بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة إساءة استعمال المخدرات والاتجار غير المشروع بها ، تؤكد الجزائر من جديد التزامها بمكافحة هذه الظاهرة التي أصبحت اليوم أحد أبرز التحديات الصحية والاجتماعية والأمنية على المستوى العالمي.
تعبئة وطنية لمواجهة تحدٍ كبير في مجال الصحة العامة والأمن
وأقيمت المراسم الرسمية بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية تحت شعار:”عام من إطلاق الاستراتيجية الوطنية… معاً نرفع التحدي”.
وأتاح هذا اللقاء تقييم النتائج الأولى للاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية 2025-2029، مع تحديد الإجراءات التي ينبغي تعزيزها خلال السنوات المقبلة.
المخدرات: تهديد صحي واجتماعي واقتصادي
لم يعد تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية يقتصر على فئات معينة من المجتمع، بل أصبح يمس جميع الفئات العمرية، مع وجود هشاشة خاصة لدى المراهقين والشباب، ويؤكد مختصو الصحة العامة أن الإدمان قد يؤدي إلى:
- اضطرابات نفسية.
- اضطرابات القلق والاكتئاب.
- تراجع القدرات الإدراكية.
- صعوبات دراسية ومهنية.
- سلوكيات محفوفة بالمخاطر.
- أمراض القلب والجهاز التنفسي.
- زيادة خطر الانتحار.
- مشكلات أسرية واجتماعية.
ولا تقتصر آثار المخدرات على الأفراد فقط، بل إن الاتجار بها يغذي أيضاً أشكالاً أخرى من الجريمة المنظمة، ولا سيما غسل الأموال، والتهريب، والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
استراتيجية وطنية قائمة على أربعة محاور أساسية
اعتمدت هذه الاستراتيجية خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في 20 أفريل 2025، وتعكس رؤية شاملة تقوم على الوقاية، والعلاج، وإعادة الإدماج، والردع، ويهدف هذا النهج إلى تعبئة جميع المؤسسات العمومية، ومهنيي الصحة، والمؤسسات التربوية، ووسائل الإعلام، ومكونات المجتمع المدني.
- تعزيز الوقاية والتوعية
يرتكز المحور الأول على الإعلام والتثقيف، ويتمثل الهدف في التدخل قبل بداية التعاطي، من خلال ترسيخ ثقافة الوقاية منذ سن مبكرة، وتركز حملات التوعية على:
- تأثير المخدرات على الدماغ.
- انعكاساتها على الصحة النفسية.
- مخاطر الإدمان.
- أخطار إساءة استعمال المؤثرات العقلية المخصصة للاستخدام الطبي.
- الآثار الاجتماعية والأسرية.
وتُعد الوقاية اليوم واحدة من أكثر التدخلات فعالية وأقلها تكلفة في مجال الصحة العامة.
- تحسين التكفل بعلاج الإدمان
ويعتبر الإدمان وفقاً للأوساط العلمية مرضاً دماغياً مزمناً يتطلب مرافقة طبية ونفسية ملائمة، وتتضمن الاستراتيجية الوطنية:
- تعزيز هياكل العلاج.
- تحسين الوصول إلى الخدمات العلاجية.
- تطوير المتابعة النفسية.
- تقديم المرافقة الاجتماعية للمرضى.
- إعادة الإدماج المهني والأسري للأشخاص المدمنين.
ولا يقتصر الهدف على وقف التعاطي فحسب، بل يتمثل أيضاً في تمكين المريض من استعادة توازنه بصورة مستدامة.
- تكييف الاستجابة القانونية مع الأشكال الجديدة للاتجار
عززت السلطات كذلك الإطار القانوني لمواكبة تطور الشبكات الإجرامية، وقد سمحت عدة إصلاحات بما يلي:
- تجريم ممارسات جديدة مرتبطة بالاتجار بالمخدرات.
- تشديد العقوبات ضد الشبكات الإجرامية المنظمة.
- تكييف التشريعات مع ظهور المواد النفسية ذات التأثير الجديد.
- تحسين آليات التحقيق والتعاون القضائي.
ويهدف هذا التوجه إلى حماية المجتمع، مع التمييز بين المتاجرين بالمخدرات والأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية علاجية.
- تطوير التعاون الإقليمي والدولي
في مواجهة ظاهرة عالمية، لا يمكن مكافحة المخدرات بشكل منفرد، ولهذا تعزز الجزائر تعاونها مع عدد من الشركاء الدوليين في مجالات:
- الاستخبارات.
- مراقبة الحدود.
- رصد شبكات الاتجار.
- التكوين المتخصص.
- تبادل الخبرات.
وأصبح هذا التعاون ضرورة في ظل التعقيد المتزايد للشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
تعبئة جميع المؤسسات
يعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على مشاركة جماعية، وتساهم عدة جهات بفاعلية في هذا المجهود الوطني:
قطاع الصحة: يتولى مهنيّو الصحة الكشف المبكر، والعلاج، ومتابعة الأشخاص المدمنين.
قطاع التربية: وضعت وزارة التربية الوطنية، على وجه الخصوص رقماً أخضر مخصصاً للوقاية من المخدرات ومكافحتها داخل الوسط المدرسي.
المجتمع المدني: تؤدي الجمعيات دوراً أساسياً في التوعية، ومرافقة الأسر، وإعادة الإدماج الاجتماعي.
وسائل الإعلام: تساهم في نشر رسائل الوقاية وتصحيح المعلومات المغلوطة المتعلقة بالمواد ذات التأثير النفسي.
الدور الحاسم لمصالح الأمن والجيش الوطني الشعبي
من جهتها تشكل مكافحة الاتجار بالمخدرات أيضاً أولوية أمنية، ويواصل الجيش الوطني الشعبي، بالتنسيق مع مختلف الأجهزة الأمنية، تنفيذ عمليات منتظمة لتأمين الحدود وتفكيك الشبكات الإجرامية.
وبفضل هذا التنسيق يتم سنوياً حجز كميات كبيرة من المخدرات والمؤثرات العقلية، وترى السلطات أن حماية الحدود تمثل حلقة أساسية في الحد من تموين شبكات التوزيع.
لماذا تبقى الوقاية أفضل وسيلة للمواجهة؟

تُظهر الدراسات العلمية أن نسبة كبيرة من حالات الإدمان تبدأ قبل سن الخامسة والعشرين، وهي المرحلة التي لا يزال خلالها الدماغ يواصل نموه، ومن بين العوامل التي تزيد من خطر التعاطي:
- التوتر المزمن.
- المشكلات الأسرية.
- الانقطاع عن الدراسة.
- العزلة الاجتماعية.
- الاضطرابات النفسية غير المعالجة.
- تأثير الأقران.
وكلما بدأت الوقاية في وقت مبكر، ازدادت فرص تجنب الوقوع في الإدمان.
توصيات طبية للشباب والأسر
يوصي خبراء علاج الإدمان بما يلي:
بالنسبة للأولياء
- إقامة حوار منتظم مع المراهقين.
- ملاحظة التغيرات السلوكية بسرعة.
- تشجيع الأنشطة الرياضية والثقافية.
- طلب المساعدة عند وجود أي شك.
بالنسبة للشباب
- التعرف على التأثيرات الحقيقية للمواد المخدرة.
- تجنب التعاطي بدافع التجربة.
- تعلم طرق صحية للتعامل مع التوتر.
- استشارة مختص عند الشعور بضيق نفسي.
بالنسبة للمؤسسات التعليمية
- تعزيز برامج التربية الصحية.
- تطوير برامج الوقاية.
- تشجيع المرافقة النفسية المبكرة.
تحدٍ جماعي لحماية الأجيال القادمة
بعد عام من إطلاق الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية، تواصل الجزائر جهودها لبناء استجابة شاملة ومتوازنة ومستدامة، ولا تقتصر مكافحة المخدرات على المؤسسات الأمنية وحدها، بل تُعد قبل كل شيء قضية صحة عامة، وتربية، وتماسك اجتماعي.
فالوقاية والعلاج والمرافقة والحماية، تبقى الركائز الأساسية لاستراتيجية تهدف إلى صون الشباب، وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود، وضمان مستقبل أكثر أمناً للأجيال القادمة.
وكما يؤكد مختصو الصحة النفسية وعلاج الإدمان، فإن كل حالة تعاطٍ يتم تفاديها، وكل شاب يتم توعيته، وكل شخص يتلقى المرافقة اللازمة، يمثل انتصاراً جماعياً في مواجهة هذه الآفة العالمية.
الكلمات المفتاحية: المخدرات، الإدمان، المؤثرات العقلية، الوقاية، الصحة العامة، علاج الإدمان، الاعتماد على المواد، الشباب، التوعية، الأمن الصحي، الجريمة المنظمة، إعادة الإدماج، الديوان الوطني لمكافحة الإدمان، الجزائر.
اقرأ أيضاً: