
يواصل الذكاء الاصطناعي إحداث تحول في الطب، حيث نجح فريق من الباحثين في تطوير نظام قادر على الكشف المبكر جدًا عن اضطرابات الحركة لدى الرضّع باستخدام كاميرا فيديو بسيطة وخوارزميات لتحليل الحركة. وقد اختُبرت هذه التقنية على أطفال مصابين بضمور العضلات الشوكي وحققت دقة بلغت 97%، مما يفتح الباب أمام تشخيص أسرع وتدخل مبكر لعلاج الأمراض العصبية الخطيرة.
تشخيص أسرع لمرض تكون فيه كل يوم له أهميته
ضمور العضلات الشوكي هو مرض وراثي نادر يؤدي إلى تدمير الخلايا العصبية الحركية تدريجيًا، وهي الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في العضلات، ويتسبب هذا التلف في ضعف عضلي شديد، وفقدان تدريجي للحركات الإرادية، وفي أشد الحالات قد يؤدي إلى صعوبات تنفسية يمكن أن تهدد الحياة بسرعة. وفي أشد أنواعه المعروف باسم ضمور العضلات الشوكي من النوع الأول، تظهر الأعراض الأولى خلال الأشهر الأولى من الحياة ، ومن دون علاج لا ينجو معظم الأطفال إلى ما بعد سن الثانية.
ثورة علاجية… بشرط التدخل المبكر جدًا
ولقد غيّر ظهور العلاجات الجينية الجديدة مستقبل هذا المرض بصورة جذرية، وفي عام 2019 تصدّر دواء زولجنسما (Zolgensma) عناوين الأخبار بعدما أصبح أغلى علاج في العالم، إذ يقترب سعر الجرعة الواحدة منه من مليوني يورو، ورغم تكلفته الاستثنائية يمثل هذا العلاج تقدمًا كبيرًا لأنه يعالج السبب الوراثي للمرض، لكن فعاليته تعتمد على عامل أساسي هو بدء العلاج في وقت مبكر جدًا، فالخلايا العصبية الحركية التي تتلف لا يمكن تجديدها. وكلما أُعطي العلاج في وقت أبكر قبل أن تختفي هذه الخلايا نهائيًا، ازدادت فرص الحفاظ على الوظائف الحركية، وبعبارة أخرى فإن كل أسبوع من التأخير قد يقلل من الفوائد العلاجية.
نقص التوتر العضلي… أول علامة تحذيرية
حتى قبل إجراء التحاليل الجينية يبحث الأطباء عن علامة سريرية رئيسية تُعرف باسم خلل التوتر العضلي ، ويقصد بهذا المصطلح الانخفاض الواضح في توتر العضلات، فيبدو الرضيع “لين الاطراف”، وتتدلى ذراعاه وساقاه بسهولة كما تقل حركاته التلقائية، ومع ذلك فإن خلل التوتر العضلي ليس علامة خاصة بالضمور العضلي الشوكي وحده، إذ يمكن ملاحظته أيضًا في العديد من الأمراض العصبية والعضلية والوراثية الأخرى، مما يجعل التشخيص أحيانًا صعبًا.
فحص سريري قد يتسم بالذاتية
يعتمد التقييم حاليًا بشكل أساسي على خبرة الطبيب، إذ يراقب المختص الحركات التلقائية للرضيع، ويقيّم توتر عضلاته ويبحث عن بعض المنعكسات العصبية، لكن هذا التقييم يظل إلى حد كبير قائمًا على التقدير الشخصي، فقد لا يفسر طبيبان الحركات نفسها بالطريقة ذاتها، خاصة عندما تكون الاضطرابات طفيفة، وهذا بالتحديد هو القيد الذي سعى الباحثون إلى تجاوزه باستخدام الذكاء الاصطناعي.
كاميرا بسيطة تكفي لتحليل الحركة
الفكرة بسيطة بشكل مدهش، حيث يوضع الرضيع على خلفية موحدة بينما تقوم كاميرا عادية بتسجيل حركاته لمدة دقيقة واحدة، ولا حاجة إلى أي مستشعرات أو بدلة خاصة أو معدات معقدة، وبعد ذلك تُحلل اللقطات تلقائيًا بواسطة برنامج يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
هيكل عظمي رقمي يُعاد بناؤه صورةً بعد صورة
تستخدم الخوارزمية تقنية للرؤية الحاسوبية قادرة على إعادة بناء هيكل عظمي رقمي كامل للرضيع، ويتم تحديد 12 نقطة مفصلية على الجسم لتمثيل:
- الكتفين؛
- المرفقين؛
- الرسغين؛
- الوركين؛
- الركبتين؛
- الكاحلين.
وانطلاقًا من هذه النقاط المرجعية يتابع البرنامج بدقة جميع حركات الأطراف، ويستخدم الباحثون لهذا الغرض طريقة لتقدير وضعية الجسم تُعرف باسم AlphaPose، وهي تقنية واسعة الاستخدام في مجال الذكاء الاصطناعي.
دراسة أكثر من 100 مؤشر تلقائيًا
لا يقتصر التحليل على ملاحظة ما إذا كان الطفل يتحرك أم لا، إذ يقيس النظام 108 خصائص مختلفة، من بينها:
- مدى الحركة؛
- سرعة الحركة؛
- تكرار الحركات؛
- مدى تماثلها؛
- عمق الحركة في الفضاء؛
- التنسيق بين الأطراف.
ثم تُفسَّر جميع هذه البيانات بواسطة خوارزمية تعلم آلي من نوع XGBoost، جرى تدريبها على التمييز بين الحركة الطبيعية والحركة المتأثرة بالمرض.
دقة بلغت 97%
شملت الدراسة 25 رضيعا كانوا يتلقون العلاج في وحدة العناية المركزة للأطفال:
- 5 أطفال كانوا مصابين بضمور العضلات الشوكي، وقد تأكد التشخيص بالتحليل الجيني؛
- 20 طفلا شكّلوا المجموعة الضابطة.
وقد جاءت النتائج مشجعة للغاية، فقد تمكنت الخوارزمية من التعرف على الرضع المصابين بشكل صحيح في 97% من الحالات، ومن بين جميع المؤشرات التي تمت دراستها، كان عمق الحركة هو العامل الأكثر قدرة على التمييز، فالرضع المصابون بضمور العضلات الشوكي يحركون أطرافهم في الفضاء بدرجة أقل بكثير مقارنة بالأطفال الأصحاء، وفي حين يلاحظ الطبيب انطباعًا عامًا بوجود ضعف، يستطيع الذكاء الاصطناعي قياس هذا الانخفاض بصورة موضوعية ودقيقة.
ذكاء اصطناعي قادر على تفسير قراراته
يُعد فهم كيفية اتخاذ أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية لقراراتها أحد أكبر التحديات، ولتجنب ما يُعرف بظاهرة “الصندوق الأسود”، استخدم الباحثون طريقة تُسمى SHAP (Shapley Additive Explanations)، وتتيح هذه الطريقة تحديد العوامل التي كان لها التأثير الأكبر في كل نتيجة، وبذلك يستطيع الطبيب فهم السبب الذي دفع الخوارزمية إلى اعتبار الرضيع مصابًا أو غير مصاب باضطراب حركي، مما يعزز الثقة في هذه الأداة.
تقنية قد تتجاوز استخداماتها ضمور العضلات الشوكي
يشير الباحثون إلى أن هذه الدراسة أُجريت قبل عام 2025 ، ومنذ ذلك الحين أصبح ضمور العضلات الشوكي جزءً من البرنامج الوطني الفرنسي للكشف المبكر عن الأمراض لدى حديثي الولادة، مما يسمح بالتعرف الجيني على الأطفال المصابين بسرعة أكبر.
ومع ذلك لا تزال هذه التقنية تحتفظ بأهميتها، فالعديد من الأمراض العصبية والعضلية والوراثية الأخرى تسبب أيضًا خلل التوتر العضلي، من دون أن تكون مشمولة ببرامج الفحص المنهجي، ولذلك يمكن أن تصبح هذه الطريقة أداة مساعدة في تشخيص مجموعة واسعة من أمراض الأطفال.
أداة مساعدة وليست بديلًا عن الطبيب
من جهتهم يشدد الباحثون على نقطة أساسية وهي أن هذا الذكاء الاصطناعي ليس مصممًا ليحل محل طبيب الأطفال أو طبيب الأعصاب، بل يمثل أداة لدعم اتخاذ القرار قادرة على تقديم تقييم موضوعي وسريع لحركة الرضيع، وفي غضون دقائق قليلة فقط ومن دون معدات معقدة أو فحوصات باضعة، يمكن لهذه التقنية لفت الانتباه إلى اضطرابات قد يصعب اكتشافها بالعين المجردة.
وفي الأمراض التي يؤدي فيها كل يوم يتم كسبه إلى تحسين فرص الحفاظ على الوظائف الحركية، قد يُحدث هذا التسريع فرقًا حقيقيًا.
التوصيات الطبية
عند ملاحظة خلل التوتر العضلي لدى الرضيع أو انخفاض الحركات التلقائية أو صعوبة في رفع الرأس، أو الرضاعة أو تحريك الأطراف ينبغي استشارة الطبيب بسرعة، ويُعد التشخيص المبكر أمرًا ضروريًا، لأن العديد من الأمراض العصبية أو العصبية العضلية، ومنها ضمور العضلات الشوكي، تتوفر لها اليوم علاجات تعتمد فعاليتها بدرجة كبيرة على إعطائها قبل حدوث أضرار لا رجعة فيها.
وقد تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة مستقبلًا في استكمال الفحص السريري الذي يجريه الطبيب، من خلال تسهيل الاكتشاف المبكر لاضطرابات الحركة، من دون أن تحل محل الفحوصات المتخصصة أو التحاليل الجينية.
الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي، ضمور العضلات الشوكي ، الرضيع، خلل التوتر العضلي، الرخاوة العضلية، الفحص المبكر لحديثي الولادة، التشخيص المبكر، كاميرا، الرؤية الحاسوبية، الأمراض العصبية العضلية، زولجنسما، الذكاء الاصطناعي الطبي.
اقرأ أيضاً: