تكشف دراسة جديدة عن فعالية محدودة وآثار جانبية مقلقة لدواء ترامادول المستخدم غالباً ضد الآلام المزمنة
يُوصف ترامادول لملايين المرضى وغالباً ما يُقدَّم كبديل “معتدل” عن المورفينات. غير أن دراسة دنماركية نُشرت في 7 أكتوبر 2025 في مجلة British Medical Journal Evidence-Based Medicine، تشير إلى أن هذا الدواء قد يكون أكثر ضرراً من نفعه لكثير من الأشخاص الذين يعانون من آلام مزمنة.
دواء واسع الاستخدام… لكنه قليل الفعالية
في الجزائر يعيش آلاف الأشخاص مع ألم مزمن مستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، بحسب معهد “إنسيرم” الفرنسي. فداء المفاصل، الألم الليفي العضلي ، الصداع النصفي، والآلام العصبية أو أسفل الظهر، كلها أمراض تؤثر بعمق في جودة الحياة. وأمام المعاناة يجرب المرضى عدة أنواع من العلاجات من بينها الترامادول وهو مسكن ألم من فئة المواد الأفيونية يُعد من أكثر الأدوية وصفاً.
ويعمل هذا الدواء على مستقبلات الأفيون في الدماغ، كما يؤثر في امتصاص السيروتونين والنورأدرينالين، وهما ناقلان عصبيان مرتبطان بتنظيم الألم. لكن هذه الفعالية المفترضة أصبحت الآن موضع شك.
نتائج تدعو للريبة
لتحليل التأثير الحقيقي للترامادول أجرى الباحثون دراسة واسعة شملت 6500 مريض قُسّموا إلى أربع فئات:
- المصابون بآلام عصبية،
- المصابون بالفُصال العظمي،
- المصابون بآلام أسفل الظهر،
- المصابون بالألم الليفي العضلي.
وتلقى جزء من المشاركين ترامادول لعدة أسابيع، بينما تناول الجزء الآخر دواءً وهمياً (بدون مادة فعالة).
النتائج كانت لافتة:
48٪ من المرضى الذين تناولوا ترامادول شعروا بتحسن، مقابل 41٪ في مجموعة الدواء الوهمي، أي أن تأثير الترامادول كان أعلى قليلاً فقط من تأثير الدواء الوهمي. ويصف الباحثون فعاليته بأنها “متوسطة أو هامشية”، مقابل كثرة وشدة آثاره الجانبية.
عندما يرهق العلاج القلب
ولاحظت الدراسة ارتفاعاً طفيفاً في خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لدى متعاطي الترامادول، حيث أصيب بعضهم بأمراض تاجية أو اضطرابات شريانية. كما لوحظت زيادة في معدلات الأورام، خاصة في الغدة الدرقية والثدي والبروستات، رغم أن هذه النتائج تتطلب تأكيداً عبر دراسات أوسع. أما الآثار الجانبية التقليدية المعروفة للترامادول فقد تم تأكيدها وتشمل:
- الغثيان والقيء،
- الإمساك الشديد،
- الدوار،
- النعاس،
- اضطرابات التركيز.
وهي أعراض قد تؤثر سريعاً في حياة المريض اليومية، خصوصاً لدى كبار السن أو الضعفاء صحياً.
ظل الإدمان
إلى جانب الأعراض الجسدية يبقى خطر الإدمان أكبر مصدر قلق. يروي شاب رياضي قصته مع الاعتماد على الترامادول بعد إصابته بكسر في الساق، حيث استمر في تناوله لأكثر من عامين رغم غياب التأثير الفعلي وقال: “كنت أعلم أنه لا يخفف الألم حقاً، لكنني لم أعد أستطيع الاستغناء عنه.” وقد كاد يتعرض لجرعات زائدة عدة مرات واليوم يخضع لعلاج بديل، ويدعو إلى نشر الوعي بمخاطر هذا الدواء.
رقابة أكثر صرامة
إدراكاً للمخاطر قامت السلطات الصحية في الجزائر بتقليص مدة وصف الترامادول إلى الحد الأدنى للحد من الإدمان وتشجيع بدائل غير أفيونية، مع فرض رقابة صارمة على الوصفات الطبية. ويُشجَّع الأطباء الآن على اعتماد:
- علاجات متعددة الأساليب تجمع بين الأدوية والعلاج السلوكي،
- العلاج الفيزيائي والتأهيل الحركي،
- التحفيز العصبي،
- الاسترخاء والتأمل واليقظة الذهنية،
- وفي بعض الحالات الاعتماد على علم الوراثة الدوائي لتخصيص العلاج.
رأي الخبراء
يقول البروفيسور “لارس كريستنسن” المؤلف الرئيسي للدراسة: “يجب ألا يُستخدم الترامادول كخيار أول لعلاج الألم المزمن ففعاليته محدودة ومخاطره أقل من أن تُستهان بها.”
أما الدكتور “رياض معمري” الجراح العظمي من قسنطينة فيؤكد: “يمكن أن يكون للترامادول دور، لكن على المدى القصير فقط وتحت مراقبة دقيقة كما يجب تفادي الاستعمال الطويل أو العشوائي.”
توصيات طبية
- استشارة الطبيب دائماً قبل بدء أو تعديل أي علاج مسكن.
- عدم التوقف المفاجئ عن الترامادول لتجنب أعراض الانسحاب.
- تجنب الكحول والأدوية المهدئة المرافقة.
- إبلاغ الطبيب فوراً عند الشعور بالنعاس المفرط أو الارتباك أو بطء القلب.
- تفضيل العلاجات غير الدوائية كلما أمكن.
يبقى الترامادول أداة مفيدة لعلاج الآلام الحادة، لكن استخدامه الطويل قد يؤدي إلى مضاعفات قلبية وعصبية وإدمانية خطيرة. وتذكّر هذه الدراسة الدنماركية بحقيقة كثيراً ما تُغفل: علاج الألم لا يجب أن يكون على حساب الصحة العامة، فالمفتاح هو في وصفٍ رشيد، وتوعية دقيقة للمريض، ومتابعة طبية شخصية ومستمرة.
الكلمات المفتاحية: ترامادول، ألم، صحة، إدمان، أمراض قلبية وعصبية، وصفة طبية.
إقرأ أيضاً: