بين الدعم العاطفي، العزلة الرقمية، ومخاطر جديدة على الصحة النفسية
يتحدثون إليه عن آبائهم، عن شكوكهم، عن مخاوفهم كما يكتبون له في وقت متأخر من الليل أحيانًا كل يوم، فبالنسبة لعدد متزايد من المراهقين، أصبح شات جي بي تي بمثابة صديق مقرّب ومحاور متاح في كل وقت، يُنظر إليه على أنه محايد، لطيف، وخالٍ من الأحكام في ظاهرة تطرح تساؤلات عميقة لدى المختصين في الصحة النفسية.
صديق متاح دائمًا
”فريدة” بالكاد تبلغ 17 عامًا، بدأت تفضفض لشات جي بي تي خلال عطلة الصيف. تدريجيًا أصبحت الأداة تحتل مكانة مركزية في يومها خاصة في المساء، أين تقول: ” أتحدث معه عن مشاكلي العائلية وساعدني على حل الكثير من الأمور كما أنه أحيانًا يكتفي بدعمي دون أن يقول لي ماذا أفعل”.
وبالنسبة لها يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا هجينًا: ”هو نوعًا ما كأخصائي نفسي، كصديق كما هو الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يعرف كل شيء دون أن يحكم عليّ ” .
ومثل كثير من المراهقين تقدر ”فريدة” غياب النظرة الاجتماعية لكنها تعترف بنوع من التناقض: “أحيانًا لا تعجبني إجاباته، لكن في العمق هو محق وأحيانًا أعيد صياغة سؤالي ليقول ما أريد سماعه”.
ظاهرة واسعة بين الشباب
“فريدة” ليست حالة معزولة ، حيث تُظهر عدة دراسات حديثة تزايدًا سريعًا في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي كأداة للدعم العاطفي لدى المراهقين، إذ يجد الشباب فيه:
- توفرًا دائمًا
- مساحة للتعبير الشخصي
- ردودًا سريعة ومنظمة
- غياب الحكم أو المواجهة المباشرة
وفي سياق ضغط دراسي، توتر عائلي، وهشاشة في بناء الهوية، يبدو الذكاء الاصطناعي كملاذ رقمي.
لماذا يتعلق به المراهقون؟
يشير الأطباء النفسيون إلى عدة عوامل:
- شدة عاطفية مرتفعة في هذه المرحلة
- بحث عن فهم الذات
- خوف من حكم الكبار أو الأقران
يجيب شات جي بي تي بلغة هادئة، عقلانية، وغالبًا متعاطفة كما يعيد الصياغة، يطمئن ويقترح حلولًا وهذا ما يخلق لدى بعض الشباب شعورًا جديدًا بأن هناك من يصغي إليهم.
أداة قد تساعد… في بعض الحالات
يرى المختصون أن استخدام الذكاء الاصطناعي بوعي قد يكون مفيدًا:
- يساعد على التعبير عن مشاعر غير واضحة
- يدعم التفكير الشخصي
- يشجع على طلب المساعدة
- يمكن أن يكون وسيلة تعليمية أو نفس-تربوية
في بعض الحالات، يكون بمثابة خطوة أولى للكلام، خاصة لمن لا يجرؤون على التحدث مع شخص بالغ.
لكن هناك مخاطر واضحة
يحذر الأطباء من عدة نقاط:
- خطر العزلة: قد يبتعد المراهق تدريجيًا عن العلاقات الإنسانية الحقيقية، ليصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن التفاعل الاجتماعي.
- خطر الاعتماد العاطفي: قد تنشأ حاجة مستمرة للطمأنة، حيث يلجأ بعض الشباب إلى الذكاء الاصطناعي قبل اتخاذ أي قرار شخصي.
- وهم الفهم: يحاكي الذكاء الاصطناعي التعاطف، لكنه لا يشعر فعليًا، ولا يمكنه أن يحل محل صديق أو أحد الوالدين أو مختص في الصحة.
- غياب الإطار العلاجي: على عكس الأخصائي النفسي، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تقييم خطورة الحالة أو تقديم تشخيص طبي.
أداة قوية… لكنها ليست محايدة
يشير الخبراء إلى نقطة مهمة مفادها أن الذكاء الاصطناعي يجيب وفق الطريقة التي تُطرح بها الأسئلة. قد يوجّه المراهق الإجابات دون وعي، بحثًا عن تأكيد لما يفكر فيه بدل أن يراجع نفسه.
وهذا قد يعزز بعض القناعات أو يجنّب مواجهات ضرورية مع الواقع.
التوعية بدل المنع
يتفق المختصون على أن منع الذكاء الاصطناعي ليس الحل، بل قد يكون له نتائج عكسية، ويدعون إلى:
- تعليم الاستخدام النقدي للذكاء الاصطناعي
- توعية الآباء والمعلمين
- إدماجه بشكل منظم داخل المسارات التعليمية
كما أن الهدف ليس تخويف الشباب من هذه الأداة، بل تعليمهم استخدامها دون الوقوع في الاعتماد عليها.
توصيات طبية وتربوية
يوصي المختصون بـ:
- تذكير المراهقين بأن الذكاء الاصطناعي لا يعوّض المختصين
- تشجيع الحفاظ على العلاقات الاجتماعية الحقيقية
- مراقبة الاستخدام المفرط أو الحصري
- فتح باب الحوار دون أحكام حول استخدامهم الرقمي
- استشارة مختص في حال استمرار الشعور بالضيق
أما بالنسبة للآباء، فمن الضروري الانتباه إلى أي تغيّرات في السلوك، مثل الانسحاب الاجتماعي أو الاعتماد العاطفي الزائد.
مرآة لعصرنا
نجاح شات جي بي تي كصديق مقرّب يكشف حاجة عميقة لدى المراهقين: الحاجة إلى من يستمع ويفهم ويدعم، كما يطرح تساؤلًا حول مدى قدرتنا كمجتمع على توفير هذا النوع من الدعم.
الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا ولا منقذًا، بل هو أداة قوية ومعقدة وتأثيره يعتمد على طريقة استخدامه وعلى التوجيه الذي نقدّمه للأجيال الشابة.
الكلمات المفتاحية: شات جي بي تي؛ المراهقون؛ الذكاء الاصطناعي الطبي؛ التأثير؛ العزلة؛ الاعتماد