صحة جيدة لحياة أفضل

الإجهاد المزمن: ماذا لو كان النظام الغذائي يساعد على حماية الدماغ؟

حرر : د. سليم بلفقي | دكتور في علوم الأعصاب
8 يوليو 2026

يُعدّ الإجهاد جزءً لا يتجزأ من الحياة اليومية، فزيادة أعباء العمل والصعوبات الشخصية وقلة ساعات النوم، أو حتى الضغوط المالية، كلها عوامل تُفعّل بشكل طبيعي آليات التكيّف في الجسم. وعلى المدى القصير تكون هذه الاستجابة مفيدة، إذ يفرز الدماغ هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين لزيادة اليقظة وتعبئة الطاقة اللازمة لمواجهة المواقف التي يُنظر إليها على أنها مهدِّدة.

لكن عندما تستمر حالة التأهب هذه لأسابيع أو حتى لأشهر، تصبح آثارها ضارة. فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية يزيد الإجهاد المزمن من خطر الإصابة باضطرابات القلق، والاكتئاب، وأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات الجهاز المناعي، ويهتم الباحثون حاليًا بعاقبة أخرى أقل شهرة، تتمثل في تأثير الإجهاد المباشر على بنية الدماغ ووظائفه.

في صميم هذه الإشكالية توجد الميالين وهي مادة دهنية تغلف الألياف العصبية، ويمكن تشبيهها بالغلاف العازل الذي يحيط بالكابلات الكهربائية، إذ تتيح انتقال الإشارات العصبية بسرعة وكفاءة بين الخلايا العصبية، وعندما يتعرض هذا الغلاف الواقي للتلف، تصبح الإشارات العصبية أقل كفاءة في الانتقال، مما قد يؤثر في الذاكرة، والتركيز، والتعلم، واتخاذ القرار، وتنظيم الانفعالات.

وتُعرف إصابات الميالين جيدًا في بعض الأمراض العصبية، ولا سيما التصلب المتعدد. إلا أن دراسات حديثة تشير إلى أنها قد تلعب أيضًا دورًا في اضطرابات القلق، والاكتئاب، والآثار العصبية الناجمة عن الإجهاد المزمن.

وقد أظهرت عدة دراسات أجريت على الحيوانات أن التعرض المطول للإجهاد يعرقل إنتاج هذا الغلاف الواقي والحفاظ عليه في مناطق من الدماغ مسؤولة عن المشاعر والوظائف الإدراكية.

قدمت دراسة نُشرت في 7  جوان 2026 في المجلة العلمية Translational Psychiatry  رؤية جديدة للعلاقة بين التغذية، والإجهاد، وصحة الدماغ، وأخضع باحثون من جامعة تشيبا في اليابان وجامعة تشنغتشو في الصين مجموعة من الفئران لإجهاد مزمن لمدة أربعة عشر يومًا، وكان بإمكان جزء من الحيوانات تناول الطعام بحرية، في حين خضعت المجموعة الأخرى لنظام صيام متقطع يتناوب بين فترات الأكل والامتناع عن الطعام.

وجاءت النتائج مشجعة للغاية إذ أظهرت الفئران التي اتبعت الصيام المتقطع سلوكيات أقل ارتباطًا بالاكتئاب. والأكثر إثارة للاهتمام أن غلاف الميالين لديها بدا أكثر حفاظًا عليه في عدة مناطق رئيسية من الدماغ مسؤولة عن الذاكرة، والانفعالات، والتواصل بين نصفي الكرة المخية.

وتشير هذه الملاحظات إلى أن بعض العادات الغذائية قد تسهم في الحد من التأثيرات البيولوجية للإجهاد المزمن على الجهاز العصبي.

لفهم هذا التأثير الوقائي، ركز الباحثون على الميكروبيوتا المعوية، فبعد أن كان يُنظر إليها لفترة طويلة على أنها مجرد عنصر يساعد في عملية الهضم، أصبحت اليوم تُعد شريكًا حقيقيًا للدماغ. ويتحدث العلماء حاليًا عن ”محور الأمعاء–الدماغ” لوصف العلاقات المتبادلة العديدة التي تربط بين هذين العضوين، وتتواصل الميكروبيوتا مع الجهاز العصبي عبر مسارات عصبية وهرمونية ومناعية، كما تؤثر في إنتاج نواقل عصبية مرتبطة بالحالة المزاجية مثل السيروتونين.

ومن المعروف أن الإجهاد المزمن قادر على إحداث اضطراب عميق في هذا التوازن، وعلى العكس من ذلك، يُعد النظام الغذائي أحد أقوى العوامل القادرة على تعديل تركيبة الميكروبيوتا.

وفي هذه الدراسة أدى الصيام المتقطع إلى تغيير تركيبة البكتيريا المعوية لدى الفئران، حيث ارتبطت بعض أنواع البكتيريا بالحفاظ بصورة أفضل على الميالين، وبانخفاض السلوكيات المرتبطة بالاكتئاب.

وتعزز هذه النتائج الفرضية القائلة إن الصحة النفسية قد تتأثر، ولو جزئيًا، بالكائنات الدقيقة التي تعيش في أمعائنا.

ورغم أهمية هذه النتائج فإنها تستدعي التعامل معها بحذر، فقد أُجريت الدراسة بالكامل على الحيوانات، بينما تُعد آليات الإجهاد لدى الإنسان أكثر تعقيدًا بكثير، إذ تتداخل فيها عوامل نفسية، وبيئية، واجتماعية، ووراثية في الوقت نفسه.

ولذلك لا تثبت الدراسة أن الصيام المتقطع يمنع الاكتئاب أو يحمي دماغ الإنسان بشكل مؤكد، بل تكشف عن مسار بيولوجي واعد يستحق المزيد من البحث من خلال تجارب سريرية على البشر.

إضافة إلى ذلك لا يناسب الصيام المتقطع جميع الأشخاص إذ يُنصح عادة بتجنبه لدى النساء الحوامل أو المرضعات، والأطفال والمراهقين، وكبار السن الضعفاء، والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل، وكذلك بعض المرضى المصابين بأمراض مزمنة، ولهذا ينبغي مناقشة أي تغيير مهم في العادات الغذائية مع أحد المختصين في الرعاية الصحية.

إلى حين توافر أدلة أقوى لدى الإنسان، يذكّر الخبراء بأن أكثر الإجراءات فعالية لحماية الدماغ من آثار الإجهاد المزمن ما تزال معروفة وتشمل:

  • ممارسة نشاط بدني بانتظام.
  • الحفاظ على نوم جيد وعالي الجودة.
  • المحافظة على علاقات اجتماعية إيجابية.
  • اتباع نظام غذائي متوازن غني بالفواكه، والخضروات، والبقوليات، والأطعمة قليلة المعالجة.
  • الحد من تناول الكحول، والتدخين، والإفراط في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة.
  • استشارة مختص صحي عندما يصبح الإجهاد مفرطًا أو يؤثر في جودة الحياة.

تُبرز هذه الدراسة التطور الذي شهدته المعرفة العلمية في مجال الصحة النفسية، فلم يعد الدماغ يُنظر إليه باعتباره عضوًا معزولًا بل أصبح يُعد جزءً من شبكة تفاعلات دائمة مع مختلف أعضاء الجسم، وخاصة الأمعاء، ورغم أنه لا يوجد طعام واحد قادر بمفرده على الوقاية من آثار الإجهاد المزمن، فإن الأبحاث تُظهر أن نمط الحياة والعادات الغذائية يؤثران بعمق في توازننا النفسي. وقد يصبح التأثير في الميكروبيوتا مستقبلًا استراتيجية مكملة للحفاظ على صحة الدماغ وتعزيز القدرة على مقاومة الإجهاد.

قد يؤدي الإجهاد المزمن إلى الإضرار بالميالين وهو بنية أساسية لضمان الأداء السليم للدماغ، وتشير دراسة حديثة إلى أن الصيام المتقطع قد يحد من هذه الأضرار لدى الفئران ويرجح أن يكون ذلك بفضل التغيرات التي يحدثها في الميكروبيوتا المعوية. ورغم أن هذه النتائج تحتاج إلى تأكيد لدى الإنسان فإنها تعزز الأهمية المتزايدة للعلاقة بين التغذية والأمعاء والصحة النفسية. وحتى اليوم تظل أفضل وسائل الوقاية من آثار الإجهاد المزمن هي اتباع نمط حياة متوازن، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والاستفادة من الرعاية الطبية عند الحاجة.

الكلمات المفتاحية: الإجهاد المزمن، الدماغ، الصحة النفسية، الميالين، الميكروبيوتا المعوية، الصيام المتقطع، الاكتئاب، القلق، الأمعاء، التغذية، الوقاية، علوم الأعصاب.

اقرأ أيضاً: