صحة جيدة لحياة أفضل

الصحة النفسية: لماذا تتزايد الاضطرابات النفسية في جميع أنحاء العالم وتصبح قضية رئيسية للصحة العامة؟

حرر : صفاء كوثر بوعريسة | صحفية
23 يوليو 2026

القلق، والاكتئاب، واضطراب ثنائي القطب، والفصام، واضطرابات السلوك… أصبحت الاضطرابات النفسية اليوم أحد أكبر التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين. ووفقًا لتحليل دولي واسع نُشر في المجلة العلمية The Lancet، كان نحو شخص واحد من كل سبعة أشخاص في العالم يعيش مع اضطراب نفسي في عام 2023.

ارتفاع عالمي يثير قلق الباحثين

إذا كان من الممكن في السابق تفسير ارتفاع عدد الحالات بالنمو السكاني أو بتحسن تشخيص الأمراض النفسية والتعرف عليها، فإن البيانات الجديدة تكشف واقعًا أكثر إثارة للقلق، إذ إن ازدياد الاضطرابات النفسية يتجاوز بكثير تأثير الزيادة السكانية.

وقام باحثو برنامج Global Burden of Disease (GBD) 2023 بتحليل أكثر من ثلاثين عامًا من البيانات الواردة من 204 دول وأقاليم، بهدف تقييم التطور الحقيقي للصحة النفسية على المستوى العالمي.

زيادة تتجاوز بكثير النمو السكاني

وفقًا لتقديرات الدراسة كان نحو 1.17 مليار شخص يعيشون مع اضطراب نفسي في عام 2023، ويمثل هذا الرقم ما يقارب ضعف عدد الحالات المسجلة عام 1990. والأكثر لفتًا للانتباه أنه بعد إجراء تعديلات إحصائية تأخذ في الاعتبار التغيرات الديموغرافية وشيخوخة السكان، لاحظ الباحثون زيادة تجاوزت 24%  في المعدل المعياري حسب العمر، وبعبارة أخرى فإن الارتفاع الملحوظ لا يفسَّر فقط بزيادة عدد سكان العالم، بل إن الاضطرابات النفسية أصبحت بالفعل أكثر شيوعًا وأكثر تأثيرًا من حيث عبئها على الصحة العامة.

تكشف الدراسة أن الاضطرابات النفسية تمثل الآن 6.1%  من إجمالي العبء الصحي العالمي، وأصبحت اليوم السبب الأول عالميًا لسنوات العيش مع الإعاقة، متقدمة على العديد من الأمراض المزمنة، وتشمل أبرز الاضطرابات المعنية:

  • اضطرابات القلق.
  • الاكتئاب الشديد.
  • اضطراب ثنائي القطب.
  • الفصام.
  • بعض اضطرابات النمو العصبي النفسي.

وفي عام 1990 كانت الاضطرابات النفسية تحتل المرتبة الثانية عشرة بين أسباب فقدان سنوات الحياة الصحية، لكنها أصبحت اليوم تحتل المرتبة الخامسة عالميًا، ما يعكس تزايد تأثيرها في جودة حياة السكان.

مزيج من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيولوجية: يرى المتخصصون أنه لا يوجد سبب واحد يفسر هذا الارتفاع، بل يبدو أن عدة عوامل تتداخل في الوقت نفسه، من بينها:

التوتر المزمن والضغوط الاجتماعية: تعرّض أنماط الحياة الحديثة الأفراد بشكل أكبر لمواقف التوتر المستمر مثل:

  • الهشاشة أو الضائقة المالية.
  • عدم الاستقرار المهني.
  • ضغط العمل المفرط.
  • الضغوط الدراسية.
  • العزلة الاجتماعية.

ويؤدي التعرض المتكرر للتوتر على وجه الخصوص، إلى زيادة خطر الإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب.

تداعيات الأزمات العالمية: شهدت العقود الأخيرة العديد من الأزمات منها:

  • الأزمات الاقتصادية.
  • النزاعات المسلحة.
  • نزوح السكان.
  • الكوارث المناخية.
  • جائحة كوفيد 19.

وقد أثرت هذه الأحداث بشكل كبير في الصحة النفسية لملايين الأشخاص.

الإفراط في الاتصال الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي: لدى الفئات الأصغر سنًا يهتم الباحثون أيضًا بالتأثير المحتمل لكل من:

  • وسائل التواصل الاجتماعي.
  • المقارنة المستمرة مع الآخرين.
  • التنمر الإلكتروني.
  • التعرض الدائم للأخبار المثيرة للقلق.

ورغم أن الآليات لا تزال معقدة فإن عدة دراسات تشير إلى وجود علاقة بين الاستخدام المفرط للشاشات وتدهور الصحة النفسية.

تحسن اكتشاف الاضطرابات: يرجع جزء من الزيادة المسجلة أيضًا إلى تحسن تشخيص الاضطرابات النفسية، فاليوم أصبح عدد أكبر من الأشخاص يلجؤون إلى الاستشارة الطبية ويحصلون على تشخيص، في حين كانت معاناة نفسية كثيرة في السابق تبقى غير مرئية أو دون علاج.

مرحلة شديدة الهشاشة

حددت الدراسة المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عامًا باعتبارهم الفئة التي تتحمل أكبر عبء صحي مرتبط بالاضطرابات النفسية، وتتميز هذه المرحلة بالعديد من التحولات منها:

  • نمو الدماغ بشكل كبير.
  • بناء الهوية الشخصية.
  • الضغوط الدراسية.
  • التغيرات الهرمونية.
  • السعي إلى الاستقلالية.

وغالبًا ما تظهر اضطرابات القلق والاكتئاب في هذا العمر وقد تكون لها انعكاسات كبيرة على:

  • النجاح الدراسي.
  • العلاقات الاجتماعية.
  • تقدير الذات.
  • الاندماج المهني مستقبلًا.

ويؤكد الباحثون أن الصعوبات النفسية المبكرة تزيد أيضًا من خطر استمرار الاضطرابات في مرحلة البلوغ إذا لم تُعالج في وقت مبكر.

عوامل متعددة

تشير البيانات إلى أن النساء يعانين بشكل عام، من عبء أكبر مرتبط بالاضطرابات النفسية مقارنة بالرجال، وتُطرح عدة تفسيرات لذلك:

عوامل اجتماعية

تتعرض النساء بدرجة أكبر إلى:

  • العنف الأسري أو عنف الشريك.
  • العنف الجنسي.
  • التمييز.
  • عدم المساواة في العمل.
  • العبء الذهني المرتبط بالمسؤوليات الأسرية.

عوامل بيولوجية

قد تؤثر بعض المراحل الفسيولوجية أيضًا في الصحة النفسية مثل:

  • الحمل.
  • فترة ما بعد الولادة.
  • التقلبات الهرمونية.
  • انقطاع الطمث.

مسؤوليات الرعاية

في العديد من البلدان لا تزال النساء يتحملن الجزء الأكبر من مسؤوليات رعاية الأطفال، أو الأقارب المعالين أو كبار السن وهو ما قد يزيد من الضغوط النفسية.

عواقب تتجاوز الجانب الصحي

تؤثر الاضطرابات النفسية في العديد من جوانب الحياة اليومية منها:

  • النجاح الدراسي.
  • الاندماج في سوق العمل.
  • العلاقات الأسرية.
  • الاستقلالية.
  • جودة الحياة.

كما تمثل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا بسبب:

  • التغيب عن العمل.
  • الإجازات المرضية.
  • انخفاض الإنتاجية.
  • ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.

ويرى الخبراء أن الاستثمار في الوقاية وتسهيل الوصول إلى خدمات الرعاية النفسية أصبح أولوية عالمية في مجال الصحة العامة.

عادات بسيطة لكنها فعالة

رغم أنه لا يمكن الوقاية من جميع الاضطرابات النفسية بشكل كامل، فإن هناك إجراءات تساعد على تعزيز الصحة النفسية منها:

  • ممارسة نشاط بدني بانتظام.
  • الحصول على قسط كافٍ من النوم.
  • الحفاظ على علاقات اجتماعية جيدة.
  • الحد من العزلة.
  • تقليل الوقت الذي يُقضى أمام الشاشات عندما يصبح مفرطًا.
  • اتباع نظام غذائي متوازن.
  • تعلم إدارة التوتر.
  • طلب المساعدة سريعًا عند استمرار المعاناة النفسية.

يُنصح بالحصول على مساعدة طبية أو نفسية عندما تستمر الأعراض لعدة أسابيع مثل:

  • الحزن المستمر.
  • القلق المفرط.
  • اضطرابات النوم.
  • فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة.
  • التهيج الشديد.
  • صعوبات التركيز.
  • العزلة الاجتماعية.
  • الإرهاق العاطفي.

ويساهم التدخل المبكر بشكل كبير في تحسين فرص التعافي والحد من التأثيرات السلبية في الحياة الشخصية أو الدراسية أو المهنية.

تُظهر نتائج هذه الدراسة الواسعة أن الصحة النفسية أصبحت أحد أهم المحددات لجودة الحياة في العالم. ويؤكد الارتفاع المستمر في الاضطرابات النفسية ولا سيما بين المراهقين والنساء، ضرورة الاستثمار بشكل أكبر في الوقاية والكشف المبكر وإتاحة الوصول إلى خدمات الرعاية المتخصصة.

وإلى جانب العلاجات يذكّر الخبراء بأن وضع سياسة فعالة للصحة النفسية يتطلب أيضًا الحد من أوجه عدم المساواة الاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر هشاشة، ومكافحة الوصمة التي لا تزال ترتبط بالاضطرابات النفسية في كثير من المجتمعات.

الكلمات المفتاحية: الصحة النفسية، الاضطرابات النفسية، الاكتئاب، القلق، المراهقون، النساء، الصحة العامة، الرفاه النفسي، الضغط النفسي، التوتر المزمن، اضطرابات القلق، الوقاية، جودة الحياة، المعاناة النفسية، الرعاية الصحية، الطب النفسي، العالمية.

اقرأ أيضاً: