صحة جيدة لحياة أفضل

سر كبار لاعبي كرة القدم يكمن في أدمغتهم: دراسة تكشف عن قدرات معرفية استثنائية  

حرر : د. سليم بن لفقي | دكتور في علوم الأعصاب
8 يوليو 2026

غالبًا ما ترجع إنجازات كبار لاعبي كرة القدم إلى سرعتهم أو قدرتهم على التحمّل أو مهاراتهم الفنية، غير أن نجاحهم لا يعتمد فقط على قدراتهم البدنية فخلف كل تمريرة حاسمة، وكل تحرك ذكي، وكل قرار يُتخذ في جزء من الثانية، يقف دماغ يتمتع بأداء استثنائي.

وتسلط دراسة نُشرت في المجلة العلمية PLOS One، أجراها باحثون من جامعة أكسفورد ومعهد كارولينسكا، الضوء على جانب غالبًا ما يُغفل في كرة القدم الاحترافية، إذ أظهرت أن اللاعبين المحترفين يتمتعون بقدرات معرفية تفوق بشكل واضح تلك الموجودة لدى عامة الناس. وتؤكد هذه النتائج أن كرة القدم ليست مجرد رياضة تعتمد على الحركة، بل هي أيضًا رياضة تعتمد على التفكير.

للوهلة الأولى تبدو كرة القدم رياضة تعتمد أساسًا على القدرات البدنية، لكن في الواقع تتطلب كل حركة فيها تشغيل العديد من العمليات الدماغية في الوقت نفسه، فأثناء المباراة يتعين على اللاعب أن يحلل باستمرار مواقع زملائه، ويتوقع تحركات الخصوم، ويقيّم عدة خيارات للعب، ثم يتخذ أفضل قرار خلال أجزاء من الثانية، وهذا التسلسل السريع جدًا من عمليات التحليل يستدعي وظائف معرفية معقدة، مماثلة لتلك المستخدمة في البيئات التي تتطلب اتخاذ قرارات تحت ضغط زمني شديد.

ويعمل الدماغ هنا كقائد أوركسترا حقيقي، قادر على معالجة كم هائل من المعلومات، مع تنسيق الحركات الفنية في الوقت ذاته.

لفهم ما يميز لاعبي النخبة قيّم الباحثون الأداء المعرفي لأكثر من 200  لاعب كرة قدم محترف ينشطون في السويد والبرازيل، ثم قورنت النتائج مع مجموعة من الأشخاص الذين لا يمارسون الرياضة الاحترافية، لكنهم يتماثلون مع اللاعبين في العمر، والمستوى التعليمي، والخلفية الاجتماعية والاقتصادية، وأتاحت هذه المنهجية الحد من عوامل التحيز، وربط الفروق الملحوظة بشكل أكثر دقة بممارسة كرة القدم على أعلى المستويات.

أظهرت التحليلات أن اللاعبين المحترفين يحققون نتائج أفضل في عدة مجالات أساسية تتعلق بوظائف الدماغ، ومن أبرز هذه القدرات:

  • ذاكرة عاملة أكثر كفاءة.
  • قدرة أفضل على التخطيط.
  • مرونة ذهنية أعلى.
  • قدرة أكبر على حل المشكلات المعقدة بسرعة.

وتسمح لهم هذه المهارات بتحليل المواقف بسرعة وتغيير استراتيجيتهم عند الحاجة واتخاذ قرارات فعالة رغم ضغط المباراة، ويرى الباحثون أن هذه القدرات تُعد من أهم العوامل التي تفسر سبب تمكن عدد محدود فقط من اللاعبين من الوصول إلى أعلى المستويات الاحترافية.

المجال الذي ظهرت فيه أكبر الفروق يتعلق بما يُعرف بـالوظائف التنفيذية، وفي علوم الأعصاب يشير هذا المصطلح إلى مجموعة من الآليات الدماغية التي تتيح للفرد:

  • التخطيط لتنفيذ فعل معين.
  • كبح الاستجابات غير المناسبة.
  • الحفاظ على الانتباه.
  • إدارة عدة معلومات في الوقت نفسه.
  • تكييف السلوك عند مواجهة موقف غير متوقع.

وتتحكم في هذه الوظائف بشكل رئيسي قشرة الفص الجبهي الأمامي، وهي منطقة أساسية في الدماغ مسؤولة عن اتخاذ القرارات وضبط السلوك، ولدى لاعبي كرة القدم المحترفين تبدو هذه القدرات متطورة بشكل ملحوظ، فهي تمكنهم من توقع عدة تحركات مسبقًا وقراءة مجريات اللعب بدقة وتعديل قراراتهم فور تغير الموقف داخل الملعب.

وفي مباراة كرة القدم قد تُحدث أجزاء من الثانية الفارق بين تسجيل هدف وإضاعة فرصة، ويعتقد الباحثون أن أفضل اللاعبين يمتلكون قدرة استثنائية على التنبؤ بتطور مجريات اللعب، فحتى قبل وصول الكرة إليهم، يكون دماغهم قد حلّل تحركات اللاعبين الآخرين، وحدد المساحات الخالية، وتوقع السيناريوهات الأكثر احتمالًا، وتمنحهم هذه القدرة على الاستباق أفضلية التصرف قبل المنافسين بدلًا من الاكتفاء برد الفعل، وهذا ما يفسر سبب ظهور بعض اللاعبين وكأنهم يمتلكون دائمًا “أفضلية زمنية” على بقية من في الملعب.

لا تُعد هذه الدراسة نتيجة معزولة بل تدعم ما توصلت إليه دراسة سابقة نُشرت عام 2012  في مجلة PLOS One، ففي ذلك الوقت، أظهر الباحثون أن لاعبي الدرجة الأولى سجلوا نتائج أعلى بكثير في مجالات الإبداع، والمرونة المعرفية، والقدرة على إدارة عدة مهام في الوقت نفسه، ولم تتفوق نتائجهم على الأشخاص غير الممارسين لكرة القدم الاحترافية فحسب، بل أيضًا على لاعبي الدرجات الأدنى.

وتشير مجمل هذه الدراسات إلى أن القدرات المعرفية تؤدي دورًا حاسمًا في الوصول إلى أعلى مستويات الأداء.

يبقى سؤال مهم مطروحًا: هل يمتلك اللاعبون هذه القدرات الاستثنائية منذ البداية، أم أنها تتطور بفضل التدريب؟، حيث يرى الباحثون أن كلا العاملين يلعب دورًا على الأرجح، فقد تساعد بعض الاستعدادات المعرفية الفطرية على بلوغ المستوى العالي، لكن سنوات التدريب المكثف، وآلاف الساعات التي يقضيها اللاعب في تحليل مواقف اللعب، والمتطلبات التكتيكية للمنافسات، تسهم أيضًا في تعزيز الشبكات العصبية المسؤولة عن اتخاذ القرار.

ويتميز الدماغ بقدرة مذهلة على التكيف تُعرف باسم اللدونة العصبية، وهي خاصية تمكنه من إعادة تنظيم نفسه استجابة للتعلم المتكرر والخبرة.

ورغم أن هذه النتائج تخص اللاعبين المحترفين أساسًا، فإنها تذكّر أيضًا بأن ممارسة كرة القدم بانتظام توفر فوائد معرفية لجميع الناس، فقد أظهرت العديد من الدراسات أن الأنشطة البدنية التي تتطلب التنسيق، والتخطيط الاستراتيجي، واتخاذ القرار، تُحسن العديد من وظائف الدماغ، وتحفّز كرة القدم في الوقت نفسه :

  • الانتباه.
  • الذاكرة.
  • الإدراك البصري.
  • التناسق الحركي.
  • سرعة معالجة المعلومات.

وتسهم هذه التحفيزات المتكررة في الحفاظ على القدرات المعرفية طوال مراحل الحياة.

وفي ذات السياق أصبحت صورة لاعب كرة القدم الذي يُقيَّم فقط وفق قدراته البدنية من الماضي، فالأبحاث العلمية تُظهر أن الأداء في أعلى المستويات يعتمد على تفاعل دائم بين الجسم والدماغ، فالمهارة الفنية والقدرة على التحمل والتنسيق الحركي، والذكاء التكتيكي، تعمل جميعها معًا لإنتاج الأداء الذي يصنع الفارق داخل الملعب.

وبعبارة أخرى فإن أعظم اللاعبين لا يركضون بسرعة أكبر أو يسددون بقوة أكبر فحسب، بل يفكرون أيضًا بسرعة أكبر، ويتخذون قرارات أفضل تحت الضغط.

حتى وإن لم يصبح الجميع لاعبي كرة قدم محترفين، فإن هناك عدة عادات تساعد على الحفاظ على وظائف الدماغ منها:

  • ممارسة نشاط بدني بانتظام، بمعدل لا يقل عن 150  دقيقة أسبوعيًا.
  • الحرص على النوم الكافي والجيد، لما له من أهمية في الذاكرة والتعلم.
  • اتباع نظام غذائي متوازن غني بالفواكه، والخضروات، والأسماك، وأحماض أوميغا-3 الدهنية.
  • تنشيط الدماغ باستمرار من خلال القراءة، وألعاب الاستراتيجية، وتعلم مهارات جديدة، أو ممارسة أنشطة رياضية تتطلب التنسيق والتفكير.
  • الحد من التدخين، واستهلاك الكحول، والخمول البدني، لأنها ترتبط بتراجع أسرع في الوظائف المعرفية.

لا تقل العناية بالدماغ أهمية عن العناية بالعضلات، فسواء لدى الرياضيين أو في الحياة اليومية، يعتمد الأداء الجيد على التوازن بين الصحة البدنية والقدرات المعرفية.

الكلمات المفتاحية: كرة القدم، الدماغ، القدرات المعرفية، الذكاء، الوظائف التنفيذية، الذاكرة، الذاكرة العاملة، اتخاذ القرار، الاستباق، المرونة الذهنية، الرياضة، المستوى العالي، علوم الأعصاب، جامعة أكسفورد، معهد كارولينسكا، دراسة علمية، الأداء الرياضي.

اقرأ أيضاً: