حقق باحثون ألمان خطوة واعدة في مكافحة المواد الكيميائية الابدية ، وهي مواد شديدة المقاومة تلوث البيئة بشكل دائم وتهدد صحة الإنسان. ويتمثل هدفهم في تدمير هذه المركبات مباشرة داخل المصانع ومحطات معالجة المياه، قبل أن تصل إلى مياه الشرب.
وعلى مدار سنوات تكاثرت النصائح الموجهة إلى عامة الناس، مثل استبدال أواني الطهي غير اللاصقة، وتجنب بعض عبوات تغليف الأغذية، واستخدام فلاتر منزلية للمياه، أو الحد من التعرض لبعض المنتجات الاستهلاكية. غير أنه، في ظل اتساع نطاق التلوث بالمواد الكيميائية الابدية تبقى هذه الإجراءات الفردية غير كافية، وأصبحت الاستجابة الحقيقية اليوم تعتمد على حلول صناعية قادرة على التدخل مباشرة عند مصدر التلوث.
وفي هذا السياق، نجح باحثون من مركز هيلمهولتز دريسدن-روسندورف (HZDR) في ألمانيا في تطوير تقنيتين مبتكرتين تهدفان إلى تدمير هذه الجزيئات شديدة المقاومة قبل وصولها إلى شبكات مياه الشرب. وقد نُشرت نتائج أبحاثهم في مجلتي Chemical Engineering Journal Advances وScientific Reports، ما يفتح آفاقًا جديدة في مكافحة هذه الملوثات المستمرة.
لماذا تثير المواد الكيميائية الابدية كل هذا القلق؟
تضم مواد المواد الكيميائية الابدية آلاف المركبات الكيميائية التي تُستخدم منذ خمسينيات القرن الماضي في العديد من القطاعات الصناعية، وتوجد هذه المواد على وجه الخصوص في:
- الطلاءات غير اللاصقة لأواني الطهي؛
- بعض الأقمشة المقاومة للماء؛
- عبوات تغليف المواد الغذائية؛
- رغوات مكافحة الحرائق؛
- بعض مستحضرات التجميل؛
- الدهانات والطلاءات الصناعية؛
- المكونات الإلكترونية.
ويعود نجاح استخدامها إلى خاصية فريدة تتمثل في مقاومتها الشديدة لمعظم العوامل، فهي تتحمل:
- درجات الحرارة المرتفعة؛
- المواد الكيميائية؛
- الدهون؛
- الماء.
وترجع هذه المقاومة الاستثنائية إلى الرابطة بين الكربون والفلور، التي تُعد من أقوى الروابط المعروفة في علم الكيمياء، غير أن هذه الميزة الصناعية تتحول إلى مشكلة بيئية خطيرة، إذ إن المواد الكيميائية الابدية تتحلل ببطء شديد بعد إطلاقها في البيئة، ويمكن أن تبقى لعقود طويلة، بل ولعدة قرون، وهو ما أكسبها لقب ”الملوثات الأبدية”
ملوثات موجودة في كل مكان
اليوم، تم رصد المواد الكيميائية الابدية في:
- الأنهار؛
- المياه الجوفية؛
- التربة الزراعية؛
- الأسماك؛
- بعض الأغذية؛
- مياه الشرب؛
- دم غالبية سكان العالم.
وقد أصبح انتشارها واسعًا إلى درجة أنها تمثل اليوم تحديًا حقيقيًا في مجال الصحة العامة.
ما هي المخاطر الصحية؟
تشهد المعارف العلمية حول هذه المواد تطورًا سريعًا، ووفقًا لعدة هيئات صحية دولية، فإن التعرض المزمن لبعض أنواع المواد الكيميائية الابدية يرتبط بزيادة خطر الإصابة بـ:
- اضطرابات هرمونية؛
- ارتفاع مستويات الكوليسترول؛
- ضعف الاستجابة المناعية، خاصة بعد تلقي بعض اللقاحات؛
- اضطرابات الخصوبة؛
- مضاعفات أثناء الحمل؛
- أضرار تصيب الكبد؛
- أمراض الغدة الدرقية؛
- بعض أنواع السرطان، ولا سيما سرطان الكلى وسرطان الخصية بالنسبة لبعض مركبات المواد الكيميائية الابدية
ومع ذلك لا تتمتع جميع الجزيئات المنتمية إلى هذه العائلة بالمستوى نفسه من السمية، وهو ما يفسر استمرار الأبحاث الرامية إلى تقييم التأثيرات الصحية الخاصة بكل منها بشكل أكثر دقة.
لم يعد الحل يعتمد على المستهلكين وحدهم
لطالما ركزت الاستراتيجيات المقترحة على الحد من التعرض الفردي لهذه المواد من خلال:
- تغيير أواني الطهي؛
- استخدام فلاتر لتنقية المياه؛
- تجنب بعض أنواع عبوات تغليف الأغذية.
ورغم أن هذه الإجراءات تظل مفيدة، فإنها لا تزيل التلوث الموجود بالفعل في البيئة.
ويرى الباحثون اليوم أن الأولوية تتمثل في منع وصول المواد الكيميائية الابدية إلى شبكات مياه الشرب، وبعبارة أخرى ينبغي التدخل مباشرة:
- داخل المصانع؛
- في محطات معالجة المياه؛
- في المواقع الصناعية المسؤولة عن طرح هذه المواد في البيئة.
التقنية الأولى: تفجير مليارات الفقاعات المجهرية
تعتمد الطريقة الأولى التي طورها الباحثون على ظاهرة تُعرف باسم التجويف الهيدروديناميكي، ويقوم مبدأها على فكرة بسيطة نسبيًا، إذ تمر المياه الملوثة عبر ممر ضيق جدًا، ويؤدي هذا التسارع إلى تكوّن فقاعات بخار متناهية الصغر، وبفضل خصائصها الخافضة للتوتر السطحي، تلتصق المواد الكيميائية الابدية تلقائيًا بسطح هذه الفقاعات، وعندما تنفجر الفقاعات نتيجة تغيرات الضغط، فإنها تولد محليًا درجات حرارة قد تصل إلى عدة آلاف من الدرجات المئوية، وذلك خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، وتؤدي هذه الطاقة الهائلة إلى إضعاف الروابط الشهيرة بين الكربون والفلور.
وفي الوقت نفسه ينتج عن انفجار الفقاعات جذور الهيدروكسيل الحرة، وهي جزيئات شديدة التفاعل قادرة على مهاجمة المركبات الوسيطة الناتجة عن تحلل المواد الكيميائية الابدية.
نتائج أولية مشجعة
أُجريت التجارب الأولى على مياه ملوثة بمادة PFOS (سلفونات البيرفلوروأوكتان)، وهي واحدة من أكثر مركبات المواد الكيميائية الابدية التاريخية خضوعًا للدراسة، وأظهرت النتائج أن:
- نحو 37% من الجزيئات قد تم تدميرها؛
- وظلت العملية مستقرة طوال مدة التجربة.
ورغم أن هذه النسبة لا تزال غير كافية للتطبيق الصناعي، فإن الباحثين يطمحون الآن إلى تحقيق معدل تدمير يتجاوز 80%، وهو مستوى يُعد أكثر ملاءمة لمعالجة المياه.
التقنية الثانية: البلازما الباردة
تعتمد المقاربة الثانية على تقنية أكثر إثارة، وهي البلازما الباردة، وتُوصف البلازما أحيانًا بأنها الحالة الرابعة للمادة، فهي عبارة عن غاز شديد التأين يحتوي على عدد كبير من الجسيمات عالية الطاقة، ويقوم الباحثون بتوليد هذه البلازما مباشرة على سطح المياه الملوثة، مع حقن غاز في الوقت نفسه، وتتجمع المواد الكيميائية الابدية حول فقاعات الغاز، وعند صعودها إلى السطح، تدخل هذه المواد منطقة البلازما، حيث تتعرض لسلسلة من التفاعلات الكيميائية القادرة على كسر روابطها الجزيئية.
فعالية تكاد تكون كاملة
كانت النتائج المحققة واعدة للغاية، فقد نجحت هذه الطريقة في تحليل وتفكيك:
- مركبات المواد الكيميائية الابدية ذات السلاسل الطويلة؛
- مركبات المواد الكيميائية الابدية ذات السلاسل القصيرة، التي تُعد أكثر صعوبة في الإزالة.
ومن مزايا هذه التقنية أيضًا أنها أسرع بكثير من تقنية التجويف الهيدروديناميكي، غير أن أبرز عيوبها يتمثل في استهلاكها المرتفع للطاقة، ويعمل الباحثون كذلك على دراسة الجزيئات الناتجة بعد تدمير مواد المواد الكيميائية الابدية ، للتأكد من أنها لا تشكل أي خطر على صحة الإنسان أو على البيئة.
دمج التقنيتين لتحسين الأداء
يرى العلماء اليوم أن أفضل حل قد يكون في الجمع بين الطريقتين، إذ يوفر التجويف الهيدروديناميكي الظروف المثالية لإضعاف الجزيئات، ثم تتولى البلازما الباردة تدميرها بشكل شبه كامل، وقد يتيح هذا النهج:
- تحسين معدلات إزالة الملوثات؛
- خفض استهلاك الطاقة؛
- الحد من تكوّن النواتج الثانوية غير المرغوب فيها.
ويبقى التحدي هو التطبيق على النطاق الصناعي
وحتى الآن لم تُجرَ هذه التجارب إلا على أحجام صغيرة من المياه لا تتجاوز نحو 50 مليلترًا، أما التحدي الحقيقي فيتمثل الآن في تكييف هذه التقنية مع منشآت قادرة على معالجة آلاف، بل ملايين اللترات من المياه يوميًا، وتُعد هذه المرحلة الصناعية خطوة أساسية قبل اعتماد هذه التقنيات في محطات معالجة المياه أو المواقع الصناعية.
لماذا يُعد هذا الاكتشاف مهمًا؟
على عكس الفلاتر المنزلية التي تحتجز المواد الكيميائية الابدية دون تدميرها، فإن هذه التقنيات الجديدة تسعى إلى التخلص منها نهائيًا، وإذا أثبتت فعاليتها على نطاق واسع، فقد تُحدث تحولًا جذريًا في إدارة تلوث المياه، فالهدف لن يقتصر حينها على نقل الملوثات أو تركيزها داخل نفايات خاصة، بل سيتمثل في تفكيكها كيميائيًا والقضاء عليها، ويمثل ذلك تقدمًا كبيرًا في مكافحة الملوثات البيئية المستمرة.
توصيات للحد من التعرض للمواد الكيميائية الابدية
إلى حين تعميم الحلول الصناعية تبقى بعض الإجراءات الوقائية مفيدة ومنها:
- استخدام أواني طهي ذات طلاء غير متضرر؛
- تجنب تسخين أواني الطهي القديمة غير اللاصقة إلى درجات حرارة مرتفعة جدًا؛
- الحد من استخدام المنتجات المعالجة لمقاومة البقع أو الماء عندما لا تكون هناك حاجة إليها؛
- تنويع مصادر الغذاء لتقليل التعرض المتكرر لهذه المواد؛
- اتباع توصيات السلطات الصحية بشأن جودة مياه الشرب؛
- دعم الجهود الرامية إلى الحد من انبعاثات المواد الكيميائية الابدية من المنشآت الصناعية.
وتظل الوقاية الفردية مفيدة لكنها لا يمكن أن تحل محل السياسات العامة الهادفة إلى الحد من الانبعاثات عند مصدرها.
الخلاصة
تُعد المواد الكيميائية الابدية من أكثر الملوثات البيئية صعوبة في الإزالة بسبب استقرارها الكيميائي الاستثنائي. ويقترح الباحثون الألمان اليوم نهجين مبتكرين، هما التجويف الهيدروديناميكي والبلازما الباردة، قادرين على تدمير هذه الجزيئات مباشرة داخل المياه الملوثة. ورغم أن هاتين التقنيتين لا تزالان في المرحلة التجريبية، فإنهما تمثلان تقدمًا واعدًا نحو تطوير أنظمة معالجة قادرة على منع وصول هذه الملوثات الأبدية إلى موارد مياه الشرب على المدى الطويل.
الكلمات المفتاحية: الملوثات الأبدية، المواد الكيميائية الابدية، مياه الشرب، التلوث، التجويف الهيدروديناميكي، البلازما الباردة، ، محطات معالجة المياه، الصحة البيئية، التلوث الكيميائي، المعالجة، جذور الهيدروكسيل، البيئة، الابتكار، البحث العلمي الألماني.
اقرأ أيضاً: