يسعى المجمع الصيدلاني العمومي صيدال إلى تعزيز صادراته نحو إفريقيا وتوسيع شراكاته الصناعية. ويهدف هذا التوجه القائم على نقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي للأدوية وتطوير العلاجات المبتكرة وتصنيع المواد الأولية إلى ترسيخ الحضور الجزائري في الأسواق الإفريقية مع تقليص اعتماد البلاد على الواردات.
إفريقيا محور استراتيجي لتطوير نشاط صيدال
يعتزم المجمع الصيدلاني العمومي صيدال الانتقال إلى مرحلة جديدة في مسار توسعه الدولي. فقد أعلن مديره العام “يونس بوعرعارة” يوم الثلاثاء بالجزائر العاصمة عن اعتماد استراتيجية طموحة تهدف إلى تعزيز صادرات الأدوية نحو البلدان الإفريقية وتوسيع الشراكات الصناعية للمجمع.
وأوضح المسؤول على هامش يوم دراسي وتكويني خُصص لتصدير المنتجات الصيدلانية والمستلزمات الطبية أن صيدال تصدّر حاليًا منتجاتها إلى أكثر من عشرة بلدان إفريقية، ويتمثل الهدف حاليًا في توسيع هذا الحضور التجاري من خلال تجاوز الاكتفاء بتوريد الأدوية. إذ يسعى المجمع إلى تقديم مرافقة صناعية للبلدان الشريكة تشمل على وجه الخصوص نقل التكنولوجيا والمساعدة التقنية ودعم تطوير القدرات المحلية لإنتاج الأدوية، ويعكس هذا التوجه إرادة جعل الخبرة الصناعية الجزائرية رافعة لتعزيز التعاون الصحي والاقتصادي مع القارة الإفريقية.
بنين وتنزانيا: سوقان تتمتعان بإمكانات واعدة
في هذا السياق ذكّر “يونس بوعرعارة” بزيارتيه الأخيرتين إلى بنين وتنزانيا، وهما بلدان يمثلان سوقين استراتيجيتين في غرب إفريقيا وشرقها على التوالي، وسلّط المدير العام لصيدال الضوء على الإمكانات التي تتمتع بها هاتان المنطقتان، مشيرًا إلى الثقل الديمغرافي للبلدان المجاورة التي يتجاوز مجموع سكانها 600 مليون نسمة، ويمثل هذا الحجم السكاني فرصة تجارية محتملة لمنتجي الأدوية بالنظر إلى الاحتياجات المتزايدة للعلاجات وتطور الأنظمة الصحية.
غير أن التموقع المستدام في هذه الأسواق يتطلب الاستجابة لعدة شروط تشمل الامتثال للمتطلبات التنظيمية وجودة المنتجات وتنافسية الأسعار وموثوقية الإمدادات والتكيف مع الاحتياجات العلاجية المحلية، وبالنسبة لصيدال يكمن التحدي في تحويل هذه الإمكانات إلى شراكات تجارية وصناعية مستدامة.
من تصدير الأدوية إلى الإنتاج المحلي: نموذج جديد للتعاون
ويسعى المجمع أيضًا إلى تعزيز مقاربة تقوم على تطوير القدرات الإنتاجية للبلدان الشريكة، وخلال المؤتمر الوزاري حول الإنتاج المحلي للأدوية والتكنولوجيات الصحية الأخرى في إفريقيا، الذي نظمته الجزائر في نوفمبر 2025 اقترحت صيدال آلية للمرافقة التدريجية، وتقوم هذه المقاربة في مرحلتها الأولى على إنتاج الأدوية المعنية داخل الوحدات الصناعية للمجمع خلال مرحلة تأهيلها، على أن تتيح لاحقًا الشروع في نقل التكنولوجيا ودعم تطوير الإنتاج في البلدان الشريكة.
وبحسب “يونس بوعرعارة” فقد حظي هذا المقترح باستقبال إيجابي من البلدان المعنية، ومن شأن هذه المقاربة أن تساهم في تعزيز الكفاءات التقنية المحلية وتسهيل الحصول على الأدوية وتطوير قدرات صناعية تتناسب مع احتياجات السكان، كما تندرج ضمن الجهود المبذولة على المستوى الإفريقي لتعزيز الإنتاج الصيدلاني داخل القارة وتقليص الاعتماد على الإمدادات الخارجية، ويمثل نقل التكنولوجيا في هذا السياق تحديًا رئيسيًا، إذ يتطلب استثمارات وتكوينًا متخصصًا وبنى تحتية ملائمة إلى جانب الالتزام بمعايير صارمة للجودة والسلامة الصيدلانية.
البنوك الجزائرية حلقة أساسية في دعم الصادرات
إلى جانب القدرات الصناعية، يعتمد تطوير الصادرات أيضًا على التحكم في العمليات التجارية والمالية، وفي هذا الإطار، شدد المدير العام لصيدال على ضرورة تعزيز حضور البنوك الجزائرية في الأسواق الإفريقية، لا سيما في غرب القارة وشرقها، ويهدف هذا التوجه إلى تسهيل المعاملات الدولية وتأمين المدفوعات وتقليص المخاطر المرتبطة بعمليات التصدير، ويشكل توفر حلول مصرفية ملائمة عاملًا مهمًا للمؤسسات الراغبة في تطوير أنشطتها على المستوى الدولي، إذ يسهل عمليات الدفع عبر الحدود وتمويل العقود وإدارة المخاطر التجارية.
وبالنسبة للمتعاملين في القطاع الصيدلاني، يُفترض أن تساهم هذه الآليات أيضًا في تأمين العلاقات مع الموزعين والشركاء الصناعيين بما يضمن استمرارية المبادلات، وعليه فإن تعزيز المرافقة المصرفية يمثل عنصرًا مكملًا لا غنى عنه للاستراتيجية الصناعية والتجارية لصيدال.
أدوية السرطان: تعزيز العرض الموجه للسوق الوطنية
بالتوازي مع طموحاتها الدولية، تعتزم صيدال مواصلة استثماراتها لضمان توفر الأدوية في الجزائر، وأوضح “يونس بوعرعارة” أن المجمع يعمل على تجسيد مشاريع صناعية جديدة تستهدف الأدوية التي تشهد طلبًا مرتفعًا، ولا سيما الأدوية المضادة للسرطان، وتستجيب هذه الاستثمارات لتحدٍّ رئيسي في مجال الصحة العمومية، إذ تتطلب علاجات السرطان توفرًا منتظمًا وجودة صيدلانية لا تشوبها شائبة وتنظيمًا دقيقًا لعمليات الإنتاج والتوزيع، ومن شأن تطوير القدرات الوطنية أن يساهم في تلبية احتياجات السوق بشكل أفضل وتأمين بعض الإمدادات وتعزيز الاستقلالية الصيدلانية للبلاد تدريجيًا.
غير أن تجسيد هذه الأهداف سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، من بينها القدرة الإنتاجية والمتطلبات التنظيمية وتوفر المواد الأولية والتحكم في العمليات الصناعية.
المواد الأولية: وحدة لإنتاج المادة الفعالة للباراسيتامول مرتقبة في باتنة
من بين المشاريع التي استعرضها المسؤول إنتاج المواد الأولية الصيدلانية، وهو قطاع استراتيجي لتقليص الاعتماد على الواردات، وتطرق “يونس بوعرعارة” على وجه الخصوص إلى زيارته الأخيرة لمصنع إنتاج المادة الأولية للباراسيتامول الواقع بولاية باتنة. ووفقًا لتصريحاته، من المرتقب دخول هذه الوحدة حيز الإنتاج خلال تسعة أشهر.
ويمثل هذا الموعد المرتقب خطوة مهمة في تطوير الصناعة الصيدلانية الوطنية. ويُستخدم الباراسيتامول على نطاق واسع لتخفيف الألم وخفض الحمى، غير أن تصنيعه يتطلب تحكمًا دقيقًا في العمليات الكيميائية وإجراءات مراقبة الجودة والمعايير المطبقة على المواد الأولية الصيدلانية.
ومن شأن الإنتاج المحلي لهذه المادة الفعالة أن يساهم في تأمين جزء من سلسلة إمداد مصنعي الأدوية. ويندرج ذلك ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تطوير القدرات الصناعية في المراحل السابقة لتصنيع الأدوية النهائية، كما يمكن لهذا التطور أن يشجع تنمية الكفاءات المتخصصة ويعزز القيمة المضافة الصناعية المنتجة في الجزائر.
الأدوية المبتكرة والعلاجات الخلوية: تحول صناعي نوعي
تطرق المدير العام لصيدال أيضًا إلى عدة مشاريع قيد الإنجاز في مجالات الأدوية المبتكرة والعلاجات الخلوية والمواد الأولية الصيدلانية، واصفًا هذه التطورات بأنها قفزة نوعية بالنسبة للمجمع، وتعكس هذه التوجهات رغبة في تنويع الأنشطة الصناعية لتتجاوز نطاق الأدوية التقليدية.
وقد تتطلب الأدوية المبتكرة تكنولوجيات إنتاج متقدمة وبنى تحتية متخصصة وإجراءات تقييم شديدة الصرامة. أما العلاجات الخلوية فتعتمد على استخدام الخلايا لأغراض علاجية وتخضع لمتطلبات خاصة تتعلق بالتصنيع وإمكانية التتبع والمراقبة والسلامة.
وبالتالي فإن تطوير هذه المجالات يستلزم استثمارات كبيرة وخبرة علمية متقدمة وتعاونًا وثيقًا بين الصناعيين والباحثين والسلطات الصحية.
وبالنسبة لصيدال تمثل هذه المشاريع فرصة للارتقاء بالمستوى الصناعي وتنويع العرض الصيدلاني الوطني، غير أن أثرها الفعلي سيعتمد على مدى تجسيدها والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة وقدرتها على الاستجابة للاحتياجات الطبية.
مرافقة المؤسسات الجزائرية في مجال التصدير
من جهته أتاح اليوم الدراسي والتكويني المنظم بالجزائر العاصمة أيضًا لممثلين عن عدة قطاعات وهيئات تقديم مداخلات حول آليات مرافقة المتعاملين الاقتصاديين، وتمحورت النقاشات خصوصًا حول التدابير الرامية إلى تسهيل صادرات المنتجات الصيدلانية والمستلزمات الطبية وإجراءات التأمين والترويج التجاري وسبل الوصول إلى الأسواق الدولية، كما تناول المشاركون دور الهيئات المعنية في مرافقة المؤسسات وتبسيط إجراءاتها، وبالنسبة للصناعيين الجزائريين، يعتمد النجاح في التصدير على مجموعة من العوامل تشمل جودة المنتجات ومطابقتها للمعايير ومعرفة الأسواق المستهدفة والتحكم في الإجراءات الجمركية والتنظيمية وتمويل العمليات وتأمين المعاملات، وتكتسي هذه المتطلبات أهمية خاصة في القطاع الصيدلاني، لأن المنتجات الموجهة للتصدير يجب أن تستوفي القواعد المعمول بها في بلدان الوجهة.
طموح بهدفين متكاملين: زيادة الصادرات وتعزيز الإنتاج المحلي
تقوم الاستراتيجية التي أعلنت عنها صيدال على أولويتين متكاملتين ، تتمثل الأولى في تعزيز حضور المجمع في الأسواق الإفريقية من خلال تطوير الصادرات والشراكات الصناعية، بينما تهدف الثانية إلى تدعيم القدرات الوطنية للإنتاج، لا سيما في مجال الأدوية ذات الطلب المرتفع والعلاجات المبتكرة والمواد الأولية.
ومن شأن هذا التوجه المزدوج أن يساهم في تعزيز مكانة الجزائر في الصناعة الصيدلانية الإفريقية مع دعم الجهود الرامية إلى تحسين توفر الأدوية في السوق الوطنية، غير أن نجاح هذا الطموح سيظل مرهونًا بتجسيد المشاريع المعلن عنها وتنافسية المنتجات وجودة الشراكات والقدرة على الاستجابة بشكل مستدام لمتطلبات الأسواق الدولية.
يتمثل التحدي الذي يواجه صيدال حاليًا في تحويل طموحاتها إلى نتائج صناعية وتجارية قابلة للقياس بما يخدم السيادة الصيدلانية الجزائرية وتطوير التعاون الصحي الإفريقي.
الكلمات المفتاحية: صيدال، الصناعة الصيدلانية، يونس بوعرعارة، الصادرات الصيدلانية إفريقيا، الأدوية، المستلزمات الطبية، السيادة الصيدلانية، الإنتاج المحلي، نقل التكنولوجيا، التعاون الإفريقي، بنين، تنزانيا، الأدوية المضادة للسرطان، الباراسيتامول، المواد الأولية الصيدلانية، العلاجات الخلوية، الأدوية المبتكرة، الأمن الصحي، التنمية الصناعية، الأسواق الدولية.
اقرأ أيضاً: