
لا يقتصر تأثير التبغ على زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة فحسب، بل كشفت دراسة جينية حديثة أن المواد المسرطنة الموجودة في دخان السجائر تترك بصمة جزيئية حقيقية في الحمض النووي يمكن العثور عليها في العديد من أنواع السرطان، بما في ذلك سرطانات الكلى، والبنكرياس، والبروستاتا، والكبد، وكذلك بعض أنواع الأورام اللمفاوية. ويقدم هذا الاكتشاف فهماً جديداً للآليات التي يساهم من خلالها التدخين في نشوء الأورام في أعضاء لا تتعرض مباشرة لدخان السجائر.
بصمة يتركها الدخان حتى داخل الحمض النووي
وأظهر الباحثون أن كل تعرض لدخان التبغ يمكن أن يترك آثاراً دائمة في المادة الوراثية للخلايا، وتتراكم هذه التغيرات مع مرور السنوات، مما يزيد تدريجياً من خطر تحول الخلايا إلى خلايا سرطانية.
أكثر من 60 مادة مسرطنة في دخان السجائر
يُعد دخان التبغ خليطاً شديد التعقيد، إذ يحتوي على أكثر من 7000 مركب كيميائي، من بينها ما لا يقل عن 60 مادة مصنفة كمسرطنة من قبل السلطات الصحية الدولية، ومن أبرز هذه المواد:
- الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات .
- النيتروزامينات الخاصة بالتبغ.
- البنزين.
- الفورمالديهايد.
- الزرنيخ.
- الكادميوم.
- البولونيوم المشع.
وتستطيع هذه المواد إحداث أضرار مباشرة في الحمض النووي للخلايا، وعندما تصبح آليات الإصلاح الطبيعية غير كافية، تتراكم الطفرات الوراثية، مما قد يؤدي في النهاية إلى ظهور السرطان.
بصمة جينية خاصة بالتبغ
منذ عدة سنوات، يهتم العلماء بما يُعرف بالبصمات الطفرية وهي أنماط الطفرات التي تتركها العوامل المسرطنة المختلفة داخل الجينوم، ويمتلك كل عامل خطر “بصمة” مميزة. فعلى سبيل المثال تُحدث الأشعة فوق البنفسجية نوعاً معيناً من الطفرات في سرطانات الجلد، بينما يترك التبغ بدوره بصمة جينية مميزة، وفي عام 2016 تمكنت دراسة واسعة أجراها باحثون أمريكيون وبريطانيون، وشملت الجينوم الكامل لأكثر من 3000 مريض من المدخنين وغير المدخنين، من تحديد هذه البصمة في السرطانات الأكثر تعرضاً لدخان السجائر، ولا سيما سرطان الرئة وسرطان الحنجرة، كما لاحظ الباحثون وجود هذه البصمة أيضاً، ولكن بدرجة أقل، في سرطان الكبد.
طفرات تُكتشف في أعضاء بعيدة عن الجهاز التنفسي
أظهرت أحدث الدراسات أن هذه البصمة الجينية توجد أيضاً في سرطانات تصيب أعضاء لا تتلامس إطلاقاً مع دخان السجائر، وقد رُصدت هذه البصمة في بعض أورام:
- الكلى.
- البنكرياس.
- البروستاتا.
- الكبد.
- المثانة.
- إضافة إلى عدة أنواع من الأورام اللمفاوية.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن المواد السامة المستنشقة لا تبقى محصورة داخل الرئتين، بل تعبر إلى مجرى الدم بعد مرورها عبر الجهاز التنفسي، لتصل إلى معظم أعضاء الجسم، وبمجرد انتقال هذه المركبات عبر الدم، يمكنها إحداث أضرار في الحمض النووي داخل أنسجة مختلفة، مما يعزز احتمال الإصابة بالسرطان، حتى بعد مرور عقود على بدء التدخين.
الطفرات تتراكم مع مرور الزمن
لاحظ الباحثون أيضاً أن عدد الطفرات يزداد مع شدة التدخين ومدة استمراره، فكلما طالت مدة التدخين وازداد عدد السجائر المستهلكة، تراكمت التغيرات الجينية داخل الخلايا. وتشمل بعض هذه الطفرات جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي أو التحكم في انقسام الخلايا، وهما آليتان أساسيتان للوقاية من تكوّن السرطان، وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار ارتفاع خطر الإصابة بالسرطان مع ازدياد سنوات التدخين.
تقدم مهم للبحث العلمي
يمثل تحديد هذه البصمات الطفرية أداة علمية بالغة الأهمية للباحثين، فهي تتيح تتبع منشأ بعض الأورام، وفهم آليات نشوء السرطان بصورة أفضل، كما قد تساهم مستقبلاً في تطوير استراتيجيات أكثر دقة للوقاية، والكشف المبكر والعلاجات الموجهة حسب حالة كل مريض، وقد تساعد هذه البصمات أيضاً في التمييز بين السرطانات المرتبطة بالتدخين وتلك الناتجة عن عوامل بيئية أو وراثية أخرى.
التبغ لا يزال السبب الأول القابل للوقاية من السرطان
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية لا يزال التدخين يمثل السبب الأول للوفاة التي يمكن الوقاية منها على مستوى العالم، وهو مسؤول عن نحو 30% من جميع الوفيات الناجمة عن السرطان، ويرتبط بما لا يقل عن 17 نوعاً من السرطان من بينها:
- سرطان الرئة.
- سرطان الفم.
- سرطان الحنجرة.
- سرطان المريء.
- سرطان المثانة.
- سرطان الكلى.
- سرطان البنكرياس.
- سرطان الكبد.
- سرطان عنق الرحم.
- سرطان المعدة.
- وبعض أنواع ابيضاض الدم (اللوكيميا).
كما أن التدخين السلبي يعرّض غير المدخنين أيضاً للمواد المسرطنة الموجودة في دخان السجائر.
الإقلاع عن التدخين مفيد في جميع الأعمار
حتى بعد سنوات طويلة من التدخين فإن الإقلاع عنه يؤدي إلى انخفاض تدريجي في خطر الإصابة بالسرطان، إذ تستمر آليات إصلاح الحمض النووي في العمل بعد التوقف عن التدخين، مما يحد من ظهور طفرات جديدة. ويتراجع خطر الإصابة مع مرور السنوات، وإن كان لا يعود تماماً إلى مستوى شخص لم يدخن مطلقاً، وكلما تم الإقلاع عن التدخين في وقت مبكر، ازدادت الفوائد الصحية.
توصيات الأطباء
يؤكد الأطباء أنه لا توجد أي كمية آمنة من استهلاك التبغ، فخفض عدد السجائر له فوائد صحية، لكن الإقلاع الكامل عن التدخين يظل الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية من السرطانات المرتبطة بالتبغ، ويمكن للأشخاص الراغبين في الإقلاع الاستفادة من متابعة طبية تشمل بدائل النيكوتين، والعلاجات الدوائية، والدعم النفسي أو استشارات متخصصة في علاج الإدمان على التبغ.
كما يوصي المختصون بتجنب التعرض للتدخين السلبي واتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والمشاركة في برامج الكشف المبكر عن السرطان عند التوصية بها.
الكلمات المفتاحية: التبغ، السرطان، الحمض النووي ،الطفرات الجينية، البصمة ، الدخان، السجائر، الهيدروكربونات ، الرئة، الكلى، البنكرياس، البروستاتا، الأورام اللمفاوية، المواد المسرطنة، الجينوم، التدخين، الوقاية، الإقلاع عن التدخين، علاج الإدمان على التبغ.
اقرأ أيضاً: