صحة جيدة لحياة أفضل

الخرف: فقدان الرؤية وفرط الكوليسترول في الدم، عوامل خطر غير معروفة قابلة للتعديل

حرر : د. محمد الطاهر عيساني | دكتور في الطب
2 سبتمبر 2024

الخرف هو مرض معقد يتأثر بعدة عوامل خطر، حيث يكشف تقرير 2024 للجنة الخرف من ذا لانسيت ( The Lancet ) أن عنصرين غالباً ما يتم تجاهلهما، هما فقدان الرؤية وفرط الكوليسترول في الدم، واللذان يلعبان دورًا حاسمًا في تطور هذا المرض، بينما تُعرف عوامل الخطر التقليدية جيدًا، فإن هذه النظرة الجديدة تبرز أهمية الانتباه بشكل أكبر إلى هذه الجوانب التي غالبًا ما يتم التقليل من شأنها من أجل الوقاية الأفضل وإدارة الخرف.

قدم تقرير 2024 للجنة الخرف من ذا لانسيت ( The Lancet ) مساهمة كبيرة في فهم أسباب وعوامل الخطر المرتبطة بالخرف، هذا التقرير الذي كان ينتظره المجتمع العلمي بفارغ الصبر، يوسع قائمة عوامل الخطر القابلة للتعديل من اثني عشر إلى أربعة عشر، ومن بين هذه العوامل الجديدة، هناك عنصران مفاجئان ولكنهما حاسمين: فقدان الرؤية وفرط الكوليسترول في الدم.

وحتى وقت قريب، كانت عوامل الخطر المرتبطة بالخرف معروفة جيدًا: العمر، التاريخ العائلي، ارتفاع ضغط الدم، السمنة، السكري، استهلاك الكحول المفرط، التدخين، الاكتئاب، قلة النشاط البدني، العزلة الاجتماعية، مستوى التعليم المنخفض وتلوث الهواء، ومع ذلك اعترفت لجنة ذا لانسيت ( The Lancet ) بأن هذه القائمة يجب توسيعها لتشمل جوانب صحية أخرى حاسمة وغالبًا ما يتم تجاهلها، لكنها ذات تأثير كبير.

ومن خلال إضافة فقدان الرؤية وفرط الكوليسترول في الدم، يسلط تقرير 2024 الضوء على بعدين من الصحة إذا تم تجاهلهما قد يزيدان بشكل كبير من خطر تطور الخرف في سن متقدمة.

وغالبًا ما يُنظر إلى فقدان الرؤية على أنه عائق لا مفر منه مع تقدم العمر، لكن التقرير يبرز أن هذه النظرة المحدودة قد يكون لها عواقب خطيرة، وفي الواقع يمكن أن تقلل الرؤية المتأثرة من المشاركة الاجتماعية والنشاط البدني، وهما عنصران أساسيان للحفاظ على صحة عقلية مثالية.

هذا وقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص المسنين الذين يعانون من ضعف في الرؤية لديهم خطر أكبر للتدهور المعرفي، فالعزلة الاجتماعية التي تنجم عن ذلك، بالإضافة إلى تقليل الأنشطة المنشطة للعقل، قد تسرع التقدم نحو الخرف، لأجل هذا تدعو اللجنة إلى تحسين الوقاية والعلاج المبكر لمشاكل الرؤية للحد من هذا الخطر.

فرط الكوليسترول في الدم أو زيادة الكوليسترول في الدم، معروف بدوره في أمراض القلب والأوعية الدموية، لكن ارتباطه بالخرف أقل ذكرًا، أين يُبرز تقرير ذا لانسيت ( The Lancet ) أبحاثًا تُظهر أن مستويات عالية من الكوليسترول قد تساهم في تكوين لويحات الأميلويد في الدماغ، وهي من السمات المميزة لمرض الزهايمر.

بالاضافة الى ذلك، يرتبط الكوليسترول المرتفع غالبًا بصحة وعائية سيئة، مما قد يؤدي إلى السكتات الدماغية الصغيرة وأشكال أخرى من تلف الدماغ، أين يمكن أن تؤدي هذه الأضرار المتراكمة في النهاية إلى تدهور معرفي ملحوظ، لذا فإن إدارة الكوليسترول من خلال نظام غذائي متوازن، التمرين البدني، وإذا لزم الأمر الأدوية، تعد أمرًا ضروريًا لتقليل هذا الخطر.

إحدى الاستنتاجات الأكثر لفتًا في التقرير هي أن 45% من حالات الخرف يمكن تجنبها من خلال التعامل مع عوامل الخطر القابلة للتعديل، وهذا يمثل فرصة ضخمة للصحة العامة.

وفي الواقع، من خلال اتخاذ خطوات استباقية لتحسين الرؤية، إدارة مستويات الكوليسترول، والتدخل في العوامل الأخرى، يمكن لملايين الأشخاص تجنب أو تأخير تطور هذا المرض المدمر.

تقرير 2024 للجنة الخرف من ذا لانسيت هو دعوة للعمل للمحترفين في المجال الصحي، صناع القرار السياسيين، والجمهور بشكل عام، ومن خلال الاعتراف بأهمية فقدان الرؤية وفرط الكوليسترول في الدم كعوامل خطر قابلة للتعديل، فإنه يفتح الطريق لاستراتيجيات جديدة للوقاية. ومع ذلك تتطلب هذه الجهود زيادة الوعي وتخصيص الموارد حتى يتم تنفيذ تدابير فعالة.

من جهته فإن التأثير المحتمل كبير لا يقتصر على تقليل حالات الخرف فحسب، بل يمتد أيضًا لتحسين جودة حياة كبار السن حول العالم، وفي النهاية يعد هذا التقرير تذكيرًا مهمًا بأنه رغم أن الشيخوخة أمر حتمي، فإن الطريقة التي نمر بها في هذا المرحلة يمكن أن تكون تحت سيطرتنا إلى حد كبير.

الكلمات المفتاحية: الخرف؛ فرط الكوليسترول في الدم؛ الصحة؛ الدماغ؛ الزهايمر؛ ذا لانسيت