رغم أن الامتحانات قد انتهت، لكن بدأت بعدها مرحلة أخرى وهي انتظار النتائج، بالنسبة للعديد من المترشحين لشهادة البكالوريا، تتسم هذه الأيام القليلة بالشك، ونفاد الصبر، والقلق. وغالبًا ما تُعاش هذه الفترة كتحدٍّ نفسي حقيقي، تغذّيه حالة عدم اليقين، والخوف من الفشل، وتوقعات الأسرة، والمشاريع المستقبلية المعلّقة على النتائج.
انتظار قد يكون أصعب من الامتحانات نفسها
يؤكد علماء النفس أن هذا التوتر يُعدّ رد فعل طبيعيًا، فهو نوع من ضغط الأداء يشبه ذلك الذي يشعر به الرياضي قبل المنافسة أو الفنان قبل الصعود إلى المسرح. غير أنه عندما يصبح شديدًا للغاية قد يؤثر سلبًا على النوم والشهية والتركيز والصحة النفسية بشكل عام.
لماذا يكون الانتظار مرهقًا إلى هذا الحد؟
بعد تسليم أوراق الإجابة لا يعود لدى المترشحين أي تحكم في النتيجة، ويؤدي هذا الشعور بفقدان السيطرة إلى زيادة التفكير المفرط والسيناريوهات السلبية، وتفسر عدة عوامل هذا الارتفاع في القلق من بينها:
- الخوف من عدم الحصول على الشهادة؛
- الخشية من عدم تحقيق التقدير أو المعدل المنشود؛
- الغموض المرتبط بالتوجيه والمسار الدراسي المستقبلي؛
- الضغوط العائلية والاجتماعية؛
- مقارنة النفس بالمترشحين الآخرين؛
- موجات الحر الصيفية التي قد تزيد من التعب والعصبية وصعوبات النوم.
ويشير المختصون إلى أن هذه التفاعلات قد تصيب حتى الأشخاص الذين لا يعانون عادةً من أي اضطرابات قلق.
بعض نصائح علماء النفس للتعامل بشكل أفضل مع التوتر
- استخدام البرودة لتهدئة القلق بسرعة
بحسب المعالجة النفسية ”شيري هيلر” فإن تمرير اليدين تحت الماء البارد أو رش الوجه بالماء البارد يحفّز الجهاز العصبي ويساعد على إيقاف تصاعد القلق، ويساهم هذا التحفيز الحسي في استعادة الهدوء بشكل شبه فوري.
- التخلص من التوتر العضلي
إن قبض اليدين بقوة لبضع ثوانٍ ثم إرخاءهما تدريجيًا مع التنفس العميق يساعد على تخفيف التوتر الجسدي المرتبط بالضغط النفسي، وتساعد هذه التقنية على إخراج الدماغ من حالة التأهب المستمر.
- التنفس ببطء وترديد عبارات مطمئنة
عندما يزداد القلق قد تكفي بضع أنفاس بطيئة وعميقة لإبطاء نبضات القلب. كما ينصح علماء النفس بترديد عبارات إيجابية مثل: أنا بخير، لقد بذلت قصارى جهدي، ويساهم هذا الحوار الداخلي في الحد من الأفكار السلبية.
- تقبّل التوتر بدلًا من محاربته
إن محاولة التخلص من القلق بشكل كامل قد تؤدي بشكل مفارق إلى زيادته، لذلك يوصي المختصون بتقبّل هذا الشعور دون تأنيب الذات، فمجرد الاعتراف بوجود التوتر يساعد غالبًا على تراجع حدته تدريجيًا.
- عدم كبت المشاعر
البكاء ليس علامة ضعف، فقد أظهرت الدراسات أن الدموع يمكن أن تسهم في تنظيم المشاعر والتخفيف من التوتر المتراكم على مدى أسابيع.
- أخذ استراحة من وسائل التواصل الاجتماعي
غالبًا ما تعزز شبكات التواصل الاجتماعي المقارنات والشائعات ومشاعر القلق، كما أن قراءة رسائل المترشحين القلقين أو متابعة الأخبار باستمرار يزيد من التوتر، لذلك تساعد فترة من الانفصال المؤقت عن هذه المنصات على استعادة التوازن النفسي.
- إعادة التركيز على المحيط
عندما تصبح الأفكار المزعجة مسيطرة يقترح علماء النفس تمرينًا بسيطًا يتمثل في مراقبة البيئة المحيطة بدقة، وعدّ الأشياء أو الألوان أو الأصوات الموجودة حول الشخص، وتساعد هذه التقنية على تحويل الانتباه بعيدًا عن التفكير المفرط.
- كتابة مصادر القلق
إن تدوين المخاوف على الورق يساعد على أخذ مسافة منها، ويُنصح بكتابة أهم المخاوف ثم التمييز بين ما يستند إلى حقائق فعلية وما يعتمد فقط على افتراضات أو هواجس.
- تجنب سلوكيات الهروب
يساهم تجنب المواقف المسببة للقلق باستمرار في ترسيخ هذا القلق، لذلك ينصح المختصون بمواجهة المخاوف تدريجيًا عبر البقاء لبضع دقائق في الموقف المثير للقلق ثم زيادة المدة تدريجيًا، وتكون هذه الطريقة أكثر فعالية عند مرافقتها من قبل مختص.
- استشارة مختص عند الحاجة
إذا أصبح التوتر مفرطًا وتسبب في نوبات هلع متكررة، أو أرق شديد، أو معاناة نفسية مستمرة، فمن المستحسن استشارة طبيب نفسي أو أخصائي نفسي. فالتدخل المبكر يساعد على تعلم استراتيجيات فعالة للتعامل مع القلق.
- الحفاظ على روتين يومي
يوصي علماء النفس بالحفاظ على نمط حياة منتظم خلال فترة انتظار النتائج، فالاستيقاظ في أوقات ثابتة وتناول الوجبات بشكل طبيعي والاستمرار في بعض الأنشطة اليومية يساعد الدماغ على الاحتفاظ بعادات مطمئنة ويحد من التفكير المفرط.
- تجنب السيناريوهات الكارثية
إن تخيل الأسوأ باستمرار لا يهيئ للفشل، بل يزيد فقط من مستوى القلق. ومن الأفضل تذكّر أن هناك عدة احتمالات ممكنة، وأن النتيجة الدراسية لا تحدد قيمة الإنسان ولا مستقبله بالكامل.
- ممارسة نشاط بدني خفيف
يساعد المشي لمدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة، أو ركوب الدراجة، أو السباحة، أو ممارسة بعض تمارين التمدد، على إفراز الإندورفينات، وهي هرمونات الشعور بالراحة، كما يساهم النشاط البدني في خفض مستوى الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر.
- الحفاظ على جودة النوم
يساعد النوم الكافي على تنظيم المشاعر بشكل أفضل، لذلك يُنصح بتقليل استخدام الشاشات قبل النوم بساعة على الأقل وتجنب المشروبات المنبهة في المساء، والالتزام بمواعيد نوم منتظمة.
- اتباع نظام غذائي متوازن
قد يدفع التوتر بعض الأشخاص إلى تناول الوجبات الخفيفة بشكل مفرط أو إلى إهمال الوجبات، لذا ينصح المختصون بتناول غذاء متنوع غني بالفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات والأطعمة المحتوية على المغنيسيوم، لدعم عمل الجهاز العصبي.
- التقليل من الكافيين ومشروبات الطاقة
يمكن للقهوة ومشروبات الطاقة وبعض المشروبات الغازية الغنية بالكافيين أن تزيد من خفقان القلب والعصبية واضطرابات النوم. لذلك يُفضل شرب الماء أو المشروبات غير المنبهة.
- التحدث عن المخاوف
تعتبر مشاركة المشاعر مع أحد الوالدين أو أحد المقربين أو الأصدقاء أو المعلمين عاملا مساعدا لرؤية الأمور بصورة أكثر واقعية، كما أن التعبير عن التوتر بالكلام يخفف العبء النفسي ويمنع الشعور بالعزلة أمام المخاوف.
- الاسترخاء عبر تقنيات التهدئة
تساعد التأملات واليوغا وتمارين اليقظة الذهنية على الوصول إلى حالة من الاسترخاء، وغالبًا ما تكفي بضع دقائق يوميًا لتخفيف التوتر النفسي والجسدي.
- الاستعداد لجميع الاحتمالات
ينصح علماء النفس بالتفكير بهدوء في مختلف السيناريوهات الممكنة: النجاح، أو اجتياز الدورة الاستدراكية، أو إعادة السنة الدراسية، فوجود خطة لكل احتمال يقلل من الشعور بعدم اليقين ويعزز الإحساس بالسيطرة.
- تذكّر أن البكالوريا ليست نهاية الطريق
تمثل شهادة البكالوريا مرحلة مهمة لكنها لا تحدد بمفردها المسار المهني أو النجاح في الحياة، فهناك العديد من الطرق والفرص التي تسمح بالانطلاق من جديد وتحقيق النجاح، حتى بعد الرسوب أو الحصول على نتيجة أقل من التوقعات.
إذا كان التوتر مصحوبًا بأعراض شديدة، مثل نوبات الهلع، أو صعوبات في التنفس، أو خفقان القلب المستمر، أو الأرق المتكرر، أو فقدان الشهية، أو الأفكار السوداوية، أو معاناة نفسية طويلة الأمد، فمن الضروري استشارة طبيب أو أخصائي نفسي أو طبيب نفسي في أسرع وقت ممكن، فالتكفل المبكر يساعد على منع تفاقم القلق، كما يمكّن من تعلم تقنيات مناسبة لاستعادة توازن نفسي أفضل.
الآباء أيضًا يعيشون فترة الانتظار

لا يقتصر التوتر المرتبط بإعلان النتائج على المترشحين فقط إذ يعترف العديد من الآباء بأنهم يشعرون بقلق يفوق أحيانًا قلق أبنائهم. فهم ينشغلون بالعلامات والحصول على التقدير والأهم من ذلك بتأثير النتائج على مواصلة الدراسة الجامعية.
ومع ذلك يذكّر المختصون بأن للوالدين دورًا أساسيًا، إذ إن طريقة تعاملهم تؤثر بشكل مباشر في مستوى التوتر لدى أبنائهم، وينصح الخبراء بما يلي:
- التحلي بالهدوء وبث الطمأنينة؛
- تجنب الخطابات المتشائمة أو الكارثية؛
- الاستعداد بهدوء لجميع السيناريوهات الممكنة؛
- التشجيع بدلًا من ممارسة الضغط؛
- اقتراح أنشطة ممتعة لشغل وقت الانتظار، مثل الخروج في نزهة، أو المشي، أو السباحة.
خلال فترة الانتظار، تبقى العناية بالصحة أمرًا أساسيًا
يمكن تحمل التوتر بشكل أفضل عندما يكون الجسم في حالة صحية جيدة، لذلك يوصي علماء النفس بالحفاظ على نمط حياة صحي من خلال:
- الحصول على قسط كافٍ من النوم؛
- الالتزام بمواعيد يومية منتظمة؛
- اتباع نظام غذائي متوازن؛
- شرب كميات كافية من الماء، خاصة خلال فترات الحر الشديد؛
- ممارسة نشاط بدني معتدل؛
- الحد من تناول القهوة، ومشروبات الطاقة، والكحول؛
- تجنب قضاء اليوم بأكمله في متابعة وسائل التواصل الاجتماعي أو المواقع الإخبارية بحثًا عن المستجدات.
النتيجة لا تحدد قيمة الإنسان
يؤكد مختصو الصحة النفسية أن أي امتحان مهما بلغت أهميته، لا يعكس وحده قدرات التلميذ أو قيمته، فالنجاح قد يفتح أبوابًا جديدة لكن الفشل أو خيبة الأمل لا يمنعان من بناء مشروع مستقبلي ناجح.
وكما يشير العديد من المترشحين فبعد انتهاء الامتحانات لا يبقى سوى انتظار النتيجة بأكبر قدر ممكن من الهدوء، وأفضل ما يمكن فعله هو تقبل أن كل ما كان بالإمكان القيام به قد أُنجز بالفعل.
توصيات طبية
- النوم ما بين 7 و 9 ساعات كل ليلة.
- تجنب المنبهات (القهوة، والنيكوتين، ومشروبات الطاقة) في نهاية اليوم.
- ممارسة بضع دقائق يوميًا من تمارين التنفس العميق أو الاسترخاء.
- الحفاظ على نشاط بدني خفيف، حتى وإن اقتصر على المشي.
- المحافظة على التواصل مع العائلة والأصدقاء بدلًا من العزلة.
- استشارة مختص في أسرع وقت إذا تسبب القلق في نوبات هلع، أو أفكار سوداوية، أو فقدان شديد للشهية، أو معاناة نفسية مستمرة.
الكلمات المفتاحية : البكالوريا، النتائج الباك، التوتر، القلق، الانتظار، علم النفس، الصحة النفسية، المترشحون، الآباء، إدارة التوتر، الاسترخاء، التنفس، النوم، الأخصائي النفسي، الامتحانات، النجاح الدراسي، الرفاه النفسي، تقنيات مكافحة التوتر، المراهقون، الدعم النفسي.
اقرأ أيضاً: