
تجذب الأنظمة الغذائية النباتية والنباتية الصرفة اهتماما متزايدا، حتى في المجتمعات التي ما تزال تقاليدها الغذائية مرتبطة بقوة باستهلاك اللحوم. وغالبا ما يتم تقديم هذه الأنظمة باعتبارها أكثر احتراما للبيئة، ولرفاه الحيوان، وأحيانا للصحة. لكنها تطرح في المقابل سؤالا جوهريا: هل يمكنها فعلا أن تقلل خطر الإصابة بالسرطان؟ تقدم منشوران علميان حديثان، صدرا في مجلتي British Journal of Cancer وEuropean Journal of Epidemiology، معطيات جديدة حول هذا الموضوع، غير أن الواقع العلمي، خلف الوعود المبسطة أحيانا، يبقى أكثر تعقيدا وتوازنا.
مسار جاد، لكنه ليس حقيقة مطلقة
منذ عدة سنوات أشارت مراجعات منهجية ودراسات جماعية متعددة إلى أن النظام الغذائي النباتي أو النباتي الصرف قد يكون مرتبطا بانخفاض طفيف في الخطر العام للإصابة بالسرطان. وقد غذت هذه الفرضية خطابا شائعا بشكل متزايد حول فكرة أن “تناول كميات أقل من اللحوم” قد يكون شكلا من أشكال الوقاية الطبيعية.
لكن عندما نغادر العموميات وننتقل إلى دراسة كل نوع من السرطان على حدة، تبدأ درجة اليقين في التراجع. فليست كل السرطانات تتأثر بالطريقة نفسها بالعادات الغذائية والأهم من ذلك أن عزل تأثير النظام الغذائي وحده عن عوامل حاسمة أخرى، مثل التدخين، والوزن، والنشاط البدني، والكحول، والمستوى الاجتماعي والاقتصادي، وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، يبقى أمرا صعبا للغاية.
ما الذي أظهرته مراجعة الوكالة الفرنسية للأمن الصحي Anses؟
في جوان 2024 خصصت الوكالة الفرنسية للأمن الصحي Anses مراجعة منهجية للعلاقة بين الأنظمة الغذائية النباتية والصحة. وكانت خلاصاتها حذرة إذ اعتبرت أن مستوى الأدلة ما يزال ضعيفا. وقد أشارت بعض المعطيات إلى احتمال انخفاض خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان لدى النباتيين، لا سيما سرطان المعدة، وسرطان البروستاتا، وبعض سرطانات الدم. أما لدى النباتيين الصرف فقد تمت الإشارة أيضا إلى انخفاض محتمل في خطر الإصابة بسرطان البروستاتا.
في المقابل لم يتم العثور على علاقة واضحة مع عدة سرطانات شائعة، من بينها سرطان الرئة، وسرطان القولون والمستقيم، وسرطان الثدي، وسرطان المبيض، وسرطان بطانة الرحم، وسرطانات الجهاز البولي. وبعبارة أخرى لا تسمح النتائج بالقول إن النظام النباتي يحمي بشكل موحد من جميع أنواع السرطان.
تحليل تلوي بحجم غير مسبوق
لفهم الصورة بشكل أفضل أجرى علماء وبائيات من جامعة أكسفورد أوسع تحليل تلوي للدراسات الجماعية المستقبلية حول هذا الموضوع. وكان هدفهم واضحا متمثلا في مقارنة أنماط غذائية مختلفة، على نطاق واسع جدا، ودراسة علاقتها بأهم أنواع الأورام.
واختار الباحثون أكبر الدراسات الجماعية المتوفرة عالميا بشرط أن تضم إما عددا كبيرا جدا من المشاركين، أو نسبة مرتفعة من النباتيين، مع متابعة موثوقة لظهور حالات السرطان. وفي المجموع تم اعتماد إحدى عشرة دراسة جماعية، ساهمت تسع منها فعليا في النتائج النهائية. ومن بين هذه الدراسات: EPIC-Oxford، وUK Biobank، وMillion Women Study، وNIH-AARP، وAdventist Health Study 2.
كما تم تقسيم المشاركين إلى عدة مجموعات حسب عاداتهم الغذائية: مستهلكو اللحوم الحمراء أو المصنعة، ومستهلكو الدواجن، وأشخاص يتناولون الأسماك دون اللحوم، ونباتيون. وهذه التفرقة مهمة لأنها تسمح بتجنب الاختصارات والتعميمات، وتساعد على ملاحظة الفروق بين أنظمة غذائية مختلفة فعلا.
ماذا يغير ذلك بالنسبة للقارئ الجزائري؟
في السياق الجزائري تستحق هذه المسألة قراءة خاصة، فالغذاء اليومي هنا ليس مجرد مسألة اختيارات فردية أو موضة عالمية بل يرتبط أيضا بالقدرة الشرائية، والتقاليد العائلية، والعادات الجهوية، وتوفر المنتجات. بين الكسكسي بالخضر، والبقوليات، وزيت الزيتون، والأطباق القائمة على السميد، والفواكه الموسمية، وبين الاستهلاك المفرط أحيانا للحوم الدسمة، واللحوم المصنعة، والأطعمة المقلية، والمنتجات الصناعية، تبدو الحقيقة الغذائية الجزائرية متباينة.
لذلك، لا تكمن أهمية هذه الدراسات في وضع “النباتيين الجيدين” في مواجهة “مستهلكي اللحوم السيئين” بشكل حاد. إن قيمتها في مكان آخر: فهي تذكر بأن الجودة العامة للنظام الغذائي أهم من التسميات. إن تقليل اللحوم المصنعة، والحد من الإفراط في الدهون، وزيادة حصة الخضر، والفواكه، والحمص، والعدس، والفاصولياء، والحبوب الكاملة، يمكن أن يمثل بالفعل تقدما كبيرا للصحة العامة في الجزائر.
النظام النباتي ليس حلا سحريا
يجب أيضا تجنب فخ آخر: الاعتقاد بأن النظام النباتي يحمي تلقائيا، فالغذاء الخالي من اللحوم قد يكون غير متوازن، وفقيرا بالعناصر الغذائية الأساسية، أو غنيا بالسكريات، والمنتجات فائقة التصنيع، والدهون ذات الجودة الرديئة. وفي المقابل يمكن لنظام غذائي متنوع ومعتدل يشمل أغذية حيوانية ونباتية ويعتمد على منتجات قليلة التصنيع أن يبقى منسجما مع مبادئ الوقاية الجيدة.
بمعنى آخر ليست المسألة في غياب اللحوم فقط، بل في ما يحل محلها. فطبق من العدس، والخضر، والحبوب التقليدية، لا يملك القيمة نفسها التي يملكها طبق نباتي صناعي، فقير بالألياف ومشبع بالإضافات. فالوقاية من السرطان لا تقوم على شعار غذائي، بل على نمط حياة متكامل ومنسجم.
الوقاية بدل اتباع الموضات
في بلد مثل الجزائر حيث تتقدم الأمراض المزمنة بصمت، تتجاوز هذه المسألة حدود التغذية وحدها. فهي تطرح أسئلة أوسع حول اختياراتنا الجماعية، وعلاقتنا بالمطبخ العائلي، وبالتصنيع الغذائي، وبقلة الحركة، وبالتربية الصحية. وليس الهدف نسخ نماذج وافدة من الخارج، بل إعادة الاعتبار لثقافة غذائية متوازنة، متاحة، ومتجذرة في واقعنا.
لذلك لا تقول هذه الدراسات الكبرى إن التحول إلى النظام النباتي يضمن الحماية من السرطان. لكنها تظهر أن نموذجا غذائيا أكثر اعتمادا على الأغذية النباتية، وأكثر اعتدالا، وأكثر غنى بالمنتجات الطبيعية الخام، وأقل ارتباطا باللحوم المصنعة، قد يساهم في تقليل بعض المخاطر. وهذا في حد ذاته أمر مهم. وهو قبل كل شيء تذكير أساسي: في مجال السرطان، نادرا ما تبدأ الوقاية الجادة من الشعارات والوعود الإعلامية؛ بل تبدأ من الطبق، لكنها تمتد أيضا إلى نمط الحياة، واليقظة الطبية، والثبات في الاختيارات اليومية.
الكلمات المفتاحية: النظام الغذائي النباتي؛ النباتي الصرف؛ السرطان؛ الوقاية؛ التغذية؛ الصحة؛ الجزائر؛ اللحوم المصنعة؛ الدراسات الجماعية المستقبلية؛ التغذية المتوازنة.
إقرأ أيضاً: