صحة جيدة لحياة أفضل

الأمراض التنكسية العصبية: عندما تقول دموعنا الكثير عن صحتنا

حرر : د. سليم بن لفقي | دكتور في علوم الأعصاب
9 مايو 2026

يقال غالبا إن الدموع تفضح المشاعر، لكن وفق دراسة حديثة، قد تكشف الدموع أيضا مؤشرات ثمينة عن صحة الدماغ. وتشير أبحاث جديدة إلى أن الدموع البشرية قد تصبح أداة تشخيصية غير تدخلية لبعض الأمراض التنكسية العصبية، مثل ألزهايمر أو باركنسون.

دموع بسيطة… ومؤشرات بيولوجية قوية

يذرف كل إنسان خلال حياته، ما بين 70 و100 لتر من الدموع، أي ما قد يصل إلى 5 ملايين قطرة، بحسب دراسة منشورة في مجلة Psychotherapy  ، وهذه الدموع بعيدا عن كونها مجرد متنفس عاطفي، تؤدي أدوارا مهمة في ترطيب العين وحمايتها وضمان وضوح الرؤية.

لكن العلماء ينظرون إليها اليوم من زاوية أخرى: باعتبارها مرآة بيولوجية لجهازنا العصبي.

تقليديا يدرس الباحثون صحة العين من خلال سوائل داخلية، مثل الخلط المائي والخلط الزجاجي، وهما سائلان أساسيان في عمل العين. غير أن المشكلة تكمن في أن أخذ عينات منهما عملية معقدة وتدخلية، وغالبا ما تكون مرتبطة بالتدخلات الجراحية.

توضح “مارتا سان روكي” طالبة دكتوراه ضمن مجموعة الابتكار في الحويصلات والخلايا للتطبيقات العلاجية في معهد Germans Trias i Pujol للأبحاث في إسبانيا: “يمكن أن توفر الدموع بديلا أبسط وأكثر أمانا وراحة للمريض”.

وقد ركز فريقها على الحويصلات خارج الخلوية، وهي جسيمات دقيقة جدا تفرزها الخلايا، وقادرة على نقل البروتينات والدهون وأجزاء من الحمض النووي الريبي. وتعد هذه الحويصلات رسائل بيولوجية حقيقية، إذ تتحرك بحرية في سوائل الجسم، بما في ذلك الدموع.

في مراجعة علمية نشرت في مجلة Extracellular Vesicles and Circulating Nucleic Acids، جمع الباحثون الإسبان نتائج أكثر من مئة دراسة تناولت الدور المحتمل للحويصلات خارج الخلوية الموجودة في الدموع، وكانت النتيجة أن هذه البنى المجهرية قد تحتوي على مؤشرات حيوية، أي بصمات جزيئية، قادرة على الإشارة مبكرا إلى بعض الأمراض التنكسية.

وتوضح مارتا سان روكي: “لا تقدم الدموع معلومات عن سطح العين فقط، بل عن البنى الداخلية أيضا، وربما عن الدماغ نفسه”.

فالحويصلات خارج الخلوية تتميز بقدرتها على عبور الحاجز الدموي الدماغي، وهو الحاجز الذي يفصل الدماغ عن بقية الجسم. لذلك قد تعكس تركيبتها عمليات مرضية مرتبطة بأمراض مثل ألزهايمر، وباركنسون، والتصلب الجانبي الضموري.

يتميز جمع الدموع بأنه سريع وغير مؤلم ولا يتطلب معدات ثقيلة، لذلك قد يستخدم مستقبلا في طب الوقاية أو في متابعة المرضى المعرضين للخطر، وتؤكد الباحثة أن “هذه المقاربة تمثل خطوة أولى نحو أدوات فحص بسيطة وغير تدخلية”، داعية إلى اتباع توصيات الجمعية الدولية للحويصلات خارج الخلوية من أجل توحيد بروتوكولات التحليل.

ويأمل الباحثون أن يتيح هذا المسار الجديد الكشف المبكر عن بعض الأمراض التنكسية العصبية، التي غالبا ما يتم تشخيصها في مراحل متأخرة، عندما تكون الأضرار العصبية قد أصبحت غير قابلة للعكس.

يذكر المختصون بأن صحة العين ترتبط ارتباطا وثيقا بالصحة العصبية، ويمكن لبعض الإجراءات البسيطة أن تساعد في الحفاظ عليهما معا:

  • فحص النظر بانتظام، خاصة بعد سن الأربعين.
  • حماية العينين من الشاشات، وأشعة الشمس، والتلوث.
  • اعتماد غذاء غني بالأوميغا 3 والفيتامينين A وE، مثل الأسماك الدهنية، والمكسرات، والخضروات الملونة.
  • النوم لساعات كافية، لأن النوم الجيد يساعد على تجدد الخلايا العصبية.
  • الانتباه إلى أي علامات مبكرة، مثل تشوش الرؤية، أو إجهاد العين، أو اضطرابات الذاكرة أو التنسيق الحركي، لأنها تستدعي استشارة الطبيب.

عند نقطة التقاء علم الأعصاب وطب العيون، تفتح هذه الأبحاث الباب أمام طب أكثر تكاملا، حيث تتحاور المشاعر والخلايا وسوائل الجسم.

فالدموع التي كان ينظر إليها سابقا على أنها مجرد شاهد على الحزن أو الفرح، قد تصبح غدا مؤشرا حيويا عالميا، قادرا على كشف ما يحدث بصمت داخل دماغنا.

الكلمات المفتاحية: الدموع؛ العيون؛ علم الأعصاب؛ طب العيون؛ العاطفة؛ المؤشر الحيوي؛ الدماغ.

إقرأ أيضاً: