
هل يمكن لتدخل واحد فقط أن يمكّن بعض الأشخاص الذين وُلدوا صمًّا من السمع لأول مرة؟ هذا هو الوعد الذي يقدّمه العلاج الجيني، والذي يثير آمالًا كبيرة في مجال أمراض الأنف والأذن والحنجرة.
تقدم مذهل ضد شكل نادر من الصمم الخِلقي
حقق باحثون من معهد كارولينسكا في السويد نتائج مذهلة بفضل حقنة واحدة تُعطى مباشرة داخل الأذن الداخلية. فقد تحسّن السمع لدى عدد من المرضى المصابين بشكل نادر من الصمم الوراثي في غضون أسابيع قليلة فقط.
وقد نُشرت النتائج في مجلة Nature Medicine العلمية، وتشكل خطوة مهمة في تطوير العلاجات الشخصية لبعض أنواع الصمم الوراثي. ومع ذلك يؤكد المختصون ضرورة توخي الحذر لأن هذا النهج يقتصر حاليًا على فئة محددة جدًا من المرضى.
مرض وراثي محدد بدقة
لا يعالج هذا العلاج جميع حالات فقدان السمع بل يستهدف حصريًا مرضًا وراثيًا نادرًا يُعرف باسم DFNB9، وهو نوع من الصمم الحسي العصبي الخِلقي يُورث وفق النمط الجسمي المتنحي.
وينجم هذا المرض عن حدوث طفرات في النسختين من جين OTOF، المسؤول عن إنتاج بروتين الأوتوفيرلين، وهو بروتين أساسي لعمل الأذن الداخلية بصورة طبيعية.
ولدى هؤلاء المرضى تكون الخلايا الشعرية الداخلية في القوقعة موجودة لكنها تعجز عن نقل المعلومات الصوتية بشكل صحيح إلى العصب السمعي، ونتيجة لذلك لا يتلقى الدماغ أي إشارات سمعية تُذكر رغم أن بنية الأذن غالبًا ما تكون سليمة، ويتمثل هدف العلاج في تزويد الجسم بنسخة سليمة من الجين المعيب لاستعادة التواصل بين الأذن الداخلية والدماغ.
كيف يعمل هذا العلاج الجيني؟
على خلاف الحقن التقليدية يتطلب هذا العلاج تدخلاً جراحيًا بالغ الدقة، إذ يحقن الجراحون مباشرة داخل القوقعة فيروسًا غديًا مرتبطًا (AAV) جرى تعديلُه ليصبح غير ضار، ويُستخدم كناقل لإيصال نسخة سليمة من جين OTOF ، ويُحقن العلاج عبر النافذة المدورة وهي غشاء رقيق يتيح الوصول إلى الأذن الداخلية.
وبمجرد وصول الجين السليم إلى القوقعة، تتمكن الخلايا المستهدفة من إنتاج بروتين الأوتوفيرلين مجددًا مما يعيد تدريجيًا نقل الإشارات الصوتية، وتجسد هذه الاستراتيجية مفهوم الطب الدقيق، إذ تستهدف السبب الوراثي المباشر للمرض بدلًا من الاكتفاء بعلاج نتائجه.
تحسن ملحوظ منذ الشهر الأول
شملت التجربة السريرية عشرة مرضى، تراوحت أعمارهم بين 18 شهرًا ونحو 24 عامًا، ولوحظت أولى الفوائد بعد شهر واحد فقط من التدخل، وبعد ستة أشهر من المتابعة انخفض متوسط عتبة السمع من نحو 106 ديسيبل، وهو ما يعادل صممًا عميقًا، إلى 52 ديسيبل، وهو مستوى يسمح بسمع وظيفي في العديد من مواقف الحياة اليومية، وسُجلت أفضل النتائج لدى الأطفال، فقد استعادت طفلة تبلغ من العمر 7 سنوات سمعًا قريبًا من الطبيعي، وأصبحت قادرة على إجراء محادثات مع والدتها بعد أربعة أشهر فقط من التدخل، وقال البروفيسور ” ماولي دوان” الباحث الرئيسي في الدراسة: ” تحسن السمع بشكل واضح لدى العديد من المشاركين، وهو ما قد يكون له أثر عميق في جودة حياتهم وسنواصل الآن متابعة هؤلاء المرضى للتأكد من استمرار هذا التأثير مع مرور الوقت.”
تحسن مستدام تؤكده دراسات أخرى
سرعان ما أكدت تجربة سريرية أكبر نُشرت في مجلة Nature هذه النتائج المشجعة، وشملت الدراسة الثانية 42 مريضا، وأظهرت استعادة القدرة السمعية لدى نحو 90% من المشاركين، كما ظل التحسن المسجل مستقرًا حتى عامين ونصف بعد العلاج، مما يعزز الآمال في أن يكون تأثيره طويل الأمد، ويواصل الباحثون حاليًا متابعة المرضى على المدى الطويل لتقييم مدى استمرار هذا التحسن خلال السنوات المقبلة.
تحمل جيد للعلاج
من ناحية السلامة جاءت النتائج مطمئنة أيضًا، فلم يُسجل أي أثر جانبي خطير مرتبط بالعلاج خلال فترة متابعة تراوحت بين ستة أشهر واثني عشر شهرًا، وكان الأثر الجانبي الأكثر شيوعًا هو انخفاض مؤقت في عدد العدلات (Neutrophils)، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء المسؤولة عن الدفاع ضد العدوى، إلا أن هذا التغير البيولوجي لم يترتب عليه أي مضاعفات سريرية مهمة لدى المرضى المشاركين في الدراسة، ومع ذلك وكما هو الحال مع جميع العلاجات الجينية، يبقى من الضروري إجراء متابعة طبية طويلة الأمد لرصد أي آثار متأخرة محتملة.
أول موافقة في الولايات المتحدة
لم يعد هذا التقدم يقتصر على الأبحاث فقط، ففي 23 أفريل 2026، منحت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أول موافقة لعلاج جيني مخصص لعلاج الصمم الناتج عن الطفرات الثنائية في جين OTOF، ويُسوّق هذا العلاج تحت اسم Otarmeni، ويُعطى وفق المبدأ نفسه، من خلال حقنة داخل القوقعة بعد تأكيد التشخيص بواسطة اختبار جيني، وتمثل هذه الموافقة محطة تاريخية في علاج حالات الصمم الوراثي.
ابتكار… لكنه مخصص لعدد محدود من المرضى
على الرغم من الحماس الذي أثارته هذه النتائج يؤكد المختصون أن هذا العلاج لا يمثل علاجًا شاملًا لجميع أنواع الصمم، فهو لا يشمل:
- ضعف السمع المرتبط بالتقدم في العمر.
- فقدان السمع الناتج عن التعرض للضوضاء.
- التهابات الأذن.
- الإصابات والرضوض.
- الأنواع الأخرى من الصمم الوراثي الناتجة عن طفرات في جينات مختلفة.
ويبقى استخدامه مقتصرًا على المرضى الذين ثبتت لديهم طفرات في جين OTOF، ولذلك فإن إجراء تشخيص وراثي دقيق يُعد شرطًا أساسيًا قبل بدء العلاج.
جينات أخرى قيد الدراسة
يرى الباحثون أن هذا النجاح ليس سوى البداية، ويقول البروفيسور ” ماولي دوان” إن جين OTOF ليس سوى البداية.
وتعمل عدة فرق بحثية بالفعل على تطوير علاجات جينية مماثلة تستهدف جينات أخرى مرتبطة بالصمم الوراثي، ولا سيما GJB2 وTMC1، اللذين يقفان وراء نسبة كبيرة من حالات الصمم الخِلقي حول العالم، وقد تُحدث هذه المقاربات مستقبلًا تحولًا جذريًا في علاج اضطرابات السمع ذات المنشأ الوراثي.
توصيات المختصين
يؤكد الأطباء على عدة نقاط أساسية:
- ينبغي إجراء الكشف المبكر عن أي فقدان للسمع لدى الرضع أو الأطفال.
- يمكن اقتراح تشخيص وراثي عند الاشتباه بوجود سبب وراثي.
- لا يغني هذا العلاج عن استخدام المعينات السمعية أو زراعة القوقعة لدى غالبية المرضى.
- لا يمكن تقييم أهلية المريض لهذا النوع من العلاج إلا داخل مراكز متخصصة.
- تبقى المتابعة الطبية في اختصاص أمراض الأنف والأذن والحنجرة، والفحوص السمعية، والاستشارات الوراثية ضرورية قبل التدخل وبعده.
الخلاصة
أظهرت حقنة واحدة من العلاج الجيني تستهدف جين OTOF قدرة على تحسين السمع بصورة لافتة لدى مرضى يعانون من شكل نادر من الصمم الخِلقي. وقد تظهر الفوائد الأولى في بعض الحالات منذ الشهر الأول، ويبدو أنها تستمر لعدة سنوات لدى نسبة كبيرة من المرضى الذين تلقوا العلاج. ورغم أن هذا الابتكار يفتح عصرًا جديدًا للطب الدقيق، فإنه يظل حاليًا مخصصًا لمرض وراثي محدد للغاية. ويواصل الباحثون أبحاثهم لتوسيع هذه الاستراتيجية لتشمل أشكالًا أخرى من الصمم الوراثي، مما يفتح آفاقًا علاجية واعدة خلال السنوات المقبلة.
الكلمات المفتاحية: العلاج الجيني، الصمم الخِلقي، جين OTOF، الأوتوفيرلين، السمع، القوقعة، الحقن، الحقن داخل القوقعة، معهد كارولينسكا، Nature Medicine، هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، Otarmeni، أمراض الأنف والأذن والحنجرة، الطب الدقيق، فقدان السمع، الابتكار الطبي.
اقرأ أيضاً: