ماذا لو كان بإمكان اختبار جيني بسيط يُجرى عند الولادة، أن يتنبأ بخطر إصابة الطفل بالسمنة في سن الرشد؟ هذا هو الرهان الجريء الذي نجح فيه باحثون من جامعة كوبنهاغن في الدنمارك، بالتعاون مع علماء من جامعة بريستول في المملكة المتحدة. فمن خلال تحليل أكثر من 9000 جزء صغير من الحمض النووي تُعرف باسم “المتغيرات الجينية”، طور الباحثون أداة قادرة على تقدير احتمال إصابة الطفل بزيادة في الوزن أو السمنة منذ أيامه الأولى.
السمنة: آلية أعقد مما نتصور
وعلى عكس بعض الأمراض المرتبطة بجين واحد، مثل التليف الكيسي أو فقر الدم المنجلي، فإن السمنة لا تعتمد على عامل واحد فقط، بل تنجم عن لغز وراثي معقد، حيث يؤدي كل متغير دورًا ضئيلًا لكنه مهم. فعندما تؤخذ هذه المتغيرات بشكل فردي، يكون تأثيرها شبه معدوم، لكن عند تجميعها، يمكن أن تميل الكفة نحو زيادة الوزن.
أحجية وراثية من 9000 قطعة
توضح الباحثة “روث لوس” وهي خبيرة في علم الوراثة والتغذية ورئيسة الفريق العلمي: «لقد حددنا حوالي 9000 من هذه المتغيرات، لكل منها دور صغير، كأنها قطرات ماء تملأ دلوًا عند جمعها». وتؤثر هذه المتغيرات على جوانب متعددة مثل الإحساس بالجوع، وسرعة حرق السعرات الحرارية، وطريقة تخزين الجسم للدهون.
الطب التنبؤي: التدخل قبل ظهور المشكلة
لا يهدف هذا الاختبار إلى إثارة الخوف أو وصم الأطفال بل يوفّر أداة للإنذار المبكر. فعندما نعرف أن طفلاً ما معرض بشدة لخطر السمنة، يصبح من الممكن التدخل مبكرًا كاعتماد تغذية صحية منذ السنوات الأولى، وتشجيع النشاط البدني، وتجنب الإفراط في استخدام الشاشات، وترسيخ العادات الجيدة منذ الصغر.
الكشف عن المخاطر لتفاديها
ومن خلال هذا التدخل المبكر يمكن الوقاية من أمراض خطيرة مرتبطة بالسمنة مثل السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب.
الوراثة لا تفسر كل شيء: البيئة تلعب دورًا أساسيًا
ورغم ما يفتحه هذا الاختبار من آفاق جديدة، يجب ألا ننسى أن نمط حياتنا له تأثير كبير، فوجود استعداد وراثي لا يعني حتمية الإصابة بالسمنة، إنه أشبه بامتلاك مظلة قد تمطر لكن بإمكانك أن تختار إن كنت ستفتحها أم لا. فالغذاء والنشاط البدني والنوم والتوتر والدعم العائلي جميعها عوامل حاسمة.
اختبار لا يعني مصيرًا حتميًا
لذلك لا يغني هذا الاختبار عن جهود الوقاية والتثقيف الصحي بل يُكملها، ويساعد على تحديد الأطفال المعرضين للخطر لمرافقتهم من البداية بلطف ووعي دون أحكام.
أداة مستقبلية للسياسات الصحية
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو طفل من كل خمسة حول العالم يعاني من زيادة الوزن أو السمنة. ويستمر هذا الرقم في الارتفاع لا سيما في الدول الصناعية، وأيضًا في بعض مناطق إفريقيا وآسيا. وبفضل هذا الاختبار الجيني يمكن للسلطات الصحية إطلاق برامج موجهة مثل تقديم نصائح غذائية، أنشطة بدنية في المدارس، ودعم خاص للأسر الهشة.
مكافحة وباء صامت منذ السنوات الأولى
العلم في خدمة مستقبل أكثر صحة
تمهد هذه الخطوة العلمية الطريق لطب أكثر وقاية، أكثر تخصيصًا والأهم من ذلك أكثر إنسانية، فالوقاية خير من العلاج، ومن خلال تحديد الأطفال المعرضين لخطر السمنة منذ المهد، يتيح هذا الاختبار فرصة لكل طفل لينمو بصحة جيدة. ليست معجزة، لكنها أداة ثمينة لبناء مستقبل أكثر خفة بالمعنيين الحرفي والمجازي.
الكلمات المفتاحية:السمنة، الوراثة، الحمض النووي، اختبار، الطب، وقائي، مخصص
إقرأ أيضاً: