
يشكّل شهر مارس غالبًا نقطة تحوّل، فكل من التغيّر في الموسم، نهاية الثلاثي الأول من السنة، تعديلات مهنية، واقتراب تغيير الساعة، يكشف الكثير عن شعورهم بالإرهاق دون سبب واضح. لهذا الظاهرة اسم: الإرهاق الناتج عن اتخاذ القرارات.
انخفاض حقيقي في الطاقة خلال الربيع
مع الخروج من فصل الشتاء تتراكم عدة عوامل:
- انخفاض مخزون الفيتامينات
- عدم استقرار الإضاءة الطبيعية
- اضطراب التزامن البيولوجي بسبب الانتقال إلى التوقيت الصيفي
- تراكم القرارات الصغيرة منذ شهر يناير
وتشير بعض الدراسات إلى أن هذا العبء المعرفي قد يُخفض مستوى الطاقة المُدركة بنسبة تصل إلى 20% في المتوسط، وبالتالي النتيجة معروفة: تصبح المهام البسيطة مرهقة، تنخفض الدافعية، وتزداد العصبية.
الإرهاق الناتج عن اتخاذ القرارات: مفهوم مثبت علميًا
تمت صياغة هذا المفهوم سنة 2011 من طرف عالم النفس الاجتماعي روي ف. بوميستر، وتقوم فرضيته على أن الإرادة تعمل كعضلة تُستنزف مع كثرة الاستخدام، كما أن كل قرار حتى وإن كان بسيطًا يستهلك موارد معرفية، حيث يستهلك الدماغ الغلوكوز من أجل التحليل والاختيار وتحديد الأولويات.
ويُقدَّر أننا نتخذ حوالي 35 ألف قرار يوميًا، أما على المدى الطويل يؤدي هذا التراكم إلى إرهاق القشرة الجبهية الأمامية، وهي المسؤولة عن التخطيط وضبط العواطف.
لماذا يُعد مارس شهرًا حرجًا؟
يشرح أطباء نفسيون متخصصون في العلاج السلوكي المعرفي أن الإرهاق الناتج عن اتخاذ القرارات يشتد عندما لا يتم تنظيم التوتر منذ بداية السنة، وفي هذه الحالة يعمل الدماغ على مستويين في آن واحد:
- إدارة المهام الفورية
- التوقع المستمر للمستقبل
هذا العبء المزدوج يستنزف قدرات التنظيم. وعندما “ينفد المخزون”، تظهر ردّتان أساسيتان:
- التجنب: يتحوّل التوقف عن اتخاذ القرارات إلى استراتيجية لتوفير الطاقة، حيث يُبطئ الدماغ نشاطه للحفاظ على ما تبقى من طاقة.
- العصبية: يضعف التحكم العاطفي، وقد يبدو سؤال بسيط مبالغًا فيه ومزعجًا.
عندما يتحول الإرهاق الذهني إلى جسدي
في البداية يكون الإرهاق معرفيًا لكن إذا استمر الضغط، فإنه يُفعّل نظام التوتر المزمن. ومن أبرز النتائج:
- توترات عضلية
- نوم متقطع
- صعوبة في التركيز
- شعور بالإرهاق يشبه الجهد البدني الشديد
الجسم يعبّر عمّا لم يعد الدماغ قادرًا على تحمّله.
القاعدة الأساسية: تقليل الجهد لتوفير الطاقة
أفضل استراتيجية تقوم على مبدأ بسيط وهو تقليل عدد القرارات غير الضرورية.
- التحضير المسبق: اختيار الملابس وتخطيط الوجبات مسبقًا يقلل العبء في الصباح.
- قاعدة الدقيقتين: إذا كانت المهمة تستغرق وقتًا قصيرًا، أنجزها فورًا لتخفيف الضغط على الذاكرة العاملة.
- معالجة القرارات المعقدة صباحًا: تكون القدرات التحليلية في أفضل حالاتها قبل الساعة 11 صباحًا، ثم تنخفض بعد الغداء.
- إنشاء روتين ثابت: تكرار نفس العادات يقلل من استهلاك الطاقة الذهنية.
توصيات طبية إضافية
للحد من تأثير هذا النوع من الإرهاق:
- الحفاظ على نوم منتظم، خاصة قبل تغيير الساعة
- التعرض للضوء الطبيعي صباحًا لإعادة ضبط الساعة البيولوجية
- ممارسة نشاط بدني معتدل لتحسين التحكم في التوتر
- مراقبة مستويات الحديد وفيتامين D والمغنيسيوم عند استمرار التعب
- استشارة مختص إذا ترافق الإرهاق مع قلق شديد أو أعراض اكتئابية
الحفاظ على الرصيد المعرفي
الإرهاق الناتج عن اتخاذ القرارات ليس ضعفًا في الإرادة بل ظاهرة نفسية عصبية مثبتة، لذلك يمثل شهر مارس عامل كشف إذا لم يُنظَّم التوتر المتراكم، يدخل الدماغ في وضع توفير الطاقة، وهنا الحل ليس في بذل جهد أكبر بل في اتخاذ قرارات أقل.
من خلال تقليل الاحتكاكات اليومية الصغيرة، يمكنك الحفاظ على طاقتك لما هو أهم فعلًا.
الكلمات المفتاحية: الإرهاق، اتخاذ القرار، العبء الذهني، التوتر المزمن، الساعة البيولوجية، تغيير التوقيت، القشرة الجبهية، الغلوكوز الدماغي.
إقرأ أيضاً: