صحة جيدة لحياة أفضل

هل يجعل شات جي بي تي الدماغ أقل كفاءة ؟ ما الذي تكشفه الدراسة العلمية فعلًا

حرر : د. سليم بن لفقي | دكتور في علوم الأعصاب
2 سبتمبر 2026

أثارت دراسة حديثة حول استخدام شات جي بي تي وغيرها من تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي العديد من ردود الفعل. وقد رأى البعض فيها دليلًا على أن هذه الأدوات «تُضعف» الدماغ، إلا أن الباحثين لم يتوصلوا أبدًا إلى مثل هذا الاستنتاج، بل تُظهر النتائج أن الذكاء الاصطناعي يغيّر الطريقة التي نُسخّر بها مواردنا المعرفية من دون أن يثبت أنه يتسبب في تدهور الدماغ.

فمنذ انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل شات جي بي تي وGemini وClaude يطرح سؤال نفسه بانتظام: هل تجعلنا هذه الأدوات في نهاية المطاف أقل ذكاءً؟ وقد غذّت دراسة حديثة هذا النقاش على نطاق واسع بعد تداولها بطريقة مبالغ فيها أحيانًا على وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام، فقد أوحت عناوين مثيرة للقلق بأن شات جي بي تي يحرق الدماغ أو يُضعفه.

لكن القراءة المتأنية للأبحاث العلمية تُظهر أن هذا التفسير غير صحيح، فلم يؤكد مؤلفو الدراسة أبدًا أن استخدام نموذج لغوي يؤدي إلى تدهور الدماغ.

ونُشرت الدراسة في شكل بحث أولي على منصة arXiv أي قبل إخضاعها لتقييم خبراء مستقلين وكانت تهدف إلى فهم كيفية تأثير الأدوات المختلفة في العمليات المعرفية أثناء أداء مهمة تتعلق بالكتابة، ولم يكن الهدف قياس أي فقدان محتمل للذكاء أو البحث عن ضمور في الدماغ.

ووفقًا لعالم الأعصاب والأخصائي النفسي السريري ألبرت موخيبر فقد نشأ جزء من الالتباس بسبب تعليقات نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لخّصت الدراسة بطريقة غير دقيقة قبل أن يعاد تداولها على نطاق واسع، وقد أدرج الباحثون أنفسهم في مخطوطتهم تعليمات موجهة إلى نماذج اللغة بهدف منعها من إنتاج ملخصات خاطئة وهو ما يدل على أنهم كانوا يتوقعون هذا النوع من الانحراف.

قارن العلماء بين ثلاث حالات عمل تقريبًا أثناء تمرين للكتابة، أين طُلب من المشاركين كتابة مقال في إحدى الحالات الثلاث التالية:

  • استخدام نموذج لغوي مثل شات جي بي تي حصريًا
  • إجراء عمليات بحث باستخدام محرك بحث تقليدي
  • الكتابة اعتمادًا على معارفهم الخاصة فقط من دون أي مساعدة تكنولوجية

وطوال التجربة حلّل الباحثون عدة مؤشرات:

  • نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربية الدماغ EEG
  • العبء المعرفي أي الجهد الذهني المبذول
  • القدرة على تذكر المحتوى الذي تمت كتابته
  • الشعور بأنهم هم من أنتجوا النص فعلًا
  • مدى الرضا عن العمل المنجز

تُظهر النتائج أن استخدام أداة رقمية يقلل جزءًا من الجهد الذهني اللازم لإنجاز بعض المهام، فعند استخدام محرك بحث كان المشاركون يوظفون قدرًا أقل من الذاكرة العاملة للعثور على المعلومات، وعند استخدام نموذج لغوي مثل شات جي بي تي كان هذا الانخفاض في العبء المعرفي أكبر، وهذا لا يعني أن الدماغ يعمل بشكل أقل كفاءة، بل يوضح الباحثون أن بعض العمليات يتم إسنادها ببساطة إلى الأداة الرقمية. ويمكن للدماغ عندها تخصيص المزيد من الموارد لوظائف أخرى مثل تنظيم الأفكار والتخطيط وبناء الاستدلال، وهذه الظاهرة تشبه استخدام الآلة الحاسبة لإجراء عملية حسابية معقدة أو استخدام نظام تحديد المواقع GPS للعثور على الطريق.

ويتعلق أحد أهم أخطاء التفسير بالقياسات التي أُجريت أثناء الدراسة، فقد ارتدى المشاركون خوذة لتخطيط كهربية الدماغ EEG وهو فحص يسجل النشاط الكهربائي للدماغ، لكن تخطيط كهربية الدماغ لا يسمح إطلاقًا بمراقبة انخفاض حجم الدماغ أو اكتشاف ضموره، ولإثبات فقدان أنسجة الدماغ يجب اللجوء إلى فحوص التصوير الطبي مثل التصوير بالرنين المغناطيسي MRI، لذلك فإن القول إن شات جي بي تي يُسبب ضمور الدماغ استنادًا إلى هذه الدراسة لا أساس له من الناحية العلمية.

من جهتهم لاحظ الباحثون أن النشاط بين بعض مناطق الدماغ كان أقل شدة عندما استخدم المشاركون نموذجًا لغويًا، ولا يمثل هذا الانخفاض في الاتصال خللًا، بل يعكس ببساطة انخفاض العبء المعرفي بفضل أداة تتولى جزءً من معالجة المعلومات، فكلما قامت أداة بأتمتة بعض العمليات قلّت الموارد التي يحتاج الدماغ إلى تعبئتها لتنفيذها، وهذا أمر متوقع ولا يعني أن القدرات المعرفية تتراجع.

تقدم الدراسة مع ذلك نتيجة مثيرة للاهتمام بشكل خاص، فخلال مرحلة ثانية عكس الباحثون الظروف التجريبية، فالمشاركون الذين بدأوا باستخدام شات جي بي تي طُلب منهم بعد ذلك الكتابة من دون أي مساعدة بينما استخدم المشاركون الذين عملوا بمفردهم نموذجًا لغويًا بعد ذلك، وأظهر الأشخاص الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي أولًا نشاطًا دماغيًا أقل عندما أنجزوا المهمة بمفردهم لاحقًا، وعلى العكس أظهر المشاركون الذين بدأوا من دون مساعدة زيادة في نشاط الدماغ عندما استخدموا شات جي بي تي بعد ذلك.

وتشير هذه الملاحظات إلى أن ترتيب التعلم قد يؤثر في الطريقة التي نستخدم بها مواردنا المعرفية ومع ذلك يرى الباحثون أن هذه النتائج تحتاج إلى تأكيد من خلال دراسات أخرى قبل استخلاص استنتاجات نهائية منها.

توصلت دراسة أخرى أُجريت على موظفين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي بانتظام إلى نتيجة مكملة، فكلما زادت ثقة المستخدمين العمياء في الإجابات التي ينتجها نموذج لغوي قلّ استخدامهم للتفكير النقدي، وهذه الملاحظة لا تتعلق بالذكاء الاصطناعي وحده، ففي علم النفس المعرفي من المعروف منذ فترة طويلة أن الثقة المفرطة في مصدر للمعلومات تقلل بشكل طبيعي من جهد التحقق، وعلى عكس الآلة الحاسبة يمكن لنموذج اللغة أن ينتج أخطاء ويختلق مراجع ويقدم معلومات خاطئة بثقة كبيرة، ويطلق المتخصصون على ذلك اسم «الهلوسات» وهو ظاهرة معروفة في أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولهذا السبب يجب دائمًا التحقق من الإجابات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي خصوصًا عندما تتعلق بالصحة أو القانون أو العلوم أو أي مجال حساس آخر.

يرى المؤلفون أن هذه الدراسة تطرح بالدرجة الأولى تساؤلات حول دمج الذكاء الاصطناعي في المدارس والجامعات، وبالنسبة إلى العديد من المتخصصين لا يتعلق الأمر بمنع هذه الأدوات بل بتعلم كيفية استخدامها بطريقة مدروسة والهدف هو أن يطور الطلاب أولًا مهاراتهم في التحليل والكتابة والاستدلال قبل الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لاستكمال أعمالهم، ويؤكد المعلمون أيضًا أهمية شرح كيفية عمل نماذج اللغة وحدودها وانحيازاتها ومخاطر وقوعها في الأخطاء.

يوصي الخبراء باستخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد وليس كبديل عن التفكير، وتتيح بعض الممارسات الجيدة الاستفادة منه بأفضل شكل:

  • استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الأفكار بدلًا من الاعتماد عليه بشكل منهجي لإنتاج عمل كامل
  • التحقق من المعلومات المهمة بالاستعانة بمصادر موثوقة
  • الحفاظ على التفكير الشخصي قبل استشارة نموذج لغوي
  • تنمية التفكير النقدي عند التعامل مع الإجابات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي
  • تجنب الثقة العمياء في المحتوى الذي يتم إنتاجه

حتى الآن لم تثبت أي دراسة أن شات جي بي تي أو نماذج اللغة الأخرى «تدمر» الدماغ أو «تسبب ضموره» أو «تجعله كسولًا» بل تُظهر الأبحاث أن هذه الأدوات تغير توزيع الجهد المعرفي من خلال أتمتة بعض المهام، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي بل في الطريقة التي نختار بها استخدامه ولا سيما في التعليم والعمل والتعلم.

  • لم تستنتج الدراسة أبدًا أن شات جي بي تي يسبب ضمور الدماغ
  • لاحظ الباحثون انخفاضًا في العبء المعرفي وليس انخفاضًا في القدرات الفكرية
  • لا يسمح تخطيط كهربية الدماغ بقياس ضمور الدماغ
  • تسند نماذج اللغة جزءًا من معالجة المعلومات إلى الأداة كما تفعل الآلة الحاسبة أو نظام تحديد المواقع GPS
  • يكمن الخطر الرئيسي في الثقة المفرطة بالإجابات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي
  • يجب أن يترافق استخدام هذه الأدوات مع التفكير النقدي والتحقق من المعلومات

الكلمات المفتاحية :شات جي بي تي، الذكاء الاصطناعي، الذكاء الاصطناعي التوليدي، الدماغ، علوم الأعصاب، العبء المعرفي، تخطيط كهربية الدماغ، الذاكرة، العمل، التفكير النقدي، التعلم، التعليم، الهلوسات، الإدراك، البحث العلمي، التقنيات الرقمية، الصحة المعرفية.

اقرأ أيضاً: