لطالما اعتُبرت السمنة مرضا مرتبطا أساسا بالوزن أو باضطرابات الأيض أو بالمخاطر القلبية الوعائية، غير أن السمنة تبدو اليوم أكثر تعقيدا بكثير فبفضل الذكاء الاصطناعي، تمكن باحثون ألمان من الكشف عن أضرار كانت مجهولة إلى حد كبير، تمس الأعصاب، والجهاز المناعي، والعديد من الأنسجة العميقة داخل الجسم.
وأظهرت الدراسة المنشورة في مجلة Nature، أن السمنة لا تقتصر على مجرد تراكم الدهون، بل تؤدي إلى تغيرات بنيوية وبيولوجية منتشرة في مختلف أنحاء الجسم، بما في ذلك الجهاز العصبي، وقد أصبح هذا الاكتشاف ممكنا بفضل أداة جديدة للذكاء الاصطناعي تحمل اسم “MouseMapper”
السمنة: مرض جهازي أكثر تعقيدا مما كان يُعتقد
أصبحت السمنة اليوم معترفا بها كمرض مزمن متعدد العوامل، فهي لا تنتج فقط عن اختلال النظام الغذائي أو قلة النشاط البدني، وتشمل هذه الحالة المرضية:
- اضطرابات هرمونية؛
- اختلالات أيضية؛
- التهابا مزمنا؛
- عوامل وراثية؛
- تفاعلات معقدة مع الجهاز المناعي.
ومنذ سنوات يعرف العلماء أن السمنة تزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بـ:
- داء السكري من النوع الثاني؛
- أمراض القلب والشرايين؛
- ارتفاع ضغط الدم؛
- انقطاع النفس أثناء النوم؛
- بعض أنواع السرطان؛
- أمراض الكبد.
لكن هذه الدراسة الجديدة تشير إلى أن آثار السمنة أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقا.
ذكاء اصطناعي قادر على رسم خريطة كاملة للجسم
لفهم التأثيرات الشاملة للسمنة بشكل أفضل، طور باحثون من Ludwig Maximilian University of Munich وHelmholtz Munich نظام ذكاء اصطناعي أطلق عليه اسم “MouseMapper”، وتتيح هذه الأداة تحليل كميات هائلة من الصور البيولوجية المأخوذة من فئران مخبرية.
كيف يعمل MouseMapper؟
استخدم العلماء عدة تقنيات متطورة من بينها:
- مؤشرات فلورية لإظهار بعض الخلايا؛
- تقنيات لتوضيح الأنسجة وجعل أجسام الفئران شبه شفافة؛
- مجاهر عالية الدقة؛
- خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل الصور تلقائيا.
وقام الذكاء الاصطناعي بعد ذلك بتقسيم ورسم خرائط لـ:
- 31 عضوا؛
- الأنسجة الدهنية؛
- العضلات؛
- الأوعية الدموية؛
- الخلايا المناعية
- الشبكات العصبية.
وتسمح هذه المقاربة بدراسة الجسم ككل، بدلا من التركيز على عضو واحد فقط.
التهاب منتشر في عدة أنسجة
حدد الباحثون وجود إصابات وعلامات التهابية في العديد من الأنسجة لدى الفئران المصابة بالسمنة، وشملت الأضرار خصوصا:
- الكبد؛
- العضلات؛
- الأنسجة الدهنية؛
- الأعصاب الطرفية؛
- بعض البنى المناعية.
وتعزز هذه النتائج فكرة أن السمنة تعمل كمرض التهابي مزمن يصيب الجسم بأكمله، وقد يفسر هذا الالتهاب الصامت سبب ارتباط السمنة بعدد كبير من الأمراض المختلفة.
الجهاز العصبي أيضا يتأثر بالسمنة
أحد أبرز الاكتشافات في الدراسة يتعلق بالعصب الثلاثي التوائم.
عصب أساسي في الوجه: يُعد العصب الثلاثي التوائم من أهم أعصاب الوجه، إذ يساهم في:
- الإحساس في الوجه؛
- عملية المضغ؛
- بعض الوظائف الحركية؛
- نقل الإحساس بالألم.
ولاحظ الباحثون لدى الفئران البدينة:
- انخفاض التفرعات العصبية؛
- تراجع النهايات العصبية؛
- تغيرات جزيئية مهمة.
كما أصبحت الحيوانات أقل استجابة للتحفيزات الحسية، وبمعنى آخر بدا أن السمنة تؤثر مباشرة على بعض البنى العصبية.
مؤشرات مماثلة لدى الإنسان
قارن العلماء نتائجهم لاحقا مع أنسجة بشرية ليكتشفوا وجود بصمات جزيئية مشابهة في بعض البنى العصبية المرتبطة بالسمنة لدى الإنسان، وبحسب الدكتورة Doris Kaltenecker، وهي الباحثة الرئيسية الأولى في الدراسة، فإن هذا الاكتشاف يفتح فهما جديدا للمرض، وترى أن هذا النوع من التحليل الشامل يسمح بالكشف عن آليات خفية لا يمكن ملاحظتها عند دراسة عضو منفرد فقط.
لماذا يُعد هذا الاكتشاف مهما؟
قد تغير هذه الدراسة طريقة فهم العلماء للسمنة بشكل جذري.
مرض يؤثر على كامل الجسم : تُظهر النتائج أن السمنة تؤثر على:
- المناعة؛
- الروابط العصبية؛
- التواصل الخلوي؛
- تنظيم الأنسجة.
وقد تساهم هذه الاضطرابات في:
- الآلام المزمنة؛
- بعض الاضطرابات العصبية؛
- الأمراض الالتهابية؛
- المضاعفات الأيضية.
الذكاء الاصطناعي في خدمة طب المستقبل

بعيدا عن السمنة قد يتحول “MouseMapper” إلى أداة رئيسية لدراسة أمراض معقدة أخرى، ويأمل الباحثون في استخدامه لفهم أفضل لـ:
- السرطانات؛
- الأمراض التنكسية العصبية؛
- السكري؛
- الأمراض الالتهابية؛
- بعض أمراض المناعة الذاتية.
نحو “توأم رقمي” للجسم البشري؟
الهدف طويل المدى طموح للغاية ويتمثل في إنشاء نماذج رقمية فائقة الدقة قادرة على محاكاة تطور الأمراض داخل الجسم، وقد تسمح هذه “التوائم الرقمية” بـ:
- الكشف المبكر عن بعض الأمراض؛
- التنبؤ بتطور الحالة المرضية؛
- اختبار العلاجات افتراضيا؛
- تقليل بعض التجارب على الحيوانات.
ويرى الدكتور Ali Ertürk الذي أشرف على الدراسة، أن هذه المقاربة قد تُحدث ثورة في الأبحاث الطبية الحيوية خلال السنوات المقبلة.
هل يمكن الحد من التأثيرات الالتهابية للسمنة؟
رغم أن هذه الدراسة ما تزال تجريبية، فإن هناك عدة إجراءات تساعد بالفعل على تقليل المضاعفات المرتبطة بالسمنة.
توصيات طبية مهمة
- الحفاظ على نشاط بدني منتظم؛
- التقليل من الأغذية فائقة التصنيع؛
- اعتماد نظام غذائي غني بالألياف؛
- مراقبة ضغط الدم ونسبة السكر؛
- تحسين جودة النوم؛
- تقليل الجلوس لفترات طويلة؛
- استشارة الطبيب عند حدوث زيادة كبيرة أو سريعة في الوزن.
ويبقى التكفل المبكر أساسيا للحد من المضاعفات القلبية، والأيضية، والالتهابية.
رؤية جديدة للسمنة
تؤكد هذه الدراسة أن السمنة لم تعد مجرد مشكلة مرتبطة بالوزن فقط، فهي تؤثر على أنظمة بيولوجية متعددة أحيانا بطرق غير مرئية، وبفضل الذكاء الاصطناعي، أصبح لدى الباحثين اليوم أدوات قادرة على استكشاف هذه الآليات المعقدة على نطاق غير مسبوق.
وقد تسمح هذه التطورات مستقبلا بتطوير علاجات أكثر دقة وطب أكثر تخصيصا لكل مريض.
الكلمات المفتاحية: السمنة، الذكاء الاصطناعي، الالتهاب المزمن، الجهاز العصبي، دراسة علمية، Nature، MouseMapper، العصب الثلاثي التوائم، المناعة، الدهون، الأمراض الأيضية، الصحة، رسم خرائط الجسم، المضاعفات، البحث الطبي، الخلايا المناعية، الأنسجة العصبية، الدماغ.
إقرأ أيضاً: