تشكل الرعاية الصحية للأشخاص المحبوسين اليوم أحد أهم رهانات الصحة العمومية واحترام حقوق الإنسان. وفي هذا الإطار، نظمت المديرية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج يوم الاثنين بولاية تيبازة، يوماً دراسياً هاماً خُصص لتحسين الخدمات الصحية داخل المؤسسات العقابية.
مقاربة صحية ترتكز على الحقوق الأساسية وجودة الرعاية
واحتضنت المدرسة الوطنية لموظفي إدارة السجون بالقليعة هذا اللقاء العلمي، الذي نُظم بالتنسيق مع الأكاديمية الجزائرية لتطوير علوم الطب الشرعي، ويأتي هذا الحدث في إطار تعزيز التعاون بين قطاعي العدل والصحة من أجل الارتقاء المستمر بجودة الخدمات الطبية المقدمة للمحبوسين.
كما أتاح هذا اللقاء فرصة لتبادل الخبرات والتجارب بين مهنيي الصحة، ومتخصصي الطب الشرعي، ومسؤولي المؤسسات العقابية، ومختلف الفاعلين المؤسساتيين المعنيين برعاية الفئات السجنية.
تعزيز التعاون بين قطاعي العدل والصحة
وخلال إشرافه على افتتاح أشغال اليوم الدراسي، أكد المدير العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج “أسعيد زرب” الأهمية الاستراتيجية التي توليها السلطات العمومية لصحة المحبوسين، وأشار إلى أن وزارة العدل تعمل بالتنسيق الوثيق مع وزارة الصحة، على ضمان استفادة الأشخاص المحبوسين من حقهم في الوصول العادل إلى العلاج، وفقاً للمبادئ الوطنية والدولية المتعلقة بالحقوق الأساسية.
وتهدف هذه المقاربة إلى توفير رعاية صحية للمحبوسين مماثلة لتلك المقدمة لباقي أفراد المجتمع، من خلال تطوير الهياكل الصحية، وتعزيز الكفاءات الطبية، وتحسين بروتوكولات المتابعة العلاجية.
هياكل طبية متخصصة في خدمة المحبوسين
على مدار السنوات الماضية عززت الجزائر بشكل ملحوظ القدرات الصحية في السجون، فإلى جانب وحدات العلاج المتوفرة بمختلف المؤسسات العقابية عبر الوطن، تم إنشاء عدة هياكل متخصصة للاستجابة لاحتياجات المحبوسين المصابين بأمراض معقدة تتطلب رعاية صحية عالية التخصص، ومن بين هذه الهياكل وحدة استشفائية مرجعية تم إنشاؤها على مستوى المركز الاستشفائي الجامعي مصطفى باشا، حيث تتكفل بـ:
- رعاية المرضى المصابين بالسرطان؛
- متابعة المحبوسين الذين يحتاجون إلى تصفية الدم بصفة منتظمة؛
- مرافقة المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة خطيرة.
كما تم إنشاء وحدة متخصصة موجهة للنساء المحبوسات المصابات بأمراض مزمنة، بهدف الاستجابة لاحتياجات هذه الفئة التي تُعد من أكثر الفئات هشاشة.
الصحة في السجون: رهان أساسي للصحة العمومية
يشير الخبراء إلى أن الفئة السجنية غالباً ما تعرف معدلات انتشار أعلى لبعض الأمراض مقارنة بعامة السكان، وتواجه المؤسسات العقابية بصفة منتظمة تحديات تتعلق بالتكفل بـ:
- الأمراض المزمنة (داء السكري، ارتفاع ضغط الدم، القصور الكلوي)؛
- الاضطرابات النفسية؛
- حالات الإدمان؛
- الأمراض المعدية؛
- مشاكل صحة الفم والأسنان؛
- الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن.
وتؤدي جودة الرعاية الطبية دوراً محورياً ليس فقط في حماية صحة المحبوسين، بل أيضاً في الحفاظ على الصحة العمومية بشكل عام، باعتبار أن أغلبية السجناء يعودون إلى المجتمع بعد انتهاء فترة العقوبة.
التكوين الطبي المتخصص: رافعة أساسية لتحسين الرعاية الصحية
وخلال مداخلته في هذا اليوم الدراسي شدد رئيس الأكاديمية الجزائرية لتطوير علوم الطب الشرعي البروفيسور “رشيد بلحاج”، على أهمية التعبئة الجماعية لضمان تقديم رعاية صحية ذات جودة داخل المؤسسات العقابية وأكد أن احترافية الأطقم الطبية تمثل إحدى الركائز الأساسية لهذه الاستراتيجية.
كما أبرز التجربة الرائدة التي تم إطلاقها في مجال تكوين الأطباء العاملين في السجون، والتي تُعد خطوة مهمة في مسار تحديث طب السجون في الجزائر.
تكوين أطباء متخصصين للاستجابة لخصوصيات السجون
يتطلب التكفل بالمحبوسين امتلاك كفاءات خاصة، سواء على المستوى الطبي أو التنظيمي إذ يتعين على الأطباء العاملين داخل المؤسسات العقابية أن يكونوا قادرين على التعامل مع:
- الحالات الاستعجالية الطبية؛
- الأمراض المزمنة؛
• مشكلات الصحة النفسية؛ - الإدمان؛
- القضايا الطبية الشرعية؛
- الوقاية من الأمراض المعدية ومراقبتها.
وفي هذا السياق تم تطوير برامج للتكوين المستمر تستند إلى مراجع علمية دقيقة، بهدف تحيين معارف مهنيي الصحة العاملين في المؤسسات العقابية بشكل دوري.
تكريم الدفعة الأولى من الأطباء المتخصصين في السجون
وشكل حفل تكريم المتفوقين من الدفعة الأولى للأطباء المتخصصين إحدى أبرز محطات هذا اللقاء، وضمت هذه الدفعة 30 طبيباً عاماً رئيسياً يمارسون مهامهم في مختلف المؤسسات العقابية عبر الوطن.
وقد استفاد هؤلاء الأطباء من تكوين طبي تخصصي بنظام الإقامة لمدة سنتين، صُمم خصيصاً للاستجابة لمتطلبات طب السجون الحديث، فيما تعكس هذه المبادرة إرادة السلطات العمومية في تعزيز الكفاءات الطبية داخل المنظومة السجنية بشكل مستدام، والارتقاء بجودة الرعاية الصحية المقدمة للمحبوسين.
رؤية حديثة للصحة في السجون
تعتبر المعايير الدولية الحديثة أن الصحة داخل السجون تمثل جزء أساسياً من منظومة الصحة العمومية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية بانتظام أن ضمان وصول الأشخاص المحرومين من الحرية إلى الرعاية الصحية يعد عاملاً حاسماً من أجل:
- الحد من الفوارق الصحية؛
- الوقاية من الأمراض المعدية؛
- تحسين إعادة الإدماج الاجتماعي؛
- حماية صحة المجتمع.
ومن خلال تطوير البنية التحتية الصحية وتكوين الكفاءات المتخصصة، وتعزيز التعاون بين مختلف القطاعات، تواصل الجزائر جهودها الرامية إلى تحديث منظومة الصحة السجنية وضمان تقديم خدمات طبية أكثر كفاءة وفعالية.
توصيات الخبراء
أكد المشاركون في هذا اليوم الدراسي على جملة من الأولويات الأساسية من بينها:
- تعزيز الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة؛
- تطوير خدمات الصحة النفسية داخل المؤسسات العقابية؛
- تحسين متابعة المحبوسين المصابين بالسرطان أو الأمراض الخطيرة؛
- مواصلة التكوين المستمر لمهنيي الصحة؛
- توسيع استخدام الطب عن بعد لفائدة المؤسسات العقابية البعيدة؛
- تعزيز برامج الوقاية والتثقيف الصحي؛
- ضمان استمرارية العلاج والرعاية الصحية بعد الإفراج عن المحبوسين.
الكلمات المفتاحية: الصحة، السجون، الإدارة السجنية، المحبوسون، طب السجون، إعادة الإدماج، الصحة العمومية، التكوين الطبي، الطب الشرعي، تصفية الدم، السرطان، الصحة النفسية، الأمراض المزمنة، المركز الاستشفائي الجامعي مصطفى باشا، الجزائر، الوقاية، الرعاية الصحية المتخصصة، التعاون، العدالة، الحقوق، البنية التحتية الصحية.
اقرأ أيضاً: