صحة جيدة لحياة أفضل

الطاعون والجذام: ميكروبات قديمة لفهم مدة الأوبئة

حرر : صفاء كوثر بوعريسة | صحفية
16 سبتمبر 2025

لماذا استمرت أوبئة الطاعون كل هذه الفترة الطويلة؟ وهل كان الجذام موجودا في أمريكا قبل وصول الأوروبيين بوقت طويل؟ للإجابة عن هذه الأسئلة قام علماء بدراسة الحمض النووي لبكتيريا قديمة جدا تم استخراجها من بقايا بشرية تعود إلى آلاف السنين. هذه الأبحاث التي تشبه عمل علماء آثار الأحياء، نُشرت في مجلة “ Science” المرموقة.

باحثون يتتبعون أمراض الماضي

ويركز البحث على مرضين بارزين: الطاعون المسؤول عن الطاعون الأسود المروع في العصور الوسطى، والجذام الذي ارتبط طويلا بالمرضى المنبوذين والمصابين بتشوهات جلدية مرعبة.

الدراسة الأولى التي قادها معهد باستور وجامعة ماكماستر الكندية، تهتم بطول عمر أوبئة الطاعون الكبرى. ويقول “خافيير بيثارو-سيردا” عالم الأحياء الدقيقة والباحث في معهد باستور: «فهم كيفية انتشار الطاعون أمر أساسي، لأنه ترك بصمة عميقة على تاريخ البشرية».

وتمت دراسة ثلاث موجات كبرى من الطاعون:

  • طاعون جستنيان (القرن السادس)، الذي استمر نحو قرنين.
  • الطاعون الأسود (القرن الرابع عشر)، الذي قتل نحو نصف سكان أوروبا.
  • الجائحة الثالثة، التي ظهرت في آسيا في القرن التاسع عشر وما تزال تدور حتى اليوم خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء (الكونغو الديمقراطية، مدغشقر، أوغندا…).

وقام الباحثون بتحليل سلالات من بكتيريا ” اليرسينية الطاعونية ” المسببة للطاعون الدبلي، مأخوذة من عظام قديمة. وفي كل حالة لوحظ تطور جيني جعل البكتيريا أقل شراسة.

هذا الانخفاض في الضراوة لم يؤد إلى اختفاء الطاعون، بل العكس: الشكل الأقل عدوانية سمح للبكتيريا بالبقاء أطول داخل المجتمعات، مسبباً أعراضاً أخف ولكن لمدة أطول، ما سهّل انتقال العدوى وأطال عمر الأوبئة.

وللتأكد من هذه الفرضية أجرى العلماء تجارب على فئران مصابة بسلالات تاريخية مختلفة، والنتيجة كلما كانت البكتيريا أضعف، كلما بقيت أطول في جسم العائل.

ويقول “بيثارو-سيردا”: «هذا يوضح لنا كيف تتكيف العوامل الممرضة للبقاء عبر الزمن، لذا نفهم الآن بشكل أفضل كيف تمكن الطاعون من الاستمرار، وكيف يمكننا حماية أنفسنا منه بشكل أفضل».

الدراسة الثانية المنشورة في “ Science ” تبحث في أصل الجذام في القارة الأمريكية. هذه الأبحاث، بقيادة معهد باستور وجامعة كولورادو، اعتمدت على مئات العينات الأثرية من مختلف أنحاء الأمريكيتين.

وتمكن العلماء من اكتشاف وجود بكتيريا ” فطرية جذامية ورمية ” المسببة للجذام في بقايا بشرية تعود إلى 9000 عام، ما يثبت أن المرض كان موجوداً قبل قدوم الأوروبيين بآلاف السنين.

ويقول عالم الجينات القديمة “نيكولا راسكوفان” المشارك في الدراسة: «أثبتنا أن شكلاً من الجذام كان منتشراً بالفعل على نطاق واسع في القارة قبل الاستعمار، ولم يكن محدوداً بمنطقة معينة».

ومع ذلك لا يلغي هذا أثر الاستعمار بالكامل، إذ أدخل الأوروبيون سلالة أخرى هي ” متفطرة جذامية “، التي كانت تعتبر لفترة طويلة المسبب الوحيد للجذام حتى إعادة النظر في هذا الاعتقاد في بداية الألفية.

من جهتها تفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة لدراسة ” فطرية جذامية ورمية “، وهي بكتيريا لم يُعرف عنها الكثير منذ اكتشافها لأول مرة عام 2008. لذا فإن فهمها بشكل أفضل قد يحسّن طرق التشخيص والعلاج ومراقبة الجذام الذي لا يزال موجوداً في بعض مناطق العالم.

هذه الأبحاث التي تمزج بين علم الجينات القديمة والميكروبيولوجيا الحديثة، تمنحنا فهماً أعمق لسلوك الميكروبات على المدى الطويل، وتذكرنا أن دراسة الماضي يمكن أن تساعد في التنبؤ بالأوبئة المستقبلية من خلال فهم كيفية تكيف بعض البكتيريا واستمرارها عبر القرون.

الكلمات المفتاحية: الجذام؛ بكتيريا؛ الطاعون؛ جينات؛ كائن حي؛ تاريخ؛ مسبب مرض؛ ميكروب؛

إقرأ أيضاً: