صحة جيدة لحياة أفضل

البلاستيك وصحة الإنسان: تهديد صامت في تصاعد مستمر

حرر : د. سعاد ابراهيمي | دكتورة في الطب
1 فبراير 2026

لطالما اعتُبر البلاستيك الموجود في كل مكان (تغليفنا، وملابسنا، وأغراضنا اليومية ) مجرد قضية بيئية، لكنه أصبح اليوم مشكلة رئيسية في الصحة العامة. فوفق دراسة نموذجية فرنسية-بريطانية نُشرت في The Lancet Planetary Health، قد تتضاعف الأضرار الصحية المرتبطة بالبلاستيك أكثر من الضعف بحلول عام 2040 إذا لم تُتخذ إجراءات طموحة.


يؤكد المؤلفون أن التهديد الناتج عن تصنيع البلاستيك واستخدامه والتخلص منه سيتزايد بشكل كبير في العقود المقبلة، وهو مسار مثير للقلق، لكنه لا يزال قابلاً للتجنب.


لأول مرة تقدر هذه الدراسة عدد سنوات الحياة الصحية المفقودة نتيجة دورة حياة البلاستيك كاملة، وهذا المؤشر المستخدم في علم الأوبئة، يأخذ بعين الاعتبار السنوات المفقودة نتيجة:

  • وفاة مبكرة
  • أو إعاقة بسبب مرض

كما أدرج الباحثون جميع مراحل دورة حياة البلاستيك:

  • استخراج النفط والغاز
  • العمليات الصناعية للتحويل
  • النقل
  • الاستخدام
  • إدارة النفايات


النتائج واضحة: على المستوى العالمي قد يرتفع عدد سنوات الحياة الصحية المفقودة بسبب البلاستيك من 2.1 مليون عام في 2016 إلى 4.5 مليون عام في 2040، إذا لم يحدث تغيير جذري.

وتبقى هذه الأرقام محافظة فالدراسة لم تأخذ بعين الاعتبار بعض مصادر الضرر الموثقة جيداً مثل:

  • الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك)
  • المضافات الكيميائية
  • المواد التي تنتقل من التغليف الغذائي

هذا وتحذر “ميغان ديني” الباحثة الرئيسية في الدراسة في London School of Hygiene and Tropical Medicine : “هذا بالتأكيد تقدير منخفض بشكل كبير للأثر الكلي على صحة الإنسان.”


لتوضيح هذه الآليات اعتمد الباحثون على شيء مألوف: زجاجة ماء بلاستيكية، إذ تبدأ العملية باستخراج النفط والغاز المسؤول عن أكثر من 90٪ من البلاستيك ثم يتم تحويل هذه الموارد الأحفورية بعمليات كيميائية معقدة لإنتاج البولي إيثيلين تيريفثالات، و بعد ذلك تُصنع الزجاجة، تُنقل، تُباع، تُستخدم ثم تُرمى.

في هذه المرحلة ورغم جهود إعادة التدوير، ينتهي معظم البلاستيك في مدافن النفايات أو في البيئة، وقد يستغرق قروناً حتى يتحلل، مع إطلاق تدريجي لمواد سامة.


على عكس الاعتقاد السائد فإن إعادة التدوير، حتى لو تم تكثيفها عالمياً، لها تأثير محدود على تقليل الأضرار الصحية. وتظهر السيناريوهات النموذجية أن الإجراء الأكثر فعالية هو الحد من الإنتاج من المصدر، أي إنتاج أقل من البلاستيك، خصوصاً الذي يُعتبر “غير ضروري” أو للاستخدام الواحد فقط.

وتؤكد ميغان ديني: “خفض الإنتاج الأولي أكثر فعالية بكثير من محاولة إدارة النفايات بعد إنتاجها.”


رغم الطوارئ فشلت محاولات إقرار معاهدة عالمية ضد تلوث البلاستيك مرتين، في 2024 و2025، بسبب معارضة عدة دول منتجة للنفط التي تسعى لحماية مصالحها الاقتصادية. ومع ذلك أمام ما يسميه الباحثون أزمة صحية عالمية، لم يعد بالإمكان الاستمرار في التقاعس.


في غياب اتفاق دولي، يدعو الخبراء إلى تحرك وطني ومحلي مع عدة إجراءات:

  • الحد من البلاستيك ذي الاستخدام الواحد
  • تعزيز التشريعات على الإنتاج الصناعي
  • تشجيع بدائل آمنة غير بلاستيكية
  • توعية الجمهور بالمخاطر الصحية
  • دمج أثر البلاستيك في سياسات الوقاية الصحية

كما يُنصح المهنيون الصحيون بأخذ التعرض البيئي للبلاستيك كعامل خطر ناشئ، خاصة بالنسبة للأمراض التنفسية، والقلبية، والتمثيل الغذائي.


لم يعد البلاستيك مجرد رمز للتلوث البصري أو البحري، بل أصبح عاملاً رئيسياً في صحة الإنسان، مع تأثيرات تراكمية وطويلة الأمد، ولذلك بدون تغيير هيكلي سريع قد يثقل تأثيره على أنظمة الصحة العامة وعلى متوسط العمر الصحي للسكان، ورغم أنه لايزال مسار التأثير قابلاً للتصحيح لكن نافذة الفرص تتقلص بسرعة.

الكلمات المفتاحية: البلاستيك، الصحة، الإنسان، التلوث ، الصحة العامة، البلاستيك، عالمي، البيئة، الخطر

إقرأ أيضاً: