صحة جيدة لحياة أفضل

الإنفلونزا: مرضى ومتطوعون محجوزون معا دون انتقال العدوى… ماذا تكشف لنا العلوم؟

حرر : د . عماد بوعريسة | دكتور في الطب
17 يناير 2026

كيف ينتقل فيروس الإنفلونزا فعليا؟ والأهم كيف يمكن الحد من انتشاره في الأماكن المغلقة؟ باحثون أمريكيون أجروا تجربة نادرة بقدر ما هي تعليمية: جمع أشخاص مصابين بالإنفلونزا مع متطوعين يتمتعون بصحة جيدة داخل غرفة مغلقة، أما النتيجة ففاجأت الأوساط العلمية.


تثير الإنفلونزا كل عام الموسمية مخاوف واسعة، خاصة عندما تكون السلالات المنتشرة شديدة العدوى.
وقد خالف الفرع الفرعي K من السلالة A (H3N2) بعض التوقعات الوبائية مؤخرا، ما أعاد إلى الواجهة ضرورة فهم آليات انتقال الفيروس بشكل أدق.
ورغم أن التلقيح والالتزام بالإجراءات الوقائية يظلان حجر الأساس في الوقاية، فإن استراتيجيات أخرى لا تزال قيد الدراسة المكثفة.


وفي إطار تجربة سريرية أجريت في الولايات المتحدة، وُضع خمسة طلاب مصابين طبيعيا بفيروس الإنفلونزا داخل غرفة فندق مع أحد عشر متطوعا بالغا، جميعهم يتمتعون بصحة جيدة وغير حاملين للفيروس.
وشارك المشاركون نفس المكان لساعات عدة، وتبادلوا أدوات الاستعمال اليومي مثل الأقلام، والأجهزة اللوحية، والميكروفونات وكانت كل الظروف متوفرة لحدوث العدوى.

على عكس كل التوقعات لم يصب أي من المتطوعين الأصحاء بالإنفلونزا.


ونشرت هذه الدراسة في  مجلة  PLOS Pathogens ، وتعد أول تجربة سريرية في بيئة مضبوطة تحلل انتقال الإنفلونزا عبر الهواء بين أشخاص مصابين طبيعيا، وليسوا مصابين عمدا في المختبر، وأشخاص غير مصابين، وهي تقدم معطيات ثمينة حول ظروف الانتقال الفعلية للفيروس في الحياة الواقعية.


بالنسبة للدكتور ”دونالد ميلتون” اخصائي علم الأوبئة وأحد المشاركين في إعداد الدراسة، يبقى السؤال محوريا: ” في فصل الشتاء نشعر وكأن الجميع يصاب بالإنفلونزا ومع ذلك لم تسجل دراستنا أي انتقال للعدوى ، ماذا يعني ذلك؟”

وقد برز عاملان أساسيان.


العامل الأول هو السعال:
فرغم أن الطلاب كانوا مصابين فعلا بالإنفلونزا مع حمولة فيروسية مرتفعة في الإفرازات الأنفية، فإنهم كانوا يسعلون نادرا. ويعد السعال عنصرا رئيسيا في نشر الجزيئات الفيروسية في الهواء. وغيابه يقلل بشكل كبير من كمية الفيروس العالق في الجو، ما يحد من خطر العدوى.


العامل الثاني يتعلق بجودة الهواء:
الغرفة كانت مجهزة بنظام تدفئة وجهاز لإزالة الرطوبة ما وفر تجديدا مستمرا للهواء. ويشرح ”جيانيو لاي” المؤلف الأول للدراسة: “كان الهواء يتجدد بسرعة، ما يسمح بتخفيف كميات الفيروس القليلة الموجودة”.
وهكذا تؤدي التهوية الجيدة إلى خفض تركيز الجزيئات الفيروسية وتقليل خطر الانتقال عبر الهواء.


وأشار الباحثون ايضا إلى أن المتطوعين غير المصابين كانوا من البالغين في منتصف العمر، وهي فئة أقل عرضة للإصابة بالإنفلونزا مقارنة بالأطفال والمراهقين والشباب، ومن المرجح أن يكون هذا العامل قد ساهم في غياب العدوى.


بالنسبة للدكتور ميلتون، الرسالة واضحة: أخطر المواقف هي تلك التي نعيشها يوميا، فالاقتراب الشديد من الآخرين وجها لوجه، داخل أماكن مغلقة سيئة التهوية، يمثل السياق الأكثر خطورة.


تعزز نتائج الدراسة عددا من التوصيات الطبية من بينها:

  • تفضيل الأماكن جيدة التهوية؛
  • تجنب الفضاءات المغلقة ذات دوران الهواء الضعيف؛
  • استخدام أجهزة تنقية الهواء المحمولة في الأماكن الداخلية؛
  • ارتداء الكمامة عند التواجد لفترات طويلة قرب شخص يعاني من أعراض.

وفي حال وجود شخص يسعل يبقى ارتداء كمامة مرشحة من نوع N95 الوسيلة الأكثر فعالية للحماية.


تظهر هذه التجربة أن انتقال الإنفلونزا ليس أمرا حتميا حتى في الأماكن المغلقة. فهو يعتمد على عوامل محددة، أبرزها السعال وجودة التهوية وحركة الهواء، وقابلية الأشخاص المعرضين للإصابة.
وبالإضافة إلى الإجراءات الوقائية التقليدية، تبرز تحسين جودة الهواء داخل المباني كوسيلة أساسية للحد من الأوبئة التنفسية.

الكلمات المفتاحية: الإنفلونزا؛ انتقال فيروسي؛ التهوية؛ الهواء الداخلي؛ السعال؛ كمامة؛ الوقاية؛ الصحة العمومية؛ الفيروسات التنفسية.

إقرأ أيضاً: