في علاج الورم الأرومي العصبي، وأظهرت الدراسات أنه يوجد بكثافة على سطح الخلايا الورمية، في حين يكون تعبيره محدودًا جدًا في الأنسجة السليمة بعد الولادة، وهو ما يسمح باستهداف الخلايا السرطانية بدقة أكبر مع تقليل خطر الإضرار بالأنسجة الطبيعية، وبحسب الدكتورة ”أولغا بيسكاريفا ” فإن إحدى أبرز مزايا هذه التقنية تكمن في مرونتها : ” تشبه تقنية لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) مكعبات LEGO ، فمن خلال الجمع بين مكعبات مختلفة، يمكننا تكييف اللقاح مع الاحتياجات الفردية لكل مريض بدقة عالية.”
ويشير الباحثون أيضًا إلى أن بروتين GPC2 موجود في عدة أنواع أخرى من السرطان، ما قد يتيح تكييف هذه المنصة العلاجية لاستهداف أورام أخرى مستقبلًا.
نتائج مشجعة للغاية في التجارب الأولية
أظهرت التجارب التي أُجريت على النماذج الحيوانية نتائج واعدة للغاية، فقد مكّن اللقاح من:
- تأخير نمو الورم لمدة تتراوح بين 10 و11 يومًا.
- تقليص حجم الأورام بنحو 70% مقارنة بالحيوانات غير المعالجة.
- تحفيز استجابة فعالة للجهاز المناعي ضد الخلايا السرطانية.
ورغم أن هذه النتائج لا تزال تجريبية، فإنها تمثل تقدمًا مهمًا في مواجهة مرض لا تزال الخيارات العلاجية المتاحة له محدودة.
سلاح جديد محتمل ضد سرطانات الأطفال
يهدف الباحثون الآن إلى مواصلة الدراسات لتأكيد فعالية اللقاح وسلامته قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر، وترى الدكتورة ” أولغا بيسكاريفا ” أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة قائلة: ” تكشف هذه الدراسة الأولية عن إمكانات واعدة لتطوير لقاحات مضادة للسرطان ضد الورم الأرومي العصبي، ما يمنح أملًا جديدًا للأطفال والعائلات المتأثرة بهذا المرض. نحن لا نزال في بداية تطوير لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، لكن الخطوة الأولى قد أُنجزت بنجاح.”
وإذا أثبتت هذه التقنية فعاليتها خلال المراحل المقبلة من البحث، فقد تعزز استراتيجيات العلاج المناعي الحالية، وتوفر خيارًا علاجيًا جديدًا للأطفال المصابين بأورام أرومية عصبية مقاومة للعلاجات التقليدية.
لا تزال التجارب على البشر ضرورية
على الرغم من الحماس الذي أثارته هذه النتائج يؤكد الباحثون أن الدراسة لا تزال في المرحلة ما قبل السريرية، وقبل اعتماد اللقاح في الممارسة الطبية لا بد من استكمال عدة مراحل تشمل:
- تأكيد فعاليته في نماذج تجريبية أخرى.
- تقييم سلامته.
- إطلاق تجارب سريرية على البشر.
- التحقق من أن الفوائد التي لوحظت لدى الحيوانات تتحقق أيضًا لدى الأطفال المصابين بالورم الأرومي العصبي.
ومن المتوقع أن تستغرق هذه المراحل عدة سنوات أخرى.
تقنية قد تتجاوز الورم الأرومي العصبي
لا يقتصر اهتمام الباحثين بهذه المنصة القائمة على الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) على الورم الأرومي العصبي فقط، إذ إن بروتين GPC2 يعبر عنه أيضًا في عدة أنواع أخرى من السرطان، ما يفتح الباب أمام تكييف هذه الاستراتيجية لاستهداف أورام صلبة أخرى، وبفضل مرونة تقنية (mRNA)، يدرس الباحثون بالفعل إمكانية تطوير لقاحات مخصصة تستهدف بروتينات ورمية مختلفة وفق الخصائص البيولوجية لكل مريض، ويندرج هذا النهج ضمن إطار الطب الدقيق، الذي يهدف إلى تصميم علاجات تستهدف السمات البيولوجية الخاصة بكل نوع من أنواع السرطان.
توصيات طبية
- هذا اللقاح لا يزال تجريبيًا بالكامل وغير متاح للاستخدام في الممارسة السريرية.
- ينبغي للعائلات التي لديها طفل مصاب بالورم الأرومي العصبي مواصلة العلاج الذي يحدده فريق أورام الأطفال المعالج.
- يجب مناقشة أي مشاركة في تجربة سريرية مع طبيب مختص.
- عند ظهور أعراض غير معتادة لدى الطفل، مثل الألم المستمر، أو وجود كتلة في البطن، أو الإرهاق الشديد، أو فقدان الوزن، أو الاضطرابات العصبية، يجب مراجعة الطبيب سريعًا.
خلاصة
لا يهدف هذا الجيل الجديد من لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) إلى الوقاية من العدوى، بل إلى تدريب الجهاز المناعي على التعرف إلى الخلايا السرطانية والقضاء عليها. وقد أدى اللقاح الذي يستهدف بروتين GPC2 لدى النماذج الحيوانية إلى تقليص حجم الأورام بنحو 70% وإبطاء تطورها بشكل ملحوظ. ورغم أنه لا يزال في المرحلة التجريبية، فإن هذه التقنية قد تمهد لعصر جديد في علاج الورم الأرومي العصبي، وربما أنواع أخرى من السرطان التي تعبر عن هذا الهدف الجزيئي نفسه.
الكلمات المفتاحية: لقاح، الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، الورم الأرومي العصبي، السرطان، الأطفال، العلاج المناعي، GPC2، الجسيمات النانوية، الحمض النووي الريبوزي المرسال، أورام الأطفال، الأورام الصلبة، البحث الطبي، الطب الدقيق،
اقرأ أيضاً: