تجعل وزارة الصحة من التحول الرقمي ركيزة أساسية لتحسين جودة الرعاية الصحية وتعزيز الشفافية وتسهيل الوصول إلى الخدمات الطبية، وقد تم حتى الآن ربط أكثر من 2355 مؤسسة صحية بشبكة الألياف البصرية فيما يأتي تعميم الملف الطبي الإلكتروني وتطوير الطب عن بُعد ضمن الأولويات الوطنية.
الرقمنة رافعة استراتيجية للمنظومة الصحية
أصبح التحول الرقمي تدريجياً أحد المحاور الأساسية لتحديث المنظومة الصحية الجزائرية، وقد جدد وزير الصحة “محمد الصديق آيت مسعودان” التأكيد على هذا التوجه يوم الأربعاء بالجزائر العاصمة واصفاً الرقمنة بأنها خيار استراتيجي لا مفر منه لتحسين الخدمة العمومية وتعزيز الحوكمة والارتقاء بالتكفل بالمرضى.
وجاء تصريح الوزير بمناسبة اللقاء الجهوي التقييمي الثاني المخصص لرقمنة المؤسسات الصحية بولايات وسط البلاد، ويندرج هذا الاجتماع ضمن مسعى يهدف إلى قياس التقدم المحرز وتحديد الصعوبات التي تواجه العملية وتسريع تعميم الأدوات الرقمية داخل المؤسسات الصحية.
وبالنسبة للوزير لا تقتصر الرقمنة على إدخال تجهيزات معلوماتية جديدة بل تمثل وسيلة لتعزيز الشفافية وتحسين التنسيق في تقديم الرعاية الصحية وتطوير الوقاية ودعم البحث العلمي.
الملف الطبي الإلكتروني في صميم التحول الرقمي
يمثل تعميم الملف الطبي الإلكتروني أحد الأهداف الرئيسية لهذه الاستراتيجية، فمن خلال جمع المعلومات الطبية للمريض ضمن بيئة رقمية آمنة يمكن لهذه الأداة تسهيل متابعة العلاجات والاطلاع على السوابق المرضية وتعزيز التنسيق بين مهنيي الصحة، كما يمكن أن تسهم في الحد من ضياع المعلومات وتقليل الفحوصات المتكررة غير الضرورية وتحسين استمرارية الرعاية الصحية خاصة عندما يتلقى المريض العلاج في عدة مؤسسات صحية.
وأشار الوزير على وجه الخصوص إلى تجربة المتابعة الطبية للحجاج التي أصبحت أكثر فعالية بفضل رقمنة ملفاتهم الطبية. فقد أتاح تسهيل الوصول إلى البيانات الصحية والمعلومات المتعلقة بالأدوية تحسين متابعتهم الطبية، وتبرز هذه التجربة أهمية الأدوات الرقمية في الحالات التي ينتقل فيها المرضى بعيداً عن أماكن تلقيهم المعتادة للرعاية الصحية، غير أن فعالية هذه الأدوات تعتمد على عدة شروط تشمل موثوقية البيانات وتحديثها بانتظام وتوافق الأنظمة المعلوماتية وحماية المعلومات الطبية الشخصية.
ربط أكثر من 2355 مؤسسة صحية بشبكة الألياف البصرية
يشكل تطوير البنية التحتية مرحلة أساسية في هذا التحول، وقد أوضح مدير الرقمنة بوزارة الصحة “موهوب مسعودي” أنه تم تسخير وسائل مادية ومالية إضافية لدعم البرنامج الوطني، ووفقاً لتصريحاته فقد سمحت ميزانية مخصصة للرقمنة بربط أكثر من 2355 مؤسسة صحية بشبكة الألياف البصرية على المستوى الوطني بالتنسيق مع مصالح اتصالات الجزائر، ومن شأن هذا الربط أن يسهم في تسهيل تداول المعلومات الطبية واستخدام التطبيقات الرقمية وتطوير خدمات جديدة عن بُعد.
كما تضمن الوزارة متابعة مؤشرات الأداء الرقمي ومستوى ربط المؤسسات الصحية بالشبكة بالتنسيق مع القطاعات المعنية. ويتمثل الهدف في قياس مدى تقدم البرنامج وتعزيز تحول رقمي أكثر تجانساً عبر كامل التراب الوطني.
المراكز الاستشفائية الجامعية أمام موعد نهائي في 15 نوفمبر
تعتزم وزارة الصحة تسريع وتيرة تنفيذ البرنامج، وقد أعلن “موهوب مسعودي” أن الموعد النهائي المحدد لاستكمال رقمنة جميع المراكز الاستشفائية الجامعية هو 15 نوفمبر المقبل وفقاً للتصريحات التي نُقلت خلال اللقاء، ويندرج هذا الموعد ضمن برنامج للتشاور والتقييم يُنظم عبر عدة مناطق من البلاد تشمل الشرق والغرب والوسط والجنوب، وتهدف هذه اللقاءات إلى الوقوف على مدى تنفيذ الحلول الرقمية وتقييم احتياجات المؤسسات الصحية وتذليل العقبات التي قد تعيق تقدم العملية.
ولا يقتصر التحدي على توفير التجهيزات المعلوماتية بل يشمل ضمان عمل الأدوات الرقمية بصورة متناسقة بين مختلف المؤسسات الصحية. ولذلك فإن استكمال البرنامج يتطلب أيضاً تعزيز قابلية التشغيل البيني أي قدرة الأنظمة المعلوماتية على تبادل المعلومات واستخدامها بصورة موثوقة.
الطب عن بُعد والتشخيص الإشعاعي عن بُعد: تقريب الرعاية الصحية من المرضى
يرافق التحول الرقمي أيضاً إدخال أساليب جديدة للتكفل بالمرضى ولا سيما الطب عن بُعد والتشخيص الإشعاعي عن بُعد، ومن المنتظر أن يتيح النظام الوطني للطب عن بُعد للأطباء والمختصين إجراء استشارات طبية عن بُعد لفائدة المواطنين في مختلف الولايات، ويمكن لهذا النهج أن يقلل الحاجة إلى التنقل ويسهل الوصول إلى بعض التخصصات الطبية ويحسن متابعة المرضى المقيمين في المناطق النائية، أما التشخيص الإشعاعي عن بُعد فيتيح إرسال الصور الطبية الإشعاعية ليقوم مختصون بتفسيرها عن بُعد، وبذلك يمكن إعداد التقارير الطبية دون الحاجة بالضرورة إلى تنقل المريض أو المختص المكلف بالفحص.
وتكتسي هذه الأنظمة أهمية خاصة بالنسبة للمناطق التي لا يزال الوصول فيها إلى الأطباء المختصين صعباً، غير أن تطبيقها الفعلي يعتمد على جودة الاتصال وتوفر التجهيزات وتكوين المهنيين وتنظيم مسارات الرعاية الصحية، كما أن الاستشارة الطبية عن بُعد لا تعوض جميع الاستشارات الحضورية إذ يظل الفحص السريري المباشر أو التدخل الاستعجالي ضرورياً عندما تستدعي الحالة الطبية ذلك.
أمن البيانات والتكوين: شروط أساسية لنجاح الرقمنة
حتى تحقق الرقمنة فوائد مستدامة لا بد أن تكون مصحوبة بضمانات قوية، فالملفات الطبية تحتوي على معلومات شديدة الحساسية ولذلك يجب أن تشكل حمايتها وإدارة صلاحيات الوصول إليها وإمكانية تتبع عمليات الاطلاع عليها أولويات أساسية، ويكتسي تكوين العاملين في المجالات الطبية وشبه الطبية والإدارية أهمية مماثلة، إذ ينبغي تمكين المهنيين من استخدام الأدوات الرقمية بفعالية دون زيادة أعباء عملهم بصورة غير ضرورية أو التأثير سلباً على تقديم الرعاية الصحية.
كما يجب أن يضمن الربط البيني للمؤسسات الصحية إمكانية تبادل المعلومات الضرورية في الوقت المناسب مع المهنيين المخولين بالاطلاع عليها مع احترام سرية بيانات المرضى، وأخيراً لا ينبغي أن يقتصر تقييم التحول الرقمي على عدد المؤسسات المرتبطة بالشبكة أو التجهيزات المثبتة بل يجب أن يشمل أيضاً قياس آثاره الفعلية على آجال التكفل بالمرضى واستمرارية الرعاية الصحية وإمكانية الوصول إلى الأطباء المختصين وسلامة المرضى وجودة الخدمات المقدمة.
نحو منظومة صحية أكثر ترابطاً
من خلال تعميم الملف الطبي الإلكتروني وتطوير الطب عن بُعد والربط التدريجي للمؤسسات الصحية بشبكة الألياف البصرية تواصل الجزائر تحديث منظومتها الصحية الوطنية، غير أن نجاح هذا التحول سيعتمد على القدرة على ضمان التكامل بين الأدوات الرقمية وتكوين الفرق الطبية وحماية البيانات وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الرقمية.
ويبقى الهدف النهائي طبياً قبل أن يكون تكنولوجياً ويتمثل في تحسين التنسيق بين مختلف مستويات الرعاية الصحية وتسهيل الوصول إلى الكفاءات الطبية والارتقاء الفعلي بالتكفل بالمرضى بغض النظر عن أماكن إقامتهم.
الكلمات المفتاحية: الصحة، الجزائر، الرقمنة، الملف الطبي الإلكتروني، الطب عن بُعد، التشخيص الإشعاعي عن بُعد، الألياف البصرية، المراكز الاستشفائية الجامعية، التحول الرقمي، الرعاية الصحية، أمن البيانات الطبية.
اقرأ أيضاً: