
في كل ليلة يقضي ملايين الأشخاص وقتهم يتقلبون في فراشهم، يحدّقون في السقف، بينما تتزاحم الأفكار في أذهانهم. ويعاني كثير من الجزائريين من الأرق المزمن، لأسباب متعددة: التوتر، الشاشات، القلق، إيقاع الحياة غير المنتظم أو سوء نظافة النوم. ومنذ أجيال يُنصح من يعجزون عن النوم بأن “يعدّوا الأغنام” حتى يغفو، وهي تقنية شعبية بسيطة وشاعرية يُعتقد أنها تهدئ الذهن. لكن طريقة جديدة، سهلة وبلا أدوية، صادرة عن أطباء بريطانيين، تعدُ بمساعدة الشخص على النوم خلال دقائق فقط: إنها تقنية “الخلط المعرفي”.
عدّ الأغنام: طقس قديم… ليس دائمًا فعّالًا
تخيّل أغنامًا تقفز حاجزًا واحدًا تلو الآخر في مرج هادئ… هذه الصورة رافقت البشرية لقرون، أين تقوم هذه الطريقة ذات الأصل الريفي التي انتشرت في القرن التاسع عشر، على مبدأ إشغال الذهن عن أفكاره المقلقة، فبالتركيز على مشهد رتيب ومتكرر، يأمل الشخص في تهدئة تدفق الأفكار.
لكن الدراسات العلمية قدّمت صورة مختلفة قليلاً، فقد أظهرت دراسة في جامعة أكسفورد أن الأشخاص الذين عدّوا الأغنام احتاجوا أحيانًا وقتًا أطول للنوم مقارنةً بمن تخيّلوا مشاهد مريحة كالشاطئ أو النهر أو الغابة، لماذا؟ لأن الدماغ يملّ بسرعة فيعود ليتشبث بالأفكار المزعجة، حيث يوضح عدد من مختصي النوم أن عدّ الأغنام ليس بلا فائدة، لكنه رتيب للغاية، فالعقل ينفصل عنه ثم يعود إلى الاجترار الذهني.
الخلط المعرفي: النسخة العلمية من عدّ الأغنام
لتطوير هذا المبدأ القديم، اقترح أطباء بريطانيون تقنية تنتمي لعلم النفس المعرفي تُعرف بـ الخلط المعرفي (Cognitive Shuffling)، وتقوم الفكرة الأساسية على استبدال الأغنام بأفكار عشوائية وإيجابية بهدف إشغال الدماغ دون إثقاله، عبر منحه مهمة خفيفة ومتنوّعة حتى لا يملّ ولا يقلق.
الطريقة: أبجدية لتهدئة العقل
الخطوات بسيطة بشكل مدهش:
- استلقِ في الظلام واسترخِ.
- اختر حرفًا من الأبجدية لنقل حرف الباء.
- ابدأ بذكر أسماء أو كلمات تبدأ بهذا الحرف: بوعريسة، بن لفقي، بسبوسة…
- انتقل بعدها إلى الحرف التالي دون جهد: كراميل، كرسي، كمال…
والمطلوب ليس إكمال الأبجدية، بل توليد سلسلة من الأفكار الحيادية وغير المرتبطة بأي توتر، فهذا “اللعب الذهني” ينشّط الخيال برفق ويمنع القلق من السيطرة، وغالبًا… لن تصل إلى الحرف هـ أو واو، فالنوم سيأتي قبل ذلك.
هذه الطريقة تحاكي حالة تُسمّى المرحلة الانتقالية بين اليقظة والنوم (Hypnagogia)، حيث تصبح الأفكار ضبابية، غير منطقية، وقريبة من الأحلام، بينما يسترخي الجسم ويبطؤ التنفس وينشط الجهاز العصبي اللاودي.
لماذا تعمل هذه الطريقة؟ العلم يجيب
تكمن فعالية “الخلط المعرفي” في قدرته على تهدئة قشرة الدماغ الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن التفكير والتخطيط، فعندما نجترّ الأفكار، تبقى هذه المنطقة في حالة نشاط زائد.
ومن خلال التركيز على مهمة بسيطة ومحايدة، نتيح للجهاز العصبي اللاودي أن يستعيد السيطرة وهو المسؤول عن الاسترخاء، تهدئة التنفس، وتعزيز إفراز الميلاتونين، هرمون النوم.
بمعنى آخر: نمنح الدماغ مهمة لطيفة… فيرتاح، وهذا النوع من التشتيت المحسوب يشغل العقل بما يكفي لإبعاده عن القلق، دون التسبب في أي توتر أو تحفيز مفرط، أين تؤكد أبحاث اليقظة الذهنية والاسترخاء المعرفي هذا التأثير من خلال توجيه الانتباه نحو نشاط محايد يساعد على تهدئة تدفق الأفكار، ارتخاء العضلات، والانتقال الطبيعي نحو النوم.
من الأغنام إلى الحروف: نفس الفكرة… لكن بنتائج أفضل
- تعتمد طريقة الأغنام على التكرار
- أما الخلط المعرفي فيعتمد على التنوع والانسيابية.
كلاهما يسعيان لهدف واحد: إبعاد الذهن عن القلق وفتح باب النوم.
لكن التقنية الجديدة تستفيد من علوم الأعصاب الحديثة، فتستخدم قوة اللغة والخيال لإبقاء الدماغ في منطقة الراحة الذهنية.
عندما نولّد صورًا ذهنية لا علاقة لها بالواقع، فإننا نهيّئ الدماغ لدخول حالة ما قبل الحلم وهي المرحلة التي تسبق النوم مباشرة.
طقس للنوم… وليس حلاً سحريًا
هذه الطريقة ليست علاجًا معجزيًا، لكنها أداة فعّالة في الليالي التي يسيطر فيها التوتر أو الإرهاق الذهني، كما أنها بسيطة، طبيعية، بلا آثار جانبية، ويمكن تطبيقها كل ليلة إلى جانب عادات نوم سليمة.
لتحقيق نتائج دائمة تبقى عادات النوم الصحية أساسية.
توصيات الخبراء:

- الالتزام بمواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ، بما في ذلك عطلة نهاية الأسبوع.
- تجنّب المنبهات (القهوة، الشاي، النيكوتين، الكحول) بعد الساعة الرابعة مساءً.
- إيقاف الشاشات قبل النوم بما لا يقل عن 45 دقيقة، لأن الضوء الأزرق يثبط إفراز الميلاتونين.
- الحفاظ على غرفة نوم باردة (حوالي 18 درجة مئوية) وهادئة.
- ممارسة نشاط بدني منتظم لكن ليس في وقت متأخر جدًا من المساء.
- تهيئة الجسم للنوم عبر طقس هادئ: قراءة، تنفس، استرخاء، تمددات خفيفة.
- والأهم، عدم “إجبار” النفس على النوم. فالجسم يستسلم للراحة في النهاية.
- الانتظام هو أفضل منوم طبيعي. فالدماغ يحب الروتين، لأنه يطمئنه ويُنسّق ساعته البيولوجية.
متى يجب استشارة الطبيب؟
إذا استمرت صعوبات النوم أكثر من ثلاث مرات أسبوعيًا ولمدة تتجاوز ثلاثة أشهر، أو إذا أثرت على التركيز أو المزاج أو الحياة الاجتماعية، فمن المستحسن استشارة طبيب.
قد يبحث الطبيب عن سبب طبي محتمل (انقطاع النفس أثناء النوم، القلق، الاكتئاب، اضطراب هرموني…) أو يوجه نحو العلاج السلوكي المعرفي المعروف اليوم بأنه العلاج الأكثر فعالية للأرق المزمن.
استعادة النوم… بلا قيود
تنتمي هذه الطريقة إلى مقاربة حديثة للرفاه والصحة، تقوم على المصالحة بين الجسد والعقل دون الإفراط في الأدوية فهي تذكّر بحقيقة بسيطة: سواء عدَدْتَ الأغنام أو مررتَ على حروف الأبجدية… لا يهم، فالرسالة واحدة وهي أن النوم لا يُؤمَر به، بل يُستقبَل، والعقل يغفو عندما نتوقف عن إرغامه.
النوم ليس مهمة نسعى لإنجازها، بل حالة طبيعية من الاستسلام والهدوء. إنها مهارة بسيطة قد نكون نسيناها في زحمة الحياة، لكنها تظل ضرورية لصحة الجسد وراحة الروح.
الكلمات المفتاحية: دماغ؛ نوم؛ نوم صحي؛ هرموني؛ خلط؛ معرفي؛ صورة.
إقرأ أيضاً: