صحة جيدة لحياة أفضل

الإجهاضات التلقائية: دراسة كبرى تكشف آلية جينية أساسية وراء عدم قابلية الجنين للحياة

حرر : د. فيوليتا جوليا بوزيو | دكتورة في الطب
8 مارس 2026

في وقت تتراجع فيه معدلات الخصوبة في معظم دول العالم أصبحت خصوبة المرأة قضية مركزية في مجال الصحة العامة. وعلى خلاف الاعتقاد الشائع فإن الحمل بطفل لا يمثل عملية تنتهي بالنجاح بشكل تلقائي. فاليوم لا تؤدي سوى حالة حمل واحدة من كل حالتين إلى ولادة، وتشير التقديرات إلى أن نحو 15 في المئة من حالات الحمل المعروفة تنتهي بإجهاض تلقائي، بينما يحدث عدد كبير من حالات توقف الحمل في مراحل مبكرة جدا، غالبا قبل أن تدرك المرأة أصلا أنها حامل.

قضية صحية عامة لا تزال غير مفهومة بشكل كاف

حتى في إطار تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب يبقى معدل النجاح محدودا نسبيا، إذ لا يتجاوز في المتوسط 30 في المئة لكل محاولة. وحتى الآن ظلت الأسباب البيولوجية الدقيقة وراء هذه الإخفاقات غير واضحة إلى حد كبير.

وللمرة الأولى تقدم دراسة واسعة النطاق نشرت في المجلة العلمية المرموقة Nature توضيحا حاسما في هذا المجال. فقد تمكن باحثون أمريكيون من تحديد آليات جينية لدى الأم ترتبط مباشرة بقدرة الجنين على الاستمرار في الحياة.

وأجريت الدراسة في جامعة جونز هوبكنز بمدينة بالتيمور، وهي من أبرز مراكز البحث الطبي الحيوي في العالم. وقد قام العلماء بتحليل البيانات الجينية لما يقارب 140 ألف جنين تم تكوينها عبر الإخصاب في المختبر، اعتمادا على تبرعات طوعية قدمها نحو 23 ألف زوج.

وقد أتاحت هذه القاعدة الضخمة من البيانات إجراء تحليل إحصائي وجيني واسع النطاق، يعد غير مسبوق في مجال دراسة التكاثر البشري.

كشفت الدراسة عن وجود عدة جينات لدى الأم تلعب دورا أساسيا في المراحل المبكرة من تطور الجنين. وتؤثر هذه الجينات بشكل خاص في:

  • الانقسام الخلوي الأولي
  • استقرار الكروموسومات داخل الجنين
  • قدرة الرحم على دعم المراحل الأولى من انغراس الجنين

وعندما تكون بعض المتغيرات الجينية موجودة لدى الأم، فإن خطر تكوّن جنين غير قابل للحياة يرتفع بشكل ملحوظ، وذلك بغض النظر عن جودة الحيوانات المنوية أو ظروف الإخصاب.

وقد تؤدي هذه الاضطرابات الجينية إلى:

  • توقف مبكر جدا في تطور الجنين
  • حدوث إجهاض تلقائي
  • أو فشل انغراس الجنين خلال عمليات المساعدة الطبية على الإنجاب

حتى وقت قريب كانت غالبية حالات الإجهاض غير المفسرة ترجع إلى اضطرابات صبغية في الجنين نفسه، وغالبا ما كانت تعتبر عشوائية. غير أن هذه الدراسة تظهر أن الخلفية الجينية للأم تلعب دورا أكثر تأثيرا مما كان يعتقد سابقا.

ويفتح هذا التقدم العلمي عدة آفاق مهمة منها:

  • فهم أفضل للأسباب العميقة للإجهاضات المتكررة
  • إمكانية تحديد النساء الأكثر عرضة للخطر مستقبلا
  • تحسين بروتوكولات تقنيات المساعدة على الإنجاب عبر مراعاة الخصائص الجينية للأم

أما على المدى القريب لا يغير هذا الاكتشاف بعد الممارسات الطبية المعتمدة حاليا، لكنه يضع الأساس لتطوير طب إنجاب أكثر تخصيصا لكل حالة.

وعلى المدى المتوسط والبعيد، قد يسمح هذا التقدم بما يلي:

  • تطوير اختبارات جينية تنبؤية لبعض المريضات
  • تعديل استراتيجيات تحفيز المبايض
  • تحسين دقة اختيار الأجنة، ليس فقط بناء على خصائص الجنين، بل أيضا وفقا للبيئة الجينية للأم

في انتظار تطبيقات سريرية محتملة، يذكّر الأطباء بعدة توصيات أساسية:

  • استشارة الطبيب في حال حدوث إجهاضين متتاليين أو أكثر لإجراء تقييم طبي متخصص
  • متابعة طبية منتظمة لدى طبيب النساء والغدد الصماء، خاصة عند التخطيط للحمل
  • تصحيح عوامل الخطر القابلة للتعديل مثل التوقف عن التدخين وتقليل استهلاك الكحول والحفاظ على وزن صحي

كما ينصح باتباع نظام غذائي متوازن غني بـ:

  • حمض الفوليك
  • الحديد
  • فيتامين د
  • أحماض أوميغا 3

ومن المهم أيضا طلب دعم نفسي عند الحاجة، إذ إن الإجهاضات التلقائية قد تترك أثرا عاطفيا عميقا غالبا ما يتم التقليل من شأنه. كما لا ينبغي تناول أي مكملات غذائية أو علاجات دون استشارة طبية متخصصة.

تمثل هذه الدراسة تقدما علميا مهما في فهم الآليات البيولوجية المعقدة التي تحكم التكاثر البشري. كما تؤكد أن الإجهاضات التلقائية لا تعود إلى الصدفة أو إلى مسؤولية فردية، بل غالبا ما ترتبط بعمليات بيولوجية معقدة وغير مرئية، خارجة عن إرادة المرأة.

من خلال تسليط الضوء على الدور المحوري للجينات لدى الأم، تفتح هذه الأبحاث الطريق نحو طب إنجاب أكثر دقة وإنسانية، وأكثر توافقا مع الحقائق البيولوجية للنساء.

الكلمات المفتاحية: الخصوبة، خصوبة المرأة، الإجهاض التلقائي، الجنين، قابلية الحياة، الجينات، الحمل، الوقاية الطبية، الصحة.

إقرأ أيضاً: