لا يدمر حريق الغابات الأشجار فحسب، بل يحدث اضطرابا في التربة والموائل والتنوع البيولوجي وتوازن النظام البيئي بأكمله. ومع ذلك تمتلك الغابة في بعض الأحيان قدرة ملحوظة على التعافي واستعادة توازنها، وبحسب شدة الحريق والأنواع الموجودة والظروف المناخية، يمكن للغابة أن تتجدد بشكل طبيعي أو قد تحتاج إلى تدخل بشري، لكن إعادة التشجير بشكل فوري ليست دائما الحل الأفضل.

وغالبا ما تعطي الصور التي تظهر الغابات وقد اجتاحت النيران أشجارها انطباعا بأن المكان قد دمر بشكل نهائي، ومع ذلك يمكن أن تبقى الحياة موجودة تحت الرماد، فبعض البذور تقاوم الحرارة، وتبقى الجذور حية، كما يمكن للأشجار التي احترق جزء منها أن تستعيد نموها، وتعيد بعض النباتات استعمار التربة تدريجيا.
لذلك لا يتعلق الأمر فقط بمعرفة عدد الأشجار التي ينبغي إعادة زراعتها، بل يتعلق الأمر قبل كل شيء بتحديد كيفية تمكين النظام البيئي من استعادة توازنه بشكل مستدام.
الحريق يغير النظام البيئي للغابة بأكمله
تظهر آثار الحريق بشكل فوري لكن بعضها قد لا يظهر إلا بعد عدة أشهر أو حتى سنوات، وتتمثل النتيجة الأولى في تدمير الغطاء النباتي. فعندما تحترق الأشجار يتحرر الكربون المخزن في أخشابها وأوراقها وجزء من التربة إلى الغلاف الجوي، كما يدمر الحريق العديد من الموائل الضرورية للحيوانات البرية، وتبحث الحيوانات القادرة على الفرار عن ملاجئ جديدة، بينما تموت حيوانات أخرى مباشرة بفعل النيران أو الحرارة، ويؤدي اختفاء الغطاء النباتي بعد ذلك إلى تغيير ظروف الحياة بالنسبة للعديد من الأنواع.
تربة معرضة للتعرية
بعد مرور الحريق، تصبح التربة في كثير من الأحيان مكشوفة تماما، إذ لم تعد محمية بالأشجار والشجيرات والأعشاب والغطاء العضوي المتراكم على أرض الغابة، وتعزز هذه الحالة التعرية فعند هطول الأمطار الغزيرة، تزداد كمية المياه التي تجري فوق سطح الأرض بدلا من تسربها تدريجيا إلى التربة. ويمكن أن تحمل المياه معها جزيئات التربة وتحفر الأخاديد وتتسبب في تدفقات طينية أو في بعض الحالات في انزلاقات أرضية.
كما يمكن للرماد أن يشكل طبقة كارهة للماء، أي طبقة تحد من تسرب المياه إلى التربة، ويصبح خطر جريان المياه السطحي مرتفعا بشكل خاص خلال فترات هطول الأمطار الغزيرة، في حين يمكن للرياح أيضا أن تسرع جفاف التربة المكشوفة وتزيد من تعريتها.
الأشجار الناجية تظل ضعيفة
الشجرة التي تبدو وكأنها نجت من النيران ليست بالضرورة سليمة، فقد تكون الحرارة قد ألحقت أضرارا بأنسجتها أو جذورها أو لحائها، وتصبح الشجرة الضعيفة أكثر عرضة للحشرات الضارة والفطريات والأمراض، ولهذا قد تذبل بعض الأشجار وتموت بعد عدة أشهر، بل وحتى بعد عدة سنوات من اندلاع الحريق، وتعتمد أهمية الأضرار بشكل خاص على شدة الحريق ومدته، وكذلك على الأنواع الموجودة في المنطقة. فجميع الأنواع لا تتمتع بالمقاومة نفسها للحرارة، فعلى سبيل المثال يستفيد بلوط الفلين من لحاء سميك بشكل خاص وعازل للحرارة، ويمكن لهذا اللحاء أن يحد من الأضرار التي تسببها النيران.
الغابة تمتلك أحيانا آلياتها الخاصة للتجدد
خلافا للاعتقاد الشائع لا تحتاج الغابة التي تعرضت لحريق دائما إلى إعادة زراعتها بالكامل، فقد طورت العديد من النظم البيئية للغابات على مدى تطورها، آليات تمكنها من تحمل بعض الحرائق، إلا أن هذه القدرة تعتمد على مدى تكرار الحرائق وشدتها، وتعرف بعض النباتات باسم النباتات المحبة للنيران، وهي نباتات متكيفة بشكل خاص مع الحرائق.
فعلى سبيل المثال يمكن للحرارة لدى بعض أنواع أشجار الصنوبر أن تساعد على فتح المخاريط، مما يسمح بتحرير البذور، كما يمكن لنباتات أخرى أن تستعيد نموها انطلاقا من براعم أو أجزاء تحت الأرض نجت من النيران، ويمكن للحريق أيضا أن يخلق مؤقتا ظروفا جديدة مواتية لبعض الأنواع، فاختفاء الغطاء الحرجي يسمح بوصول كمية أكبر من الضوء إلى التربة، ويمكن للنباتات العشبية والشجيرات عندها أن تستعمر بسرعة المساحات المحترقة، وتعود الحيوانات تدريجيا مع استعادة الغطاء النباتي، بل إن بعض أنواع الحشرات تعتمد على الخشب المحترق حديثا لإتمام جزء من دورة نموها.
لا تولد الغابة من جديد بالضرورة انطلاقا من الصفر، فقد يكون جزء من إمكاناتها البيولوجية قد نجا من الحريق.
لماذا لا ينبغي إعادة التشجير بشكل فوري؟
أمام منظر طبيعي اسود بالكامل بفعل الحريق، قد تكون ردة الفعل الطبيعية هي الرغبة في زراعة أشجار جديدة بسرعة، لكن التدخل في وقت مبكر جدا قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فبعد الحريق تظل التربة مضطربة بشكل كبير، وتمتص الأسطح الداكنة المغطاة بالرماد كمية أكبر من الإشعاع الشمسي، وقد تظل شديدة الحرارة لعدة أشهر، كما يؤدي اختفاء الأعشاب والشجيرات إلى فقدان الظل والتبخر والنتح. وبالتالي تصبح التربة أقل قدرة على الاحتفاظ برطوبتها، أما الأنظمة الجذرية التي دمرت أو تضررت بشدة، فلم تعد تؤدي دورها في بنية التربة ووظائفها، ولذلك قد تواجه الشتلات التي يتم إدخالها مباشرة بعد الحريق ظروفا صعبة بشكل خاص.
غالبا ما تتمثل الخطوة الأولى في حماية المنطقة ومراقبة قدرتها على التجدد الطبيعي.
المراقبة قبل التدخل
بعد مرور بضعة أشهر على الحريق، يشكل ظهور الغطاء النباتي العشبي مجددا مؤشرا أوليا على التعافي، ويمكن للمتخصصين عندها تقييم قدرة المنطقة على التجدد الطبيعي، كما يمكن أن تساهم عدة مصادر في عملية عودة الحياة هذه:
- بذور نجت من الحريق؛
- بذور حملتها الرياح؛
- بذور نقلتها الطيور أو حيوانات أخرى؛
- جذوع وأصول أشجار لا تزال حية وقادرة على إطلاق براعم جديدة؛
- أشجار احترق جزء منها ويمكن أن تستعيد نموها.
وتسمح هذه المراقبة بتحديد ما إذا كانت إعادة التشجير ضرورية فعلا.
التجدد الطبيعي المدعوم: مساعدة الغابة دون إعادة زراعتها بالكامل
عندما تظهر الأشجار الصغيرة بشكل طبيعي، يمكن دعم نموها، وهذا هو مبدأ التجدد الطبيعي المدعوم، ولا يعني ذلك ترك الغابة تتطور بشكل كامل من دون أي تدخل، إذ يمكن لمديري الغابات اختيار الشتلات الواعدة وإجراء بعض الأعمال الحرجية، مثل إزالة الشجيرات والأعشاب الزائدة أو إفساح المجال حول الأشجار، ويتمثل الهدف في توفير مساحة أكبر وضوء وموارد أكثر للأشجار القادرة على تشكيل الغابة المستقبلية.
وتتمتع هذه الطريقة بميزة مهمة: فهي تعتمد على الأنواع الموجودة أصلا والتي تتكيف مع الظروف المحلية.

زراعة غابة: 4 مراحل لنجاح العملية
في بعض الحالات تظل زراعة الأشجار أمرا ضروريا، ومع ذلك لا ينجح التجدد الطبيعي في جميع المناطق، ففي القطاعات التي تعرضت لتدهور شديد والتي تعاني من تعرية كبيرة للتربة أو تواجه خطر التصحر قد يصبح التدخل ضروريا، كما يمكن إعطاء الأولوية لزراعة الأشجار عندما تفرض الأهداف الحرجية أو المتعلقة بالمناظر الطبيعية استعادة الغطاء النباتي بشكل أسرع، لكن زراعة الأشجار لا تعني ببساطة استبدال كل شجرة اختفت بشجرة مماثلة، وفي مواجهة تغير المناخ يجب أن يأخذ اختيار أنواع الأشجار في الاعتبار الظروف المستقبلية، مثل توفر المياه ودرجات الحرارة والجفاف والتعرض للحرائق وقدرة الأنواع على التكيف.
الهدف هو إعادة بناء نظام بيئي أكثر قدرة على الصمود، وليس فقط استعادة منظر طبيعي أخضر بسرعة.
كم من الوقت تحتاج الغابة لاستعادة عافيتها؟
لا توجد مدة زمنية موحدة لذلك، إذ تعتمد سرعة التجدد على شدة الحريق، والمساحة التي دمرت، وحالة التربة والأنواع الموجودة والظروف الجوية التي تلي الحريق، كما يمكن لقرب الغابة التي لا تزال سليمة أن يسهل إعادة استعمار المنطقة بالنباتات، فقد تنتقل البذور من المناطق المجاورة بواسطة الرياح أو الحيوانات، وقد تظهر أولى البراعم الكبيرة للأشجار بعد أربع إلى خمس سنوات في ظروف مواتية، لكن استعادة غابة مكتملة البنية تتطلب وقتا أطول بكثير، وبحسب النظم البيئية قد تكون هناك حاجة إلى عدة عقود، وقد يصل الأمر إلى نحو مئة عام لاستعادة غابة ناضجة تتمتع ببنية وتنوع بيولوجي مماثلين لما كان عليه النظام البيئي الأصلي.
استعادة الغابة هي عملية بطيئة ولا تقاس فقط بعدد الشتلات التي تم غرسها في الأرض.
في البرتغال، زراعة الأشجار لمكافحة التصحر

يُذكر في البرتغال مثال على استعادة الغابات، حيث تُنفذ مشاريع منذ عام 2018 في عدة مناطق تضررت من الحرائق وتواجه جفافا شديدا، وفي منطقة مارفاو، تمت إعادة زراعة نحو 12 ألف شجرة بشكل خاص، بهدف المساهمة في مكافحة التصحر، كما امتد المشروع إلى عدة بلديات، من بينها ميدا وماساو وأبرانتش، وقد تم اختيار أنواع مختلفة من الأشجار من بينها:
- الصنوبر البحري؛
- الكستناء؛
- سنديان برانسي
- بلوط الفلين
- ألدر أسود؛
- شجرة القطلب؛
- الكرز البري.
وفي هذا السياق الذي يتميز بالجفاف الشديد، تتم إعطاء الأولوية لزراعة الأشجار، لأن الظروف المحلية تجعل التجدد الطبيعي أكثر صعوبة.
استعادة الغابة تعني أيضا حماية السكان
ولا تتوقف آثار الحريق عند حدود الغابة، فقد يؤدي تدمير الأشجار إلى خسائر اقتصادية مرتبطة بإنتاج الأخشاب والسياحة والأنشطة المحلية، كما قد يواجه السكان عمليات إجلاء وتدمير الممتلكات وتدهورا في جودة الهواء، وتحتوي الأدخنة بشكل خاص على جسيمات دقيقة وملوثات مختلفة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم بعض أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والأوعية الدموية.
تشكل استعادة الغابات أيضا قضية تتعلق بالصحة العامة والأمن والتخطيط العمراني والإقليمي.
ماذا يمكننا أن نفعل بعد اندلاع حريق؟
يجب التفكير في استعادة الغابة على مدى عدة سنوات. وهناك بعض المبادئ الأساسية:
- عدم إعادة التشجير على عجل:
يجب أولا تقييم حالة التربة وقدرتها على التجدد الطبيعي. - الحد من التعرية:
يجب حماية التربة المحترقة من جريان المياه والرياح عندما يكون خطر التعرية مرتفعا. - الحفاظ على العناصر التي لا تزال حية:
يمكن لبعض الجذوع والبذور والنباتات الناجية أن تساهم بشكل طبيعي في عودة الغابة إلى الحياة. - تشجيع الأنواع المتكيفة مع مناخ المستقبل:
يجب أن يأخذ اختيار أنواع الأشجار في الاعتبار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتزايد خطر الحرائق. - تجنب الزراعات الموحدة:
يمكن للغابة المتنوعة أن تتمتع بقدرة أكبر على الصمود في مواجهة الاضطرابات. - مراقبة المنطقة لعدة سنوات:
لا يمكن الحكم على نجاح عملية الاستعادة بعد بضعة أشهر من الزراعة، إذ يجب متابعة الأشجار الصغيرة وحمايتها خلال مراحل نموها.
الوقاية خير من إعادة البناء
إن إعادة زراعة الغابة بعد اندلاع حريق عملية طويلة ومكلفة وغير مؤكدة النتائج، لذلك تظل الوقاية الاستراتيجية الأكثر فعالية، ويعد الحد من اندلاع الحرائق، وصيانة المناطق المعرضة للخطر، وإنشاء مناطق عازلة للحد من انتشار النيران، وتكييف إدارة الغابات، ومكافحة تغير المناخ، من بين الإجراءات التي يمكن أن تساهم في الحد من المخاطر، كما يمكن للغابة التي تعرضت للحريق أن تعود إلى الحياة، لكنها لا تستعيد وظائفها الأصلية بشكل فوري، وتتمثل الاستعادة الحقيقية للغابات في السماح للطبيعة باستعادة دورها عندما تكون قادرة على ذلك، والتدخل عندما يصبح التدخل ضروريا، وتهيئة النظم البيئية للتكيف مع الظروف المناخية في المستقبل.
خلاصة
لا يعني اندلاع حريق بالضرورة اختفاء الغابة بشكل نهائي، فبعض الأنواع تمتلك آليات طبيعية للتجدد، كما يمكن لجزء من التنوع البيولوجي أن يعيد استعمار المناطق المحترقة تدريجيا، وتتمثل الأولوية في التقييم قبل التدخل فعندما يكون التجدد الطبيعي ممكنا، يمكن دعمه بدلا من استبداله بإعادة تشجير شاملة.
وتظل إعادة التشجير مفيدة في بعض الحالات، لا سيما عندما تكون التربة متدهورة بشدة، أو عندما يكون خطر التعرية أو التصحر مرتفعا، أو عندما يكون التجدد الطبيعي غير كاف، وأخيرا فإن استعادة الغابة تحتاج إلى سنوات، بل وربما عقود، لذلك تظل أفضل وسيلة لحماية هذه النظم البيئية هي الوقاية من الحرائق وتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة تغير المناخ.
الكلمات المفتاحية: الحرائق، الغابة، حريق الغابات، التجدد، إعادة التشجير، التشجير، التنوع البيولوجي، تغير المناخ، الجفاف، التعرية، التربة، القدرة على الصمود، التجدد الطبيعي، التجدد الطبيعي ، زراعة الأشجار، الأشجار، الوقاية، الصحة، البيئة.
اقرأ أيضاً: