أصبح ارتداء الحذاء الرياضي فور الاستيقاظ، والانطلاق للمشي قبل تناول وجبة الإفطار، على أمل تسريع فقدان الدهون هو الروتين من أكثر الاتجاهات انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ويُروَّج له باعتباره طريقة بسيطة لـ«حرق الدهون بشكل أسرع»، ما جعله يحظى بإقبال واسع، لكنه يثير في الوقت نفسه العديد من التساؤلات.
المشي صباحًا على معدة فارغة يزداد شعبية… لكن ماذا يقول العلم حقًا؟
من الناحية الفسيولوجية لا تخلو هذه الفكرة من أساس علمي، فبعد ليلة كاملة من الصيام تقل احتياطيات الجسم الفورية من الغلوكوز، ما يدفعه إلى الاعتماد بشكل أكبر على الدهون لإنتاج الطاقة اللازمة لممارسة مجهود بدني متوسط الشدة، لكن هل تؤدي هذه الزيادة في استخدام الدهون أثناء التمارين إلى فقدان وزن أكبر فعلًا؟ ليس بالضرورة، ويؤكد المختصون أن المشي على معدة فارغة ليس حلًا سحريًا، وأن فعاليته تعتمد قبل كل شيء على نمط الحياة بشكل عام.
لماذا يستخدم الجسم الدهون بشكل أكبر أثناء الصيام؟
بعد مرور ما بين 10 و14 ساعة دون تناول الطعام، ينخفض مستوى الإنسولين طبيعيًا وتبدأ مخازن الغليكوجين الموجودة في الكبد بالنفاد، وفي هذه الظروف يتجه الجسم بسهولة أكبر إلى استخدام الأحماض الدهنية كمصدر للطاقة، خاصة أثناء ممارسة نشاط بدني خفيف إلى متوسط، مثل المشي السريع.
وتُعد هذه الظاهرة معروفة جيدًا في فسيولوجيا التمارين الرياضية؛ فكلما كانت شدة النشاط أقل، زادت نسبة الدهون التي يستخدمها الجسم كمصدر للطاقة.
أما عند زيادة شدة التمرين مثل الجري السريع أو التمارين المتقطعة عالية الكثافة أو الرياضات الانفجارية، فإن الجسم يعتمد بدرجة أكبر على الكربوهيدرات، لأنها توفر الطاقة بسرعة أكبر.
ماذا أظهرت الدراسات العلمية فعلًا؟
أظهرت عدة دراسات علمية أن ممارسة التمارين الرياضية قبل تناول وجبة الإفطار تزيد بالفعل من معدل أكسدة الدهون أثناء التمرين، فقد بينت دراسة نُشرت في British Journal of Nutrition أن ممارسة تمارين التحمل على معدة فارغة عززت استخدام الدهون خلال الأربع والعشرين ساعة التالية مقارنة بممارسة التمرين نفسه بعد تناول الطعام.
كما تشير أبحاث أخرى إلى تحسن بعض المؤشرات الأيضية لدى بعض الأشخاص، مثل زيادة حساسية الجسم للإنسولين وتحسين التحكم في مستويات سكر الدم، إلا أن هذه النتائج ينبغي تفسيرها بحذر، فأحدث التحليلات التلوية (Meta-analyses) تُظهر أنه عندما تكون السعرات الحرارية المتناولة متساوية، فإن فقدان الوزن وانخفاض كتلة الدهون يكونان متقاربين عمومًا، سواء تمت ممارسة النشاط البدني على معدة فارغة أو بعد تناول الطعام.
وبعبارة أخرى فإن حرق كمية أكبر من الدهون أثناء جلسة رياضية واحدة لا يعني بالضرورة فقدان كمية أكبر من الدهون على مدى عدة أسابيع.
العامل الأهم: تحقيق عجز في السعرات الحرارية
أما لفقدان الوزن تبقى هناك قاعدة أساسية لا يمكن تجاوزها، وهي أن يستهلك الجسم طاقة أكثر مما يحصل عليه من الغذاء، ويُعد هذا العجز في الطاقة المحرك الرئيسي لفقدان الدهون، وقد يكون المشي على معدة فارغة وسيلة مفيدة لبعض الأشخاص لأنه يشجعهم على ممارسة النشاط البدني صباحًا أو يمنحهم شعورًا أفضل أثناء التمرين، لكنّه لا يعوض النظام الغذائي غير المتوازن، ولا يعالج آثار الخمول وقلة الحركة.
ما شدة المشي الموصى بها؟
بحسب أطباء الغدد الصماء فإن أفضل شدة للمشي بهدف زيادة استخدام الدهون هي الشدة المتوسطة، ويُنصح بأن يبقى معدل الجهد بين 50 و60% من الحد الأقصى لمعدل ضربات القلب، وقد يصل أحيانًا إلى 65%، وعمليًا يعني ذلك المشي بسرعة تسمح للشخص بالتحدث دون أن يشعر بضيق في التنفس.
وعادة ما تكفي جلسة تتراوح مدتها بين 30 و45 دقيقة، بمعدل ثلاث إلى خمس مرات أسبوعيًا، للحصول على فوائد صحية للقلب والتمثيل الغذائي.
استراتيجية لا تناسب الجميع
يُعد المشي على معدة فارغة ممارسة يتحملها معظم البالغين الأصحاء بشكل جيد، إلا أنه قد يسبب لدى بعض الأشخاص:
- الشعور بالإعياء أو الإغماء.
- انخفاض سكر الدم.
- الإحساس بالضعف.
- الدوخة.
- الإرهاق الشديد.
ولا يُنصح باتباع هذه الطريقة دون استشارة طبية لدى:
- الأشخاص المصابين بداء السكري الذين يتلقون العلاج بالإنسولين أو بعض الأدوية الخافضة للسكر.
- النساء الحوامل أو المرضعات.
- كبار السن الضعفاء.
- الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل.
- الأشخاص المصابين بأمراض قلبية وعائية غير مستقرة أو بانخفاض شديد في ضغط الدم.
وفي حال الشعور بالإعياء أو التعرق البارد أو الضعف أثناء المشي، فمن الأفضل التوقف عن التمرين فورًا.
ماذا إذا كنت لا تتحمل الصيام؟
ليس من الضروري إطلاقًا المشي على معدة فارغة لتحسين الصحة، فالمشي لمدة تتراوح بين 10 و20 دقيقة بعد تناول الوجبات يحقق أيضًا فوائد مثبتة علميًا، ومن أبرز فوائده:
- تقليل الارتفاعات الحادة في مستوى سكر الدم بعد الوجبات.
- تحسين حساسية الجسم للإنسولين.
- تعزيز عملية الهضم.
- زيادة استهلاك الطاقة اليومي.
وبالنسبة لكثير من الأشخاص، تُعد هذه الاستراتيجية أسهل في الالتزام بها على المدى الطويل.
كم عدد الخطوات التي ينبغي مشيها يوميًا؟
على خلاف الاعتقاد الشائع ليس من الضروري الوصول دائمًا إلى 10 آلاف خطوة يوميًا، فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن الفوائد الصحية تبدأ بالظهور عند المشي حوالي 2500 إلى 3000 خطوة يوميًا، مع انخفاض تدريجي في خطر الوفاة والإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وتزداد هذه الفوائد تدريجيًا حتى الوصول إلى نحو 6000 إلى 8000 خطوة يوميًا، وبعد ذلك تصبح المكاسب الإضافية أكثر تواضعًا لدى معظم البالغين، لذلك يبقى الأهم هو الاستمرار في المشي بانتظام، وليس السعي وراء رقم محدد.
توصيات الخبراء
للاستفادة من فوائد المشي الصباحي بأمان ينصح الخبراء بما يلي:
- المشي بشدة متوسطة لمدة تتراوح بين 30 و45 دقيقة.
- الحرص على شرب كمية كافية من الماء قبل التمرين وبعده.
- تجنب المشي أثناء فترات الحر الشديد.
- ارتداء أحذية مناسبة للمشي.
- الجمع بين المشي وجلستين أسبوعيًا من تمارين تقوية العضلات للحفاظ على الكتلة العضلية أثناء فقدان الوزن.
- اتباع نظام غذائي متوازن مع الحصول على كمية كافية من البروتين.
الخلاصة
يساعد المشي على معدة فارغة بالفعل على زيادة استخدام الدهون كمصدر للطاقة أثناء ممارسة النشاط البدني، لكن الأدلة العلمية لا تُظهر أنه يؤدي بمفرده إلى فقدان وزن أكبر مقارنة بالمشي بعد تناول وجبة الإفطار عندما تكون كمية الطاقة المستهلكة متساوية.
وتكمن أهميته الأساسية في بساطته وسهولة إدماجه ضمن الروتين اليومي، إضافة إلى فوائده العديدة على صحة القلب، والتمثيل الغذائي، والصحة النفسية، أما لتحقيق فقدان وزن مستدام، فلا تزال المواظبة على النشاط البدني، واتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على نوم جيد، وتقليل الخمول وقلة الحركة هي الركائز الأكثر فعالية.
الكلمات المفتاحية: المشي، الصيام، فقدان الوزن، حرق الدهون، التمثيل الغذائي، أكسدة الدهون، الدهون، معدل ضربات القلب، سكر الدم، الإنسولين، العجز في السعرات الحرارية، النشاط البدني، اختصاصي الغدد الصماء، صحة التمثيل الغذائي، كتلة الدهون، تقوية العضلات، المشي الصباحي.