
قد يحدث قريبا الحمض النووي الريبي المرسال (ARNm) الذي تصدر المشهد العالمي مع لقاحات كوفيد-19، ثورة في مجال طبي آخر طال إهماله، وهو علاج حالات التسمم الناتجة عن لدغات الأفاعي. فقد أثبت باحثون أوروبيون أن حقنة من الـARN يمكنها الحد من النخر العضلي الذي يسببه سم أحد أخطر الأفاعي في أمريكا اللاتينية.
آفة عالمية ما تزال تعاني من ضعف الرعاية
يتعرض كل سنة نحو 5.4 ملايين شخص حول العالم للدغات الأفاعي. وتتسبب هذه الحالات في ما يقارب 140 ألف وفاة، وتترك مئات الآلاف من الضحايا يعانون من مضاعفات خطيرة مثل البتر، الشلل، الآلام المزمنة أو التدمير العضلي غير القابل للعلاج.
ورغم هذا العبء الصحي الكبير، لا تزال الخيارات العلاجية محدودة. فالأمصال المضادة للسموم، والمستخلصة من أجسام مضادة تنتج لدى الحيوانات، تمثل اليوم العلاج النوعي الوحيد. وهي تنقذ الأرواح، لكنها تعاني من عدة نقائص أساسية، من بينها ارتفاع التكلفة، وعدم توفرها بشكل متكافئ، وصعوبة الحفاظ على سلسلة التبريد، إضافة إلى فعاليتها المحدودة في علاج الأضرار الموضعية، خاصة نخر الأنسجة حول موضع اللدغة.
الحمض النووي الريبي المرسال: أبعد من اللقاحات
منذ عام 2020 فرض الحمض النووي الريبي المرسال نفسه كمنصة علاجية متعددة الاستخدامات. ويقوم مبدؤه على تزويد الخلايا بتعليمات مؤقتة لإنتاج بروتين معين دون أي تعديل في الحمض النووي.
وقد طورت هذه التكنولوجيا في البداية لعلاج الأمراض المعدية، لكنها اليوم تخضع للدراسة في مجالات عديدة مثل علاج السرطان، والأمراض الوراثية، وعلم المناعة. وتعد حالات التسمم بلدغات الأفاعي أحدث مجال يتم استكشافه.
فكرة وُلدت من رحم الجائحة
يوضح أندرياس هوغارد لاوستن-كيل، أستاذ في الجامعة التقنية بالدنمارك، قائلا: “ظهرت الفكرة سنة 2021، عندما اقترح ديريك روسي، الشريك المؤسس لشركة موديرنا، إمكانية استخدام الحمض النووي الريبي المرسالعلاج لدغات الأفاعي”.
وبالتعاون مع فريق من الباحثين من جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة والجامعة التقنية بالدنمارك، سعى العلماء للإجابة عن سؤال محوري: هل يمكن استخدام الحمض النووي الريبي المرساللحماية الأنسجة من التأثيرات التدميرية للسم، قبل أن تصبح الأضرار غير قابلة للإصلاح؟
استهداف النخر العضلي: نقطة ضعف العلاجات الحالية
يحتوي سم العديد من الأفاعي على سموم تدمر بسرعة الألياف العضلية والأوعية الدموية. وحتى في الحالات التي ينجح فيها المصل المضاد في تحييد السم المنتشر في الدم، غالبا ما تستمر الأضرار الموضعية في التفاقم.
وقد طور الباحثون حقنة الحمض النووي الريبي المرسال ترمز لبروتينات واقية، قادرة على تعطيل الآليات الجزيئية المسؤولة عن تدمير العضلات. وعند اختبارها على نماذج تجريبية تعرضت لسم أفعى من أمريكا اللاتينية، أظهرت هذه المقاربة انخفاضا ملحوظا في درجة النخر عند موضع اللدغة.
مكمل وليس بديلا عن الأمصال
ويؤكد العلماء أن هذه التكنولوجيا لا تهدف إلى تعويض الأمصال المضادة للسموم، بل إلى استكمالها. إذ تعمل حقنة الحمض النووي الريبي المرسال على مستوى موضعي لحماية الأنسجة، بينما يواصل المصل دوره في تحييد السم المنتشر ومنع المضاعفات الجهازية.
ويمكن لهذا النهج المزدوج أن يحدث تحولا في رعاية المرضى، من خلال تقليص حالات البتر والإعاقات الخطيرة، لا سيما في المناطق الريفية بإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث غالبا ما يتأخر الوصول إلى الرعاية المتخصصة.
مزايا لوجستية وطبية واعدة
تتمتع حقنة الحمض النووي الريبي المرسال بعدة مزايا استراتيجية، إذ يمكن تصميمها بسرعة، وتكييفها مع أنواع مختلفة من السموم، وإنتاجها على نطاق واسع. وعلى المدى البعيد، قد يتم تطوير صيغ أكثر استقرارا منها، ما يسهل استخدامها في المناطق ذات الموارد المحدودة.
أما من الناحية الطبية، فتفتح هذه التكنولوجيا آفاقا جديدة لطب دقيق موجه ضد السموم، قادر على استهداف الآليات المحددة لتدمير الخلايا التي يحدثها كل نوع من السموم.

آفاق وحذر علمي
وتبدو النتائج واعدة لكنها لا تزال في المرحلة التجريبية. وستكون هناك حاجة إلى دراسات إضافية قبل أي تطبيق على الإنسان، لا سيما لتقييم السلامة، وسرعة المفعول، والفعالية الحقيقية في حالات الطوارئ.
ويؤكد الباحثون مع ذلك أن هذا التقدم يبرز الإمكانات الكبيرة للحمض النووي الريبي المرسال كأداة علاجية شاملة، قادرة على الاستجابة لتحديات صحية عالمية طالما تم إهمالها.
ثورة هادئة لكنها قد تكون حاسمة
من خلال التصدي لدغات الأفاعي تثبت تكنولوجيا لقاحات كوفيد أنها لا تقتصر على مواجهة الأوبئة فقط. بل قد تنقذ مستقبلا آلاف الأرواح وتقي من إعاقات خطيرة في أكثر مناطق العالم هشاشة وهو دليل إضافي على أن الابتكار الطبي، الذي يولد في لحظات الطوارئ، يمكنه إحداث تحول مستدام في الصحة العالمية.
الكلمات المفتاحية: كوفيد؛ لقاح؛ صحة؛ لدغة؛ أفعى؛ نخر؛ عضلي.
إقرأ أيضاً: