
في كل شهر نوفمبر يتزيّن العالم باللون الأزرق، وخلف هذا الرمز رسالة نبيلة وهي توعية الرجال بالأمراض السرطانية الذكورية، وخاصة سرطانات البروستات والخصيتين، وأحياناً القضيب. وتأتي هذه الحملة، المسماة بـ “نوفمبر الأزرق”، امتداداً لمبادرة “أكتوبر الوردي” المخصصة لصحة المرأة، وتهدف إلى نشر الوعي، وتشجيع الوقاية، وحث الرجال على إجراء الفحوصات، إلى جانب دعم المرضى وعائلاتهم.
حملة عالمية لكسر الصمت حول السرطانات الذكورية
أُطلقت هذه المبادرة في الأصل تحت اسم “موفمبر” (Movember) في أستراليا مطلع الألفية الجديدة، وأصبحت اليوم حملة عالمية. تقوم فكرتها على إطالة الشارب لجذب الانتباه إلى قضايا صحة الرجل. هذا الفعل البسيط يرمز إلى التضامن والالتزام بنشر الوعي والوقاية من الأمراض.
وبمناسبة “نوفمبر الأزرق”، تشارك مجلة “صحتي، حياتي” في هذه الجهود بإطلاق حملة وطنية تهدف إلى توعية الرجال وتشجيعهم على الكشف المبكر عن السرطانات الذكورية.
سرطانات ما تزال مجهولة إلى حد كبير وتُكتشف متأخرة
رغم التقدم الطبي لا تزال السرطانات الذكورية قليلة الكشف بسبب غياب الوعي واستمرار الصمت حولها، مما يؤدي في كثير من الحالات إلى التشخيص المتأخر وتقليل فرص الشفاء.
في فرنسا وحدها يسجل سنوياً نحو 65 ألف حالة جديدة من سرطان البروستات وحوالي 2700 حالة من سرطان الخصيتين. يصيب سرطان البروستات رجلاً من كل ثمانية غالباً بعد سن الخمسين، بينما يُعتبر سرطان الخصيتين أكثر شيوعاً بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 سنة.
وتذكّر هذه الأرقام بأن الوقاية تنقذ الأرواح، فالكشف المبكر عن هذه السرطانات يسمح بالشفاء في أكثر من 90٪ من الحالات.
الدور المحوري للكشف المبكر
يُعد الفحص الطبي المبكر حجر الأساس في الوقاية، ويعتمد على عدة فحوصات بسيطة ومتاحة:
- الاستشارة الطبية: يقوم الطبيب العام بتقييم عوامل الخطر مثل العمر، والتاريخ العائلي، ونمط الحياة.
- الفحص الشرجي بالاصبع: يجريه طبيب المسالك البولية لكشف أي تغيرات في غدة البروستات.
- اختبار PSA (مستضد البروستاتا النوعي): تحليل دم يقيس تركيز بروتين تنتجه البروستات.
وفي حال وجود شذوذ في النتائج يمكن اللجوء إلى فحوصات إضافية مثل الخزعة، أو التصوير بالرنين المغناطيسي للبروستات، أو مسح العظام لتأكيد التشخيص وتحديد مرحلة المرض.
ويُنصح بإجراء فحص دوري بدء من سن الخمسين، أو من سن 45 في حال وجود تاريخ عائلي للمرض.
سرطان البروستات: الفهم، الوقاية، والتحرك
البروستات غدة صغيرة بحجم حبة الكستناء تقع أسفل المثانة، وتلعب دوراً أساسياً في إنتاج السائل المنوي الذي يسهّل حركة الحيوانات المنوية.
يحدث سرطان البروستات نتيجة تكاثر غير طبيعي للخلايا داخل هذه الغدة، وغالباً ما يكون صامتاً في بدايته، فيما تظهر الأعراض في مراحل متأخرة وتشمل:
- صعوبة في التبول أو ضعف تدفق البول،
- الحاجة المتكررة للتبول، خصوصاً أثناء الليل،
- آلام في منطقة الحوض أو أسفل الظهر،
- وجود دم في البول أو السائل المنوي.
هذه الأعراض لا تعني بالضرورة وجود سرطان، لكنها تتطلب استشارة طبية عاجلة لتجنب أي تأخر في التشخيص والعلاج.

العوامل الرئيسية المسببة للخطر
- التقدم في السن (أكثر من 50 سنة)
- التاريخ العائلي (إصابة الأب أو الأخ أو العم بالمرض)
- النظام الغذائي الغني بالدهون الحيوانية والفقير بالألياف
- قلة النشاط البدني، التدخين، والسمنة
علاجات مخصصة وأكثر دقة
تختلف الخيارات العلاجية حسب مرحلة المرض، وعمر المريض، وحالته الصحية العامة:
- المراقبة النشطة: تُستخدم في الحالات غير العدوانية، دون علاج فوري، مع متابعة طبية منتظمة.
- الاستئصال الجذري للبروستات: عملية جراحية لإزالة الغدة بالكامل.
- العلاج الإشعاعي الخارجي أو المعالجة الكثبية: توجيه إشعاع دقيق لتدمير الخلايا السرطانية.
- العلاج الهرموني: يهدف إلى حجب هرمون التستوستيرون الذي يحفز نمو الورم.
- الموجات فوق الصوتية المركزة ، العلاج بالتبريد، أو العلاج الضوئي الديناميكي: تقنيات مبتكرة وأقل تدخلاً.
لقد سمحت التطورات في التصوير الطبي، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي بتحقيق علاجات أكثر دقة، تقلل من الآثار الجانبية وتحسن جودة الحياة بعد الإصابة بالسرطان.
سرطان الخصية: سرطان الشباب
هو سرطان نادر نسبياً ولكنه غالباً غير معروف، ويصيب بشكل أساسي الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 سنة، كما تظهر أعراضه عادة على شكل:
- وجود كتلة أو تصلب في إحدى الخصيتين،
- إحساس بثقل أو انزعاج في أسفل البطن،
- وأحياناً ألم خفيف منتشر.
ويعتمد التشخيص المبكر على الفحص الذاتي الشهري للخصيتين، وفي حال الشك تعتبر الموجات فوق الصوتية للخصيتين ضرورية للتأكد.
كما يتم العلاج من خلال الجراحة والعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي، مع نسبة شفاء تتجاوز 95٪ عند اكتشاف المرض في مراحله الأولى.
الحياة بعد السرطان: الدعم ونمط الحياة الصحي
بعد الإصابة بالسرطان يمكن استئناف حياة طبيعية، لكنها تتطلب متابعة طبية منتظمة ودعماً نفسياً مناسباً، كما يمكن التخفيف من الأعراض الجانبية مثل سلس البول، الاضطرابات الجنسية، والتعب بفضل رعاية متعددة التخصصات تشمل أطباء المسالك البولية، وأخصائيي العلاج الطبيعي، والجنسيين، وعلماء النفس.
أهم التوصيات الطبية
- اتباع نظام غذائي متوازن غني بالفواكه والخضروات والألياف وأحماض الأوميغا 3.
- تجنب التدخين، والكحول، وقلة الحركة.
- الحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام.
- زيارة الطبيب أو اختصاصي المسالك البولية بشكل دوري.
- التحدث بصراحة عن الحالة الصحية: كسر حاجز الصمت هو أول خطوة للحماية.
شهر، رمز، وقضية: الشارب الأزرق رمز الأمل
الشارب الذي أصبح شعار حملة موفمبر (Movember) ، ليس مجرد علامة مميزة، بل نداء للتضامن. يذكّر بأن العناية بالصحة ليست ضعفاً، بل عملاً من الشجاعة.
وفي جميع أنحاء العالم، تتكاتف المستشفيات، الجمعيات، الأندية الرياضية، والشركات لتنظيم محاضرات، وفحوصات مجانية، وحملات تبرع، وأنشطة توعوية.
التوعية، الفحص، والدعم: ثلاث خطوات بسيطة لإنقاذ الأرواح.
نوفمبر الأزرق : التزام جماعي
فلنجعل من شهر نوفمبر الأزرق شهراً للتعبير بحرية، والوقاية الفعالة، والتضامن الرجولي، فكل شارب، كل مبادرة، وكل فحص طبي له قيمته، كما أن صحة الرجال مسؤولية الجميع، والحديث عنها هو بداية الطريق نحو الشفاء.
الكلمات المفتاحية: السرطان؛ البروستات؛ نوفمبر الأزرق؛ الفحص المبكر؛ الرجل؛ التشخيص.
إقرأ أيضاً: