صحة جيدة لحياة أفضل

الانفصال العاطفي: ما تكشفه العلوم عن الوقت اللازم لنسيان الشريك السابق

حرر : د. فتاح زورة | طبيب نفسي
6 مايو 2026

إنهاء علاقة لا يعني طي الصفحة فورا، فحتى عندما يكون القرار واضحا، فإن الانفصال العاطفي يحتاج إلى وقت، وبعيدا عن الأفكار الشائعة يبين العلم أن هذه العملية بطيئة ومنظمة ومتجذرة بعمق في طريقة عمل الدماغ.

عملية عاطفية أطول مما نعتقد

بعد الانفصال قد تبدو العودة إلى حياة “طبيعية” أمرا صعبا، وهذا الشعور ليس غير طبيعي بل يعكس ببساطة استمرار آليات التعلق.

في كل علاقة عاطفية يتشكل رابط تعلق بشكل تدريجي، وهذا المفهوم المنبثق من أبحاث علم النفس يصف حاجة أساسية لدى الإنسان: الحاجة إلى الأمان العاطفي.

ومع مرور الوقت يصبح الشريك:

  • مصدرا للراحة
  • نقطة ارتكاز في مواجهة التوتر
  • دعما عاطفيا دائما

وتترسخ هذه الآليات التلقائية في الدماغ عبر تكرار التفاعلات اليومية، لذلك بعد الانفصال لا يختفي هذا النظام فجأة، فالدماغ يستمر في ربط الشريك السابق بشكل من أشكال الاستقرار العاطفي والنتيجة: أفكار متكررة، ذكريات مستمرة، وربما شعور بالفراغ العاطفي، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود رغبة في العودة إلى العلاقة.

تقدم دراسة حديثة نقلها موقع Psychology Today، توضيحا ملموسا، أين أُجريت الدراسة سنة 2025 على 328 شخصا عاشوا علاقة استمرت عامين على الأقل، وحللت تطور الرابط العاطفي بعد الانفصال.

يحتاج التعلق في المتوسط إلى أربع سنوات حتى ينخفض بنسبة 50%.

وتظهر مساران أساسيان:

  • تراجع تدريجي: يضعف الرابط لكنه لا يختفي تماما أبدا
  • انطفاء عاطفي: يصبح التعلق غير نشط، إلى أن يتوقف عن التأثير في المشاعر

وفي النهاية لدى أغلب الأفراد، يصبح رد الفعل تجاه الشريك السابق مشابها لرد الفعل تجاه شخص غريب.

تختلف مدة الانفصال العاطفي بشكل كبير حسب البنية النفسية لكل شخص.

  • التعلق التجنبي: يساعد على اتخاذ مسافة عاطفية بسرعة أكبر
  • التعلق القلق: يجعل الرابط العاطفي أكثر استمرارا

في المقابل تؤكد المعطيات العلمية بوضوح أن الجنس لا يؤثر بشكل كبير في هذه العملية، فالرجال والنساء يتطورون بوتيرة متقاربة، وهناك نقطة أساسية أخرى وهي أن الدخول في علاقة جديدة لا يمحو تلقائيا العلاقة السابقة، فقد تتعايش التعلقات العاطفية مؤقتا خاصة وأن الدماغ لا “يستبدل” رابطا عاطفيا كما يغير عادة يومية.

مع مرور الوقت تحدث عدة تغيرات:

  • تفقد المشاعر حدتها
  • تصبح الذكريات أقل حضورا وإلحاحا
  • يتراجع حضور الشريك السابق تدريجيا

هذه العملية هي تعبير طبيعي عن قدرة الإنسان على بناء روابط عميقة ودائمة وهي دليل على عمق الالتزام العاطفي، وليست دليلا على العجز عن المضي قدما.

لمرافقة هذه العملية الطبيعية يوصى بعدة خطوات:

  • تقبل الوقت اللازم: تجنب فرض مهل غير واقعية على النفس
  • الحد من المحفزات: تقليل التعرض للذكريات مثل وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل
  • الحفاظ على روتين مستقر: النوم، التغذية، والنشاط البدني
  • التعبير عن المشاعر: الحديث مع شخص قريب أو استشارة مختص
  • تعزيز الاستقلال العاطفي: تطوير أنشطة شخصية
  • تجنب علاقات “التعويض”: لأنها غالبا ما تعقد عملية الانفصال العاطفي

أما في حال استمرار المعاناة مثل الحزن الشديد، العزلة، أو فقدان الاهتمام، قد يكون الدعم من طرف أخصائي نفسي مفيدا.

نسيان الشريك السابق لا يحدث بقرار مفاجئ بل هو عملية بيولوجية ونفسية، فالدماغ يحتاج إلى وقت لتعطيل رابط عاطفي متجذر بعمق، كما أن فهم هذه الآلية يساعد على النظر إلى المرحلة بواقعية أكبر، وعبورها بوعي وهدوء.

الكلمات المفتاحية: الانفصال، العلاقة العاطفية، التعلق، علم النفس، الدماغ، الحداد العاطفي، الحب، الوقت، التعافي، العلاقة، المشاعر، الذاكرة، الذاكرة العاطفية، الصحة النفسية.

مقالات في نفس الموضوع