
بمناسبة اليوم العالمي للسمع من المهم توضيح مصطلح لا يزال غير معروف على نطاق واسع: الصمم الشيخوخي، أين يشير هذا المصطلح إلى فقدان السمع التدريجي المرتبط بالتقدم في العمر. وكما هو الحال مع طول النظر الشيخوخي الذي يصيب البصر، فإنه يمثل انخفاضا فسيولوجيا طبيعيا في القدرات الحسية.
مع مرور السنوات تتعرض الأذن لتغيرات طبيعية مرتبطة بالشيخوخة.
فمع مرور الوقت تتدهور الخلايا الشعرية في الأذن الداخلية، وهي الخلايا المسؤولة عن التقاط الأصوات ونقلها إلى الدماغ عبر العصب السمعي. ويقل عدد هذه الخلايا تدريجيا وتصبح أقل كفاءة كما أنها لا تتجدد. ولا يقتصر هذا التغير على الأذن الداخلية فقط، إذ يمكن أن تتأثر كذلك سلسلة العظيمات السمعية وطبلة الأذن وبعض البنى العصبية المركزية مع التقدم في السن.
تكون النتيجة تدريجية إذ يحدث فقدان السمع على مراحل متتابعة، وهو فقدان لا يمكن استعادته .
متى يظهر الصمم الشيخوخي؟
غالبا ما تظهر العلامات الأولى بين سن 45 و50 عاما، بينما تصبح الصعوبة أكثر وضوحا في حدود سن الستين، وتشير المعطيات الوبائية إلى أن شخصا واحدا من كل اثنين ممن تتجاوز أعمارهم 70 عاما يعاني من الصمم الشيخوخي.
ومع شيخوخة السكان عالميا من المتوقع أن يزداد عدد الأشخاص المتأثرين بهذه الحالة.
إصابة غالبا ما تكون في الأذنين معا
في معظم الحالات يصيب الصمم الشيخوخي كلتا الأذنين، ويكون ثنائيا ومتناظرا، وقد تكون إحدى الأذنين أكثر تأثرا قليلا من الأخرى، لكن هذا الأمر يظل أقل شيوعا.
ويصنف هذا النوع من فقدان السمع ضمن ما يسمى بـ”الصمم الحسي العصبي”، فهو لا ينتج عن انسداد ميكانيكي في الأذن، بل عن خلل في النظام الحسي والعصبي المسؤول عن السمع.
وعلى عكس بعض حالات فقدان السمع المفاجئ الناتجة عن صدمة صوتية أو عدوى، فإن السمع المفقود لا يعود تلقائيا.
العلامات الأولى التي يجب عدم إهمالها
غالبا ما يبدأ الصمم الشيخوخي بالتأثير على الترددات الصوتية العالية، ويظهر ذلك بوضوح في مخطط السمع، وفي الحياة اليومية قد تظهر عدة مؤشرات ينبغي الانتباه إليها منها:
- صعوبة فهم أصوات النساء أو الأطفال
- الحاجة المتكررة لطلب إعادة الكلام
- رفع صوت التلفاز بشكل متزايد
- صعوبة كبيرة في الأماكن المزدحمة أو الصاخبة
- الشعور بتعب ذهني بعد محادثة طويلة
- أحيانا ظهور طنين في الأذن
وتصبح الأماكن المزدحمة مثل المطاعم أو اللقاءات العائلية مرهقة، لأن الدماغ يضطر لبذل جهد إضافي لفهم الأصوات.
تطور طبيعي… لكنه يتأثر بعدة عوامل
يعد التقدم في العمر العامل الأساسي كما تلعب العوامل الوراثية دورا مهما، لكن البيئة المحيطة لا تقل تأثيرا فالتعرض المتكرر للضوضاء يمكن أن يسرع تدهور السمع مثل:
- العمل في بيئات صناعية صاخبة
- العمل في المجال الموسيقي
- حضور الحفلات الموسيقية دون حماية سمعية
- التعرض لإطلاق النار أو الانفجارات
- الاستماع الطويل للموسيقى بصوت مرتفع
وتترك الصدمات الصوتية أضرارا دائمة لا يمكن إصلاحها.
كما يمكن لبعض الأمراض أن تزيد من خطر الإصابة مثل:
- التهابات الأذن المزمنة
- العدوى المتكررة
- أمراض القلب والأوعية الدموية
- داء السكري
وقد تؤثر بعض الأدوية المعروفة بكونها “سامة للأذن” في سلامة الأذن الداخلية، ما يستدعي متابعة طبية دقيقة.
فحص لا يزال غير كاف
على الرغم من شيوع الأعراض، فإن كثيرا من الأشخاص يتأخرون في استشارة الطبيب لسنوات. وكلما طال تأخر العلاج، ازدادت صعوبة تكيف الدماغ مع فقدان السمع.
وقد يؤدي فقدان السمع غير المعالج إلى:
- العزلة الاجتماعية
- فقدان الثقة بالنفس
- الإرهاق المعرفي
- الانسحاب التدريجي من الحياة الاجتماعية
وتشير أبحاث علمية إلى وجود علاقة بين فقدان السمع غير المصحح والتدهور المعرفي، كما تشير بعض الدراسات إلى زيادة خطر الإصابة بمرض الزهايمر.
التقييم السمعي: خطوة أساسية
يعتمد التشخيص على فحص سمعي شامل يتضمن فحصا سريريا وإجراء مخطط السمع الذي يقيس بدقة عتبات السمع، ويجب أن يفسر هذا الفحص طبيب مختص في الأنف والأذن والحنجرة (ORL)، فهو الوحيد المخول بتشخيص الحالة ووصف العلاج أو المعينات السمعية.
ويمكن إجراء اختبار أولي في مراكز السمع، لكن التأكيد الطبي يظل ضروريا.
وتوصي الإرشادات الحالية بما يلي:
- إجراء فحص سمعي دوري ابتداء من سن 50 عاما
- إجراء الفحص مبكرا في حال التعرض المستمر للضوضاء
- استشارة الطبيب فورا عند ظهور أعراض مستمرة
ما العلاج المتاح؟
لا يوجد حتى الآن علاج قادر على استعادة الخلايا السمعية المتلفة لذلك يعتمد العلاج أساسا على التصحيح السمعي، وتتميز المعينات السمعية الحديثة بأنها صغيرة الحجم ورقمية وقابلة للتخصيص، إذ تتكيف مع الملف السمعي لكل مريض. وهي تساعد على تحسين فهم الكلام وتقليل الجهد المبذول أثناء الاستماع.
كما أن استخدام المعينات السمعية في مرحلة مبكرة يساعد الدماغ على التكيف بشكل أفضل، بينما يؤدي التأخر في ذلك إلى صعوبة إعادة التأهيل السمعي.
تظل المتابعة المنتظمة مع طبيب الأنف والأذن والحنجرة واختصاصي المعينات السمعية أمرا أساسيا.
الحفاظ على السمع
يمكن لبعض الإجراءات أن تساعد في إبطاء تطور الحالة مثل:
- ارتداء وسائل حماية السمع في الأماكن الصاخبة
- تطبيق قاعدة 60/60 عند استخدام سماعات الأذن (ألا يتجاوز الصوت 60% من الحد الأقصى ولمدة لا تزيد عن 60 دقيقة)
- مراقبة ضغط الدم ومستوى السكر
- تجنب تناول الأدوية دون استشارة طبية
- استشارة الطبيب بسرعة في حال حدوث التهاب بالأذن
فالأذن الداخلية لا تملك قدرة حقيقية على التجدد، لذلك تبقى الوقاية أفضل وسيلة للحفاظ على السمع.
قضية صحة عامة
لا يعد الصمم الشيخوخي مجرد إزعاج بسيط مرتبط بالتقدم في العمر، بل يمثل تحديا حقيقيا للصحة العامة، ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، من المتوقع أن يؤثر فقدان السمع المرتبط بالعمر في نسبة متزايدة من السكان.
ويذكرنا اليوم العالمي للسمع بحقيقة أساسية مفادها أن السمع الجيد يعني الحفاظ على الروابط الاجتماعية، والقدرات المعرفية، وجودة الحياة.
التعرف على العلامات الأولى، واستشارة الطبيب مبكرا، وتصحيح السمع عند الحاجة… خطوات أساسية للحفاظ على صحة السمع.
الكلمات المفتاحية: اليوم العالمي للسمع، الصمم الشيخوخي، فقدان السمع، التقدم في العمر، الصمم الحسي العصبي، طبيب الأنف والأذن والحنجرة، مخطط السمع، المعينات السمعية، الفحص المبكر، التدهور المعرفي، الوقاية.