عند الشخص السليم تساعد ممارسة الرياضة بانتظام على تحسين قدرة الجسم على استخدام الأكسجين. ويُعرف هذا المؤشر باسم القدرة الهوائية، وهو من أبرز مؤشرات طول العمر وصحة القلب والأوعية الدموية. أما لدى الأشخاص الذين يعانون من فرط سكر الدم المزمن، فالتوصيات تبقى نفسها: التحرك أكثر، التقليل من الدهون، وإنقاص الوزن. ومع ذلك، يلاحظ كثيرون وجود فجوة واضحة. فهم يمشون، يركضون، ويتدربون، لكن التنفس لا يتحسن كثيراً، كما أن القدرة على التحمّل تبقى محدودة.
عندما لا تعود الرياضة “فعالة” بالشكل المطلوب
أظهرت أبحاث الباحثة سارة ليسارد أن ارتفاع مستوى السكر في الدم يؤثر على قدرة العضلات في التقاط الأكسجين واستخدامه بكفاءة. بمعنى آخر، فإن “البيئة الأيضية” المضطربة تعيق تكيف الجسم مع المجهود البدني، والنتيجة هي أن خطر الإصابة بأمراض القلب والكلى يبقى مرتفعاً رغم ممارسة النشاط البدني.
دراسة تجريبية نُشرت في مجلة Nature Communications
نشرت مجموعة بحثية بقيادة سارة ليسارد، في معهد فرالين للأبحاث الطبية الحيوية، دراسة أُجريت على فئران مصابة بالسكري، وكان الهدف من الدراسة معرفة ما إذا كان تغيير النظام الغذائي يمكن أن يعيد الاستجابة العضلية للرياضة في حالة فرط سكر الدم.
وقد جاءت النتائج لافتة، فبعد أسبوع واحد من اتباع نظام غذائي كيتوني صارم، عادت مستويات السكر في دم الفئران إلى المعدلات الطبيعية، وكأن السكري لم يعد ظاهراً، والأهم من ذلك أن عضلاتها استعادت قدرتها على الاستجابة لتمارين التحمل.
النظام الكيتوني: آلية مختلفة وتغيير جذري في التغذية
يعتمد النظام الكيتوني على تقليل شديد للكربوهيدرات (أقل من 50 غراماً يومياً)، مع كمية معتدلة من البروتين ونسبة مرتفعة من الدهون، ويؤدي هذا النظام إلى حالة تُعرف بالكيتوزية، حيث يتوقف الجسم عن الاعتماد الأساسي على الغلوكوز ويبدأ بحرق الدهون كمصدر رئيسي للطاقة.
ويختلف هذا النموذج الغذائي بشكل واضح عن التوصيات الغذائية التقليدية للشخص السليم، التي تنصح بأن تتراوح نسبة الدهون بين 35 و40 بالمئة، والكربوهيدرات بين 40 و55 بالمئة.
إعادة تشكيل العضلات وتحسين استخدام الأكسجين
في الدراسة تلقت الفئران المصابة بفرط سكر الدم غذاءً غنياً جداً بالدهون، مع إمكانية الجري على عجلة مخصصة للنشاط البدني، وخلال أيام قليلة ظهرت ظاهرة تُعرف بـ”إعادة تشكيل العضلات”، حيث أصبحت الألياف العضلية أكثر قدرة على استخدام الأكسجين بكفاءة، ويُعد هذا التحسن مؤشراً على ارتفاع القدرة الهوائية.
باختصار فإن عودة مستوى السكر إلى الطبيعي سمحت للعضلات باستعادة مرونتها الوظيفية في مواجهة التمارين الرياضية.
ماذا نعرف حتى الآن لدى البشر؟
أظهرت بعض الدراسات التي أُجريت على رياضيي التحمل الأصحاء أن النظام الكيتوني طويل المدى يساعد على تعزيز حرق الدهون، كما أن بعض الأشخاص سجلوا تحسناً في الكفاءة الهوائية، لكن في المقابل قد تنخفض القدرة القصوى أثناء التمارين العنيفة جداً. فالأيض المعتمد على الدهون يدعم التحمّل أكثر مما يدعم الأداء الانفجاري السريع.
لذلك لا يُعتبر هذا النظام مناسباً للجميع، إذ تختلف نتائجه حسب الحالة الأيضية والهدف الرياضي.
التغذية والرياضة: ثنائي لا ينفصل
إحدى الرسائل الأساسية التي أكدت عليها الدراسة هي أن التغذية والنشاط البدني لا يعملان بشكل منفصل، فالاستفادة القصوى من الرياضة تعتمد على الحالة الأيضية للجسم، كما أن خفض مستوى السكر في الدم يحسن استجابة العضلات للمجهود، مهما كانت الطريقة المستخدمة، بشرط أن تكون فعالة وتحت إشراف طبي.
النظام الكيتوني أم النظام المتوسطي؟
النظام الكيتوني
- فقير جداً بالكربوهيدرات.
- غني بالدهون.
- يؤدي إلى الكيتوزية.
- قد يسبب فقدان وزن سريع.
- يصعب الالتزام به على المدى الطويل.
- قد يؤدي إلى نقص غذائي إذا لم يكن تحت إشراف طبي.
النظام المتوسطي
مستوحى من العادات الغذائية التقليدية في اليونان وإيطاليا وإسبانيا وبلدان المغرب الكبير.
- غني بالخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة.
- يعتمد على زيت الزيتون والأسماك والمكسرات.
- قليل اللحوم الحمراء.
- يهدف إلى الوقاية القلبية وتحقيق صحة مستدامة.
- أكثر مرونة ومدعوماً بدراسات طويلة المدى.
ولا يهدف النظام المتوسطي إلى تغيير الأيض بشكل جذري، بل يسعى إلى تحقيق التوازن والاستقرار في مستويات السكر، أما النظام الكيتوني، فقد يكون مناسباً في بعض الحالات المحددة، ولمدة معينة، وتحت مراقبة طبية.
تأثيرات محتملة على القلب والكلى
يساهم فرط سكر الدم المزمن في زيادة خطر تصلب الشرايين، وفشل القلب، واعتلال الكلى السكري، وإذا كان تصحيح مستوى السكر يحسن استخدام العضلات للأكسجين، فقد يساهم ذلك بشكل غير مباشر في تقليل الضغط على القلب والكلى.
لكن هذه النتائج ما تزال تجريبية على الحيوانات، وتحتاج إلى دراسات سريرية على البشر لتأكيدها.
توصيات طبية عملية
- عدم البدء في نظام كيتوني دون استشارة طبية، خاصة لمرضى السكري الذين يستعملون الإنسولين أو الأدوية الخافضة للسكر.
- مراقبة مستوى السكر بانتظام، خصوصاً خلال مرحلة التكيف الغذائي.
- فحص وظائف الكلى وتحليل الدهون قبل وأثناء اتباع نظام غني بالدهون.
- اختيار دهون صحية مثل الزيوت النباتية غير المكررة، والأسماك الدهنية، والمكسرات.
- الحفاظ على نشاط بدني منتظم يناسب القدرة البدنية للشخص.
- تجنب العلاج الذاتي أو الحميات القاسية غير الخاضعة للمتابعة الطبية.
- التفكير في النظام المتوسطي كخيار مستدام، خاصة للوقاية القلبية.
خلاصة
في حالات فرط سكر الدم قد لا تكون الرياضة وحدها كافية لاستعادة القدرة الهوائية الكاملة، وتشير دراسة تجريبية إلى أن النظام الكيتوني قد يساعد على إعادة مستوى السكر إلى الطبيعي وتنشيط استجابة العضلات للرياضة لدى الفئران المصابة بالسكري.
ولا تهدف هذه النتائج إلى استبدال التوصيات الطبية الحالية، بل إلى التذكير بحقيقة أساسية: الأيض هو الذي يحدد مدى فعالية الحركة والرياضة، وقد يسمح تصحيح مستوى السكر، عبر استراتيجية شخصية وتحت إشراف طبي، للجسم بالاستفادة الكاملة من المجهود البدني.
الكلمات المفتاحية:فرط سكر الدم، السكري، النظام الكيتوني، النظام المتوسطي، القدرة الهوائية، الأكسجين، العضلات، أمراض القلب والأوعية الدموية، الفشل الكلوي، الأيض، الكيتوزية، الوقاية.
إقرأ أيضاً: