صحة جيدة لحياة أفضل

استهلاك الأب للكحول قبل الحمل قد تكون له عواقب على الجنين

حرر : د. سعاد ابراهيمي | دكتورة في الطب
19 يوليو 2026

يُعد استهلاك الكحول أثناء الحمل أحد أبرز عوامل الخطر التي تهدد نمو الجنين. ومنذ سنوات طويلة تؤكد حملات التوعية على ضرورة امتناع النساء الحوامل تمامًا عن تناول أي مشروبات كحولية. إلا أن دراسة أمريكية حديثة ألقت الضوء على جانب جديد، إذ أظهرت أن الأب قد يؤدي أيضًا دورًا مهمًا حتى قبل حدوث الحمل.

ووفقًا لنتائج الدراسة فإن الاستهلاك المنتظم للكحول لدى الرجل قبل الإخصاب قد يزيد من خطر الإصابة بتشوهات في الوجه، واضطرابات في النمو، واختلالات في تطور الطفل المستقبلي. وتدعو هذه النتائج إلى توسيع رسائل التوعية لتشمل كلا الوالدين المستقبليين.

درس الباحثون تأثيرات الكحول باستخدام نماذج تجريبية على ذكور وإناث الفئران، وأظهرت ملاحظاتهم أن التعرض المزمن للكحول لدى الذكور يغيّر بعض الآليات البيولوجية الموجودة في الحيوانات المنوية، وقد تؤثر هذه التغيرات لاحقًا في نمو الجنين منذ المراحل الأولى للحمل.

وبحسب “مايكل غولدينغ” المشارك في إعداد الدراسة المنشورة في Journal of Clinical Investigation، فإن التأثيرات المرصودة كانت واضحة بشكل خاص على تطور ملامح الوجه.

وقال الباحث: ”لقد لاحظنا أن التعرض للكحول لدى الذكور يؤدي إلى اختلافات في ملامح الوجه والجمجمة تفوق في بعض الحالات تلك الناتجة عن تعرض الأم للكحول.”

ويرى مؤلفو الدراسة أن التغيرات البيولوجية التي تنتقل عبر الحيوانات المنوية قد تعطل النمو المتناسق لعدد من بنى الوجه.

أظهرت الدراسة عدة نتائج محتملة مرتبطة بالإفراط في استهلاك الأب المستقبلي للكحول، وقد لاحظ الباحثون على وجه الخصوص:

  • تشوهات في الوجه والجمجمة.
  • تغيرات في نسب أبعاد الوجه.
  • تأخرًا في النمو.
  • اضطرابات في التطور الجنيني.

وقد أُجريت هذه الملاحظات على نموذج حيواني، وتساعد هذه النتائج على فهم الآليات البيولوجية التي قد تكون موجودة لدى الإنسان، لكنها لا تثبت بمفردها أن التأثيرات نفسها تحدث بالشدة ذاتها لدى جميع الأزواج.

تُعد متلازمة الكحول الجنينية أخطر أشكال الاضطرابات الناتجة عن تعرض الجنين للكحول أثناء الحمل، وقد تؤدي إلى:

  • تأخر النمو.
  • تشوهات في الوجه.
  • اضطرابات عصبية.
  • صعوبات في التعلم.
  • اضطرابات سلوكية.
  • إعاقة ذهنية في الحالات الأكثر شدة.

وحتى الآن ركزت غالبية الأبحاث تقريبًا على استهلاك الأم للكحول أثناء الحمل، غير أن هذه الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا المنظور قد يكون غير مكتمل، ويرى الباحثون أن بعض الحالات قد تتأثر أيضًا بعادات استهلاك الأب للكحول قبل حدوث الحمل.

يطرح العلماء تفسيرًا يستند إلى علم التخلق ، ويُقصد بعلم التخلق مجموعة التغيرات التي تؤثر في طريقة عمل الجينات دون أن تغيّر تسلسل الحمض النووي نفسه، وقد يؤدي الكحول إلى إحداث تغيرات لاجينية في الحيوانات المنوية، ومن الممكن أن تنتقل هذه التغيرات إلى الجنين عند حدوث الإخصاب، فتؤثر في نموه، ويشهد هذا المجال البحثي تطورًا متسارعًا إذ يساعد على فهم الكيفية التي يمكن بها لبعض العوامل المرتبطة بنمط حياة الوالدين أن تؤثر في صحة الأجيال المقبلة.

يشدد الباحثون على ضرورة إعادة النظر في بعض رسائل الصحة العامة، ففي الوقت الحالي تستهدف التحذيرات المتعلقة بمخاطر الكحول النساء الحوامل بشكل شبه حصري، ويرى” مايكل غولدينغ” أن هذه الاستراتيجية ينبغي أن تتطور، وبحسب رأيه يجب أن تشمل حملات التوعية أيضًا الرجال الذين يخططون لأن يصبحوا آباء، والهدف ليس تحميل أي من الوالدين الشعور بالذنب، وإنما التذكير بأن الصحة الإنجابية تعتمد على مساهمة كلا الشريكين.

رغم أن هذه النتائج واعدة فإن للدراسة بعض القيود، إذ أُجريت بشكل رئيسي على الفئران، ورغم أن هذا النموذج يُستخدم على نطاق واسع لفهم الآليات البيولوجية، فإن النتائج لا يمكن تعميمها تلقائيًا على البشر، ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية لتأكيد التأثير الدقيق لاستهلاك الأب للكحول على نمو الطفل المستقبلي، ومع ذلك تنضم هذه النتائج إلى دراسات أخرى أظهرت أن التغذية، والتدخين وبعض الأدوية والمخدرات، والتعرض للمواد السامة، قد تؤثر جميعها في جودة الحيوانات المنوية.

إلى جانب العواقب المحتملة على الطفل المستقبلي، فإن الإفراط في تناول الكحول قد يؤثر أيضًا في الصحة الإنجابية للرجل، ويرتبط ذلك بما يلي:

  • انخفاض جودة الحيوانات المنوية.
  • تراجع قدرتها على الحركة.
  • انخفاض عددها.
  • تشوهات في شكلها.
  • انخفاض إنتاج هرمون التستوستيرون.
  • تراجع الخصوبة.

وقد يساهم تقليل استهلاك الكحول أو التوقف عنه قبل عدة أشهر من التخطيط للحمل في تحسين جودة الحيوانات المنوية.

يوصي المتخصصون في الرعاية الصحية الأزواج الراغبين في الإنجاب بالاستعداد للحمل قبل عدة أشهر من حدوثه، ويشمل هذا الاستعداد على وجه الخصوص:

  • الإقلاع عن التدخين.
  • الامتناع تمامًا عن تناول الكحول أثناء الحمل.
  • تقليل استهلاك الكحول أو التوقف عنه لدى الأب المستقبلي قبل الإخصاب.
  • اتباع نظام غذائي متوازن.
  • ممارسة النشاط البدني بانتظام.
  • الخضوع لمتابعة طبية قبل الحمل عند الحاجة.

ولدى الرجل تستغرق الدورة الكاملة لإنتاج الحيوانات المنوية نحو 74  يوما، لذلك فإن اتباع نمط حياة صحي خلال هذه الفترة قد يساعد على تحسين جودة الحيوانات المنوية.

لطالما اعتُبر التعرض للكحول عامل خطر يقتصر على الأم، إلا أن هذه الدراسة التجريبية تشير إلى أن الأب المستقبلي قد يكون معنيًا أيضًا. إذ توحي النتائج بأن الاستهلاك المفرط للكحول قبل الحمل قد يُحدث تغيرات في الحيوانات المنوية تؤثر في نمو الجنين لا سيما فيما يتعلق بالنمو وتطور ملامح الوجه. ورغم أن هذه النتائج تحتاج إلى تأكيد من خلال دراسات بشرية فإنها تؤكد أن الاستعداد للحمل مسؤولية مشتركة بين الوالدين، وأن اتباع نمط حياة صحي من قبلهما يُعد عنصرًا أساسيًا لدعم النمو السليم للطفل.

الكلمات المفتاحية: الكحول، الأب المستقبلي، الحمل، الإخصاب، متلازمة الكحول الجنينية، الحيوانات المنوية، التشوهات الخلقية، الصحة الإنجابية، نمو الجنين، خصوبة الرجل، الوقاية.

مقالات في نفس الموضوع