صحة جيدة لحياة أفضل

موجة الحر: لماذا تتكاثر البكتيريا الزرقاء في البحيرات والأنهار؟ وما المخاطر التي تشكلها على الصحة؟

حرر : د. سعاد ابراهيمي | دكتورة في الطب
16 يوليو 2026

تؤدي موجات الحر التي تشهدها العديد من المناطق منذ عدة أسابيع إلى تعزيز تكاثر البكتيريا الزرقاء في العديد من البحيرات والبرك والمجاري المائية. وعلى الرغم من أن هذه الكائنات الدقيقة موجودة بشكل طبيعي في البيئات المائية، فإن تكاثرها المفرط قد يؤدي إلى إنتاج سموم قد تكون خطيرة على الحيوانات، وفي حالات أقل شيوعًا على الإنسان أيضًا. لذلك تدعو السلطات الصحية إلى توخي الحذر، لا سيما خلال فترات الحر الشديد.

على الرغم من مظهرها الذي يميل أحيانًا إلى اللون الأخضر، فإن البكتيريا الزرقاء ليست طحالب، بل هي كائنات دقيقة تنتمي إلى فصيلة البكتيريا، وتمتلك القدرة على إجراء عملية البناء الضوئي بفضل ضوء الشمس، وتوجد هذه البكتيريا على الأرض منذ أكثر من ثلاثة مليارات سنة، وتؤدي دورًا مهمًا في النظم البيئية المائية، كما توجد في المياه العذبة والمياه المالحة وكذلك في بعض أنواع التربة.

وبالتالي فإن وجودها يُعد أمرًا طبيعيًا إلا أن المشكلة تكمن في تكاثرها المفرط، وهي الظاهرة المعروفة باسم ازدهار الطحالب، والتي قد تحول المياه إلى كتلة ذات لون أخضر أو أخضر مزرق أو بني.

توفر درجات الحرارة المرتفعة ظروفًا مثالية لنموها، وتساهم عدة عوامل في زيادة تكاثرها من بينها:

  • ارتفاع درجات الحرارة.
  • ركود المياه أو ضعف تجددها.
  • التعرض المكثف لأشعة الشمس.
  • ارتفاع تركيز المغذيات ولا سيما النيتروجين والفوسفور الناتجين عن الأنشطة الزراعية أو تصريف المياه الحضرية.

وفي ظل هذه الظروف يمكن للبكتيريا الزرقاء أن تتكاثر بسرعة كبيرة، وأحيانًا خلال بضعة أيام فقط، كما يسهم تغير المناخ الذي يتسم بتزايد موجات الحر وشدتها، في ارتفاع وتيرة هذه الظاهرة.

ليست جميع أنواع البكتيريا الزرقاء سامة إلا أن بعض الأنواع تنتج مواد تُعرف باسم السموم الزرقاء، وقد تلوث هذه السموم المياه وتشكل خطرًا على الحيوانات والإنسان عند ابتلاعها أو استنشاقها أو ملامستها للجلد، ووفقًا للمتخصصين تختلف آثار هذه السموم بحسب نوعها وتركيزها ومدة التعرض لها.

تُعد الكلاب من أكثر الحيوانات عرضة للخطر، إذ قد تشرب المياه الملوثة أثناء التنزه أو تسبح فيها، أو تلعق فراءها بعد الخروج من الماء، مما يؤدي إلى ابتلاع كميات كبيرة من البكتيريا الزرقاء.

وخلال السنوات الأخيرة سُجلت في فرنسا عدة حالات نفوق للكلاب بعد تعرضها لمياه ملوثة ببكتيريا زرقاء منتجة لسموم الأناتوكسين، وهي سموم عصبية شديدة الخطورة، وغالبًا ما تظهر الأعراض بسرعة كبيرة، وقد تتفاقم خلال دقائق أو ساعات قليلة.

ما المخاطر على الإنسان؟

تبقى حالات التسمم الخطيرة لدى الإنسان نادرة في فرنسا لكنها موجودة، وتتمثل أبرز طرق التعرض في:

  • السباحة في مياه ملوثة.
  • ابتلاع المياه عن طريق الخطأ أثناء ممارسة الأنشطة المائية.
  • ملامسة الجلد للمياه.
  • استنشاق رذاذ دقيق يحتوي على السموم.
  • تناول أسماك قادمة من مياه ملوثة.
  • وفي حالات أقل شيوعًا شرب مياه غير معالجة بشكل كافٍ أو تناول مكملات غذائية ملوثة.

تختلف الأعراض حسب نوع السم وتركيزه ومستوى التعرض، ومن أكثر الأعراض شيوعًا:

  • الغثيان.
  • القيء.
  • آلام البطن.
  • الإسهال.
  • الحمى.
  • احمرار الجلد أو الحكة.
  • التهاب ملتحمة العين بعد ملامسة المياه.

كما قد تتسبب بعض السموم الزرقاء في:

  • إصابة الكبد (سمية كبدية).
  • اضطرابات عصبية مثل التنميل، والرعشة، وضعف العضلات، أو حتى الشلل في الحالات الأكثر خطورة.

وتظهر الأعراض الجلدية أو العصبية عادة خلال دقائق أو ساعات، بينما قد تظهر الأعراض الهضمية أو الكبدية بعد عدة ساعات من التعرض.

لا تهدد موجات التكاثر الكثيف للبكتيريا الزرقاء صحة الإنسان فحسب، فعندما تموت هذه الكائنات الدقيقة يستهلك تحللها كميات كبيرة من الأكسجين المذاب في المياه، وقد يؤدي انخفاض مستوى الأكسجين إلى نفوق أعداد كبيرة من الأسماك واللافقاريات وغيرها من الكائنات المائية مما يخل بالتوازن البيئي لفترات طويلة.

قد تظهر على المياه التي تشهد تكاثرًا للبكتيريا الزرقاء عدة علامات منها:

  • لون أخضر أو أخضر مزرق أو بني.
  • تعكر المياه.
  • كتل طافية تشبه الطلاء أو الحساء الأخضر.
  • رغوة أو ترسبات على الضفاف أو الصخور أو النباتات.

ومع ذلك قد تبقى بعض حالات التكاثر غير مرئية بالعين المجردة، لذلك من الضروري الالتزام بلوحات التحذير ومنع السباحة التي تضعها السلطات.

يوصي المختصون باتباع عدد من الإجراءات الوقائية في المناطق التي سُجل فيها تكاثر للبكتيريا الزرقاء منها:

  • تجنب السباحة ومختلف الأنشطة المائية.
  • منع الأطفال الصغار من اللعب بالرواسب الموجودة على سطح المياه أو على الضفاف.
  • إبقاء الكلاب مقيدة لمنعها من السباحة أو شرب المياه.
  • عدم السماح للحيوانات بالوصول إلى المسطحات المائية الملوثة.
  • احترام قرارات منع السباحة الصادرة عن السلطات المحلية.

وفي حال ملامسة مياه ملوثة عن طريق الخطأ، يُنصح بالاستحمام سريعًا بمياه نظيفة.

يتطلب استهلاك الأسماك القادمة من مياه تشهد تكاثرًا للبكتيريا الزرقاء اتخاذ بعض الاحتياطات، وتوصي السلطات الصحية بما يلي:

  • إزالة رأس السمكة وأحشائها قبل استهلاكها أو تجميدها.
  • تجنب تناول الأسماك الصغيرة كاملة، خاصة المخصصة للقلي.
  • الحد قدر الإمكان من استهلاك الأسماك المصطادة من المسطحات المائية التي تتكرر فيها هذه الظاهرة.

وتساعد هذه الإجراءات على تقليل خطر التعرض للسموم التي قد تتراكم في بعض أعضاء السمكة.

هذا ويُنصح بمراجعة الطبيب إذا ظهرت أعراض بعد السباحة أو ملامسة مياه يُحتمل أن تكون ملوثة، ويُوصى بالاستشارة الطبية خصوصًا في حال ظهور:

  • إسهال أو قيء مستمر.
  • طفح جلدي شديد.
  • احمرار أو حكة شديدة.
  • التهاب ملتحمة العين.
  • دوار.
  • اضطرابات عصبية (تنميل، رعشة، ضعف عضلي).
  • صعوبات في التنفس أو الشعور بالإغماء.

أما لدى الحيوانات فإن الظهور المفاجئ للقيء أو الرعشة أو صعوبة المشي أو التشنجات بعد السباحة يُعد حالة طوارئ بيطرية تستوجب التدخل الفوري.

للحد من المخاطر المرتبطة بالبكتيريا الزرقاء يوصي المختصون في الصحة بما يلي:

  • الالتزام بقرارات منع السباحة.
  • تجنب ملامسة المياه التي يتغير لونها بشكل غير طبيعي أو تحتوي على ترسبات خضراء.
  • منع الأطفال والحيوانات الأليفة من الاقتراب من المناطق الملوثة.
  • الاستحمام بعد ممارسة أي نشاط مائي.
  • مراجعة الطبيب سريعًا عند ظهور أعراض توحي بالتسمم بعد التعرض للمياه.
  • الاتصال بالطبيب البيطري فورًا إذا ظهرت على الحيوان علامات التسمم.

تؤدي موجات الحر إلى زيادة تكاثر البكتيريا الزرقاء في البيئات المائية بصورة متزايدة، ورغم أن حالات التسمم لدى الإنسان لا تزال نادرة، فإن المخاطر حقيقية خاصة بالنسبة للكلاب التي تُعد شديدة الحساسية للسموم الزرقاء.

وعند ملاحظة تغير غير طبيعي في لون المياه أو وجود لافتة تمنع السباحة تبقى الحيطة والحذر أفضل وسيلة للوقاية، كما أن الالتزام بتوصيات السلطات الصحية يسمح بالاستمتاع بالأنشطة الصيفية مع الحد من المخاطر على صحة الإنسان وحيواناته.

الكلمات المفتاحية: البكتيريا الزرقاء، موجة الحر، التكاثر المفرط، السموم الزرقاء، السباحة، المياه العذبة، البحيرات، الأنهار، الكلاب، التسمم، الصحة العامة، التلوث، السموم العصبية، السموم الكبدية.

اقرأ أيضاً: